روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
 

Translate

الخميس، 19 مايو 2022

مجلد 42. و43. كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي


مجلد 42. و43. كتاب :البداية والنهاية الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي
---------- 
فأصابه بسببه ذرب فكاواه الاطباء وأمروه أن يحتمي منه فلم يقبل منهم، فكان يأكل منه خفية فمات رحمه الله.
وقد ترك من الاموال والاثاث والدواب شيئا كثيرا جدا، من ذلك عشرة آلاف ألف دينار، ومن الفضة شيئا كثيرا، وكان له ثلاثة وثلاثون ولدا، منهم سبعة عشر ذكرا، فقام بالامر من بعده ولده خمارويه كما سيأتي ما كان من أمره.
وكان له من الغلمان سبعة آلاف مولى، ومن البغال والخيل والجمال نحو سبعين ألف دابة، وقيل أكثر من ذلك.
قال ابن خلكان: وإنما تغلب على البلاد لاشتغال الموفق بن المتوكل بحرب صاحب الزنج، وقد كان الموفق نائب أخيه المعتمد.
وفيها توفي أحمد بن عبد الكريم بن سهل الكاتب صاحب كتاب الخراج.
قاله ابن خلكان.
وأحمد بن عبد الله بن البرقي (1).
وأسيد بن عاصم الجمال (2).
وبكار بن قتيبة المصري (3) في ذي الحجة من هذه السنة...والحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان في رجب منها، وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام، وقام من بعده بالامر أخوه محمد بن زيد.
وكان الحسن بن زيد هذا كريما جوادا يعرف الفقه والعربية، قال له مرة شاعر من الشعراء في جملة قصيدة مدحه بها: الله فرد وابن زيد فرد.
فقال له: اسكت سد الله فاك، ألا قلت: الله فرد وابن زيد عبد.
ثم نزل عن سريره وخر لله ساجدا وألصق خده بالتراب ولم يعط ذلك الشاعر شيئا.
وامتدحه بعضهم في أول قصيدة: لا تقل بشرى ولكن بشريان * غرة الداعي ويوم المهرجان (4) فقال له الحسن: لو ابتدأت بالمصراع الثاني كان أحسن، وأبعد لك أن تبتدئ شعرك بحرف " لا ".
فقال له الشاعر: ليس في الدنيا أجل من قول لا إله إلا الله.
فقال: أصبت وأمر له بجائزة سنية.
والحسن بن علي بن عفان العامري (5).
__________
(2) أبو بكر الزهري المصري، الحافظ.
كان حافظا عمدة قاله ابن ناصر الدين.
(2) صنف المسند وسمع من سعيد بن عامر الضبعي وطبقته.
(3) قاضي الديار المصرية سمع أبا داود الطيالسي وأقرانه.
(4) البيت لابي مقاتل الضرير واسمه نصر بن نصر الحلواني الشاعر (تاريخ طبرستان ومعاهد التنصيص) والمهرجان - بكسر الميم - عيد من أعياد الفرس ومعناه محبة الروح وكان يحتفل به في دولة بني العباس حتى من غير الفرس.
(5) أبو محمد العامري الكوفي روى عن عبد الله بن نمير وأبي أسامة وعدة.
قال أبو حاتم: صدوق.
مات في صفر .
وداود بن علي الاصبهاني ثم البغدادي الفقيه الظاهري إمام أهل الظاهر، روى عن أبي ثور وإبراهيم بن خالد وإسحاق بن راهويه وسليمان بن حرب وعبد الله بن سلمة القعنبي ومسدد بن سرهد، وغير واحد.
روى عنه ابنه الفقيه أبو بكر بن داود، وزكريا بن يحيى الساجي.
قال الخطيب: كان فقيها زاهدا وفي كتبه حديث كثير دال على غزارة علمه، كانت وفاته ببغداد في هذه السنة، وكان مولده في سنة مائتين.
وذكر أبو إسحاق السير امي في طبقاته أن أصله من أصبهان وولد بالكوفة، ونشأ ببغداد وأنه انتهت إليه رياسة العلم بها، وكان يحضر مجلسه أربعمائة طيلسان أخضر، وكان من المتعصبين للشافعي، وصنف مناقبه.
وقال غيره: كان حسن الصلاة كثير الخشوع فيها والتواضع.
قال الازدي ترك حديثه ولم يتابع الازدي على ذلك، ولكن روى عن الامام أحمد أنه تكلم فيه بسبب كلامه في القرآن، وأن لفظه به مخلوق كما نسب ذلك إلى الامام البخاري رحمهما الله.
قلت: وقد كان من الفقهاء المشهورين ولكن حصر نفسه بنفيه للقياس الصحيح فضاق بذلك ذرعه في أماكن كثيرة من الفقه، فلزمه القول بأشياء قطعية صار إليها بسبب اتباعه الظاهر المجرد من غير تفهم لمعنى النص.
وقد اختلف الفقهاء القياسيون بعده في الاعتداد بخلافه هل ينعقد الاجماع بدونه مع خلافه أم لا ؟ على أقوال ليس هذا موضع بسطها.
وفيها توفي الربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي وقد ترجمناه في طبقات الشافعية.
والقاضي بكار بن قتيبة الحاكم بالديار المصرية من سنة ست وأربعين ومائتين إلى أن توفي مسجونا بحبس أحمد بن طولون لكونه لم يخلع الموفق في سنة سبعين، وكان عالما عابدا زاهدا كثير التلاوة والمحاسبة لنفسه، وقد شغر منصب القضاء بعده بمصر ثلاث سنين.
وابن قتيبة الدينوري وهو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري قاضيها، النحوي اللغوي صاحب المصنفات البديعة المفيدة المحتوية على علوم جمة نافعة، اشتغل ببغداد وسمع بها الحديث على إسحاق بن راهويه،
وطبقته، وأخذ اللغة عن أبي حاتم السجستاني وذويه، وصنف وجمع وألف المؤلفات الكثيرة: منها كتاب المعارف، وأدب الكاتب الذي شرحه أبو محمد بن السيد البطليوسي، وكتاب مشكل القرآن والحديث، وغريب القرآن والحديث، وعيون الاخبار.
وإصلاح الغلط، وكتاب الخيل، وكتاب الانوار، وكتاب المسلسل والجوابات، وكتاب الميسر والقداح، وغير ذلك.
كانت وفاته في هذه السنة، وقيل في التي بعدها.
ومولده في سنة ثلاث عشرة ومائتين، ولم يجاوز الستين.
وروى عنه ولده أحمد جميع مصنفاته.
وقد ولي قضاء مصر سنة إحدى وعشرين وثلثمائة.
وتوفي بها بعد سنة رحمهما الله.
ومحمد بن إسحاق بن جعفر الصفار (1).
ومحمد بن مسلم (2) بن وارة.
ومصعب بن أحمد أبو
__________
(1) أبو بكر الصاغاني ثم البغدادي.
وثقه الدار قطني وغيره، قال النسائي: ثقة صاحب حديث.
مات في صفر .
أحمد الصوفي كان من أقران الجنيد.
وفيها توفي ملك الروم ابن الصقلبية لعنه الله.
وفيها ابتدأ إسماعيل بن موسى ببناء مدينة لارد (1) من بلاد الاندلس.
ثم دخلت سنة مائتين وإحدى وسبعين فيها عزل الخليفة عمرو بن الليث عن ولاية خراسان وأمر بلعنه على المنابر، وفوض أمر خراسان إلى محمد بن طاهر، وبعث جيشا إلى عمرو بن الليث فهزمه عمرو.
وفيها كانت وقعة بين أبي العباس المعتضد بن الموفق أبي أحمد وبين خمارويه بن أحمد بن طولون، وذلك أن خمارويه لما ملك بعد أبيه بلاد مصر والشام جاءه جيش من جهة الخليفة عليهم إسحاق بن كنداج نائب الجزيرة وابن أبي الساح فقاتلوه بأرض ويترز (2) فامتنع من تسليم الشام إليهم، فاستنجدوا بأبي العباس بن الموفق، فقدم عليهم فكسر خمارويه بن أحمد وتسلم دمشق واحتازها ثم سار خلف خمارويه إلى بلاد الرملة فأدركه عند ماء (3) عليه طواحين فاقتتلوا هنالك، وكانت تسمى وقعة الطواحين، وكانت النصرة أولا لابي العباس على خمارويه فهزمه حتى هرب خمارويه لا يلوي على شئ فلم يرجع حتى دخل الديار المصرية، فأقبل أبو العباس وأصحابه على نهب معسكرهم فبينما هم كذلك إذ أقبل كمين لجيش
خمارويه وهم مشغولون بالنهب فوضعت المصريون فيهم السيوف فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وانهزم الجيش وهرب أبو العباس المعتضد فلم يرجع حتى وصل دمشق، فلم يفتح له أهلها الباب فانصرف حتى وصل إلى طرسوس وبقي الجيشان المصري والعراقي يقتتلان وليس لواحد منهما أمير.
ثم كان الظفر للمصريين لانهم أقاموا أبا العشائر أخا خمارويه عليهم أميرا، فغلبوا بسبب ذلك واستقرت أيديهم على دمشق وسائر الشام، وهذه الوقعة من أعجب الوقعات.
وفيها جرت حروب كثيرة بأرض الاندلس من بلاد المغرب.
وفيها دخل إلى المدينة النبوية محمد وعلي ابنا الحسين بن جعفر بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فقتلا خلقا من أهلها وأخذا أموال جزيلة، وتعطلت الصلوات في المسجد النبوي أربع جمع لم يحضر الناس فيه جمعة ولا جماعة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وجرت بمكة فتنة أخرى واقتتل الناس على باب المسجد الحرام أيضا.
وحج بالناس هارون بن موسى المتقدم.
وفيها توفي عباس بن محمد الدوري (4) تلميذ ابن معين وغيره من أئمة الجرح والتعديل.
وعبد
__________
(2) من تقريب التهذيب 2 / 207.
وتمام نسبه فيه: ابن عثمان بن عبد الله الرازي، أبو عبد الله الحافظ المجود.
قال النسائي: ثقة صاحب حديث وكان مع إمامته وعلمه فيه تعظيم لنفسه (1) في ابن الاثير 7 / 411: لاردة.
(2) في الولاة للكندي: شيزر، وهي مدينة قرب المعرة بينها وبين حماه يوم.
(3) في ولاة مصر للكندي: بنهر أبي فطرس من أرض فلسطين ويقال له اليوم الطواحين.
(4) من تقرب التهذيب، وفي الاصل الدينوري.
وهو أبو الفضل البغدادي خوارزمي الاصل .
الرحمن بن محمد بن منصور البصري (1).
ومحمد بن حماد الظهراني (2).
ومحمد بن سنان العوفي (3).
ويوسف بن مسلم (4).
وبوران زوجة المأمون زوجة المأمون.
ويقال إن اسمها خديجة وبوران لقب لها، والصحيح الاول.
عقد عليها المأمون
بفم الصلح سنة ست (5) ومائتين، ولها عشر سنين، ونثر عليها أبوها يومئذ وعلى الناس بنادق المسك مكتوب في ورقة وسط كل بندقة اسم قرية أو ملك جارية أو غلام أو فرس، فمن وصل إليه من ذلك شئ ملكه، ونثر ذلك على عامة الناس، ونثر الدنانير ونوافج المسك وبيض العنبر.
وأنفق على المأمون وعسكره مدة إقامته تلك الايام خمسين ألف ألف درهم.
فلما ترحل المأمون عنه أطلق له عشرة آلاف ألف درهم وأقطعه فم الصلح.
وبنى بها في سنة عشر.
فلما جلس المأمون فرشوا له حصرا من ذهب ونثروا على قدميه ألف حبة جوهر، وهناك تور من ذهب فيه شمعة من عنبر زنة أربعين منا من عنبر، فقال: هذا سرف، ونظر إلى ذلك الحب على الحصر يضئ فقال: قاتل الله أبا نواس حيث يقول في صفة الخمر: كأن صغري وكبرى من فقاقعها * حصباء در على أرض من الذهب ثم أمر بالدر فجمع فجعل في حجر العروس وقال: هذا نحلة مني لك، وسلي حاجتك.
فقالت لها جدتها: سلي سيدك فقد استنطقك.
فقالت: أسأل أمير المؤمنين أن يرضى عن إبراهيم بن المهدي فرضي عنه.
ثم أراد الاجتماع بها فإذا هي حائض، وكان ذلك في شهر رمضان، وتأخرت وفاتها إلى هذه السنة ولها ثمانون سنة.
ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين ومائتين في جمادى الاولى منها سار نائب قزوين وهو ارلزنكيس (6) في أربعة آلاف مقاتل إلى محمد بن زيد
__________
(1) أبو سعيد صاحب يحيى القطان فيه لين.
مات يوم الاضحى (شذرات 2 / 161).
(2) حدث بمصر والشام والعراق وكان ثقة عارفا نبيلا.
(3) بصري نزيل بغداد.
قال الدار قطني: لا بأس به.
وقال أبو داود: يكذب.
وقال في التقريب: ضعيف.
(4) أبو يعقوب محدث المصيصة.
قال النسائي: ثقة.
وقال ابن ناصر الدين: أحد الحفاظ المعتمدين والايقاظ الصدوقين.
(5) في مروج الذهب 4 / 35: تسع ومائتين.
وفي الطبري 10 / 271: سنة 210 ه.
وقال: 10 / 251: وتزوج المأمون بوران سنة 202: أي عقد الزواج في تلك السنة وبنى بها سنة 210 ه.
(6) في ابن الاثير 7 / 418: أذكوتكين .
العلوي صاحب طبرستان بعد أخيه الحسين بن زيد، وهو بالري، في جيش عظيم من الديلم وغيرهم، فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمه ارلزنكيس وغنم ما في معسكره، وقتل من أصحابه ستة آلاف، ودخل الري فأخذها وصادر أهلها في مائة ألف دينار وفرق عماله في نواحي الري.
وفيها وقع بين أبي العباس بن الموفق وبين صاحب ثغر طرسوس وهو يا زمان الخادم فثار أهل طرسوس على أبي العباس فأخرجوه عنهم فرجع إلى بغداد.
وفيها دخل حمدان بن حمدون وهارون الشاري مدينة الموصل وصلى بهم الشاري في جامعها الاعظم.
وفيها عاثت بنو شيبان في أرض الموصل فسادا.
وفيها تحركت بقية الزنج في أرض البصرة ونادوا: يا انكلاي يا منصور.
وانكلاي هو ابن صاحب الزنج، وسليمان بن جامع وأبان بن علي المهلبي، وجماعة من وجوههم كانوا في جيش الموفق فبعث إليهم فقتلوا وحملت رؤوسهم إليه، وصلبت أبدانهم ببغداد، وسكنت شرورهم.
وفيها صلح أمر المدينة النبوية وتراجع الناس إليها.
وفيها جرت حروب كثيرة ببلاد الاندلس وأخذت الروم من المسلمين بالاندلس بلدين عظيمين فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفيها قدم صاعد بن مخلد الكاتب من فارس إلى واسط فأمر الموفق القواد أن يتلقوه فدخل في أبهة عظيمة، ولكن ظهر منه تيه وعجب شديد، فأمر الموفق عما قريب بالقبض عليه وعلى أهله وأمواله، واستكتب مكانه أبا الصقر إسماعيل بن بلبل.
وحج بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق المتقدم منذ دهر.
وفيها توفي من الاعيان إبراهيم بن الوليد بن الحسحاس (1).
وأحمد بن عبد الجبار بن محمد بن عطارد العطاردي التميمي راوي السيرة عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق بن يسار وغير ذلك.
وأبو عتبة الحجازي (2).
وسليمان بن سيف (3).
وسليمان بن وهب الوزير في حبس الموفق.
وشعبة بن بكار يروي عن أبي عاصم النبيل.
ومحمد بن صالح بن عبد الرحمن الانماطي، ويلقب بمكحلة (4)، وهو من تلاميذ يحيى بن معين.
ومحمد بن عبد الوهاب الفراء (5).
ومحمد بن عبيد المنادي (6).
ومحمد بن عوف الحمصي (7).
وأبو معشر المنجم واسمه جعفر بن محمد البلخي أستاذ عصره في صناعة التنجيم، وله فيه التصانيف المشهورة،
__________
(1) في ابن الاثير: الخشخاش.
(2) واسمه أحمد بن الفرج روى عن بقية وجماعة.
قال ابن عدي: هو وسط ليس بحجة.
(3) الطائي مولاهم الحراني أبو داود.
ثقة.
قال في العبر: محدث حران وشيخها.
(4) في المغني وتقريب التهذيب: كيلجة، وفي ابن الاثير 7 / 421: كنجلة.
(5) النيسابوري الفقيه الاديب أحد أوعية العلم سمع حفص بن عبد الله وجعفر بن عون والكبار، وثقه مسلم.
(6) أبو جعفر، المحدث سمع حفص بن غياث واسحاق الازرق مات في رمضان ببغداد وله مائة سنة.
(7) أبو جعفر الطائي الحافظ، محدث حمص، كان من أئمة الحديث .
كالمدخل والزنج والالوف وغيرها.
وتكلم على ما يتعلق بالتيسير والاحكام.
قال ابن خلكان: وله إصابات عجيبة، منها أن بعض الملوك تطلب رجلا وأراد قتله فذهب ذلك الرجل فاختفى وخاف من أبي معشر أن يدل عليه بصنعة التنجيم، فعمد إلى طست فملاه دما ووضع أسفله هاونا وجلس على ذلك الهاون، فاستدعى الملك أبا معشر وأمره أن يظهر هذا الرجل، فضرب رمله وحرره ثم قال: هذا عجيب جدا، هذا الرجل جالس على جبل من ذهب في وسط بحر من دم، وليس هذا في الدنيا.
ثم أعاد الضرب فوجده كذلك، فتعجب الملك من ذلك ونادى في البلد في أمان ذلك الرجل المذكور فلما مثل بين يدي الملك سأله أين أختفى ؟ فأخبره بأمره فتعجب الناس من ذلك.
والظاهر أن الذي نسب إلى جعفر بن محمد الصادق من على الرجز، والطرف واختلاج الاعضاء إنما هو منسوب إلى جعفر بن أبي معشر هذا، وليس بالصادق وإنما يغلطون.
والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائتين فيها وقع بين إسحاق بن كنداج نائب الموصل وبين صاحبه ابن أبي الساج نائب قنسرين وغيرها بعد ما كانا متفقين، وكاتب ابن أبي الساج خمارويه صاحب مصر، وخطب له ببلاده وقدم خمارويه إلى
الشام فاجتمع به ابن أبي الساج (1) ثم سار إلى إسحاق بن كنداج فتواقعا فانهزم كنداج وهرب إلى قلعة ماردين، فجاء فحاصره بها ثم ظهر أمر ابن أبي الساج واستحوذ على الموصل والجزيرة وغيرها، وخطب بها لخمارويه واستفحل أمره جدا.
وفيها قبض الموفق على لؤلؤ غلام ابن طولون وصادره بأربعمائة ألف دينار، وسجنه فكان يقول ليس لي ذنب إلا كثرة مالي، ثم أخرج بعد ذلك من السجن وهو فقير ذليل، فعاد إلى مصر في أيام هارون بن خمارويه، ومعه غلام واحد فدخلها على برذون.
وهذا جزاء من كفر نعمة سيده.
وفيها عدا أولاد ملك الروم على أبيهم فقتلوه وملكوا أحد أولاده، وفيها كانت وفاة: محمد بن عبد الرحمن بن الحكم الاموي صاحب الاندلس عن خمس وستين سنة.
وكانت ولايته أربعا وثلاثين سنة وأحد عشر شهرا، وكان أبيض مشربا بحمرة ربعة أوقص يخضب بالحناء والكتم، وكان عاقلا لبيبا يدرك الاشياء المشتبهة، وخلف ثلاثا وثلاثين ذكرا، وقام بالامر بعده ولده المنذر فأحسن إلى الناس وأحبوه.
وفيها كانت وفاة: خلف بن أحمد بن خالد الذي كان أمير خراسان في حبس المعتمد، وهذا الرجل هو الذي أخرج البخاري محمد بن
__________
(1) اجتمعا ببالس كما في ابن الاثير 7 / 422 .
إسماعيل من بخارى وطرده عنها، فدعا عليه البخاري فلم يفلح بعدها، ولم يبق في الامرة إلا أقل من شهر حتى احتيط عليه وعلى أمواله وأركب حمارا ونودي عليه في بلده ثم سجن من ذلك الحين فمكث في السجن حتى مات في هذه السنة، وهذا جزاء من تعرض لاهل الحديث والسنة.
وممن توفي فيها أيضا إسحاق من يسار (1)، وحنبل بن إسحاق عم الامام أحمد بن حنبل، وهو أحد الرواة المشهورين عنه، على أنه قداتهم في بعض ما يرويه ويحكيه.
وأبو أمية الطرسوسي (2).
وأبو الفتح بن شخرف (3) أحد مشايخ الصوفية، وذي الاحوال والكرامات والكلمات النافعات.
وقد
وهم ابن الاثير في قوله في كامله: إن أبا داود صاحب السنن توفي في هذه السنة، وإنما توفي سنة خمس وسبعين كما سيأتي.
وفيها توفي: ابن ماجه القزويني صاحب السنن وهو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه صاحب كتاب السنن المشهورة، وهي دالة على عمله وعلمه وتبحره واطلاعه واتباعه للسنة في الاصول والفروع، ويشتمل على اثنين وثلاثين كتابا، وألف خمسمائة باب، وعلى أربعة آلاف حديث كلها جياد سوى اليسيرة.
وقد حكي عن أبي زرعة الرازي أنه انتقد منها بضعة عشر حديثا.
ربما يقال إنها موضوعة أو منكرة جدا، ولابن ماجه تفسير حافل وتاريخ كامل من لدن الصحابة إلى عصره، وقال أبو يعلى الخليل بن عبد الله الخليلي القزويني: أبو عبد الله بن محمد بن يزيد بن ماجه، ويعرف يزيد بماجه مولى ربيعة، كان عالما بهذا الشأن صاحب تصانيف، منها التاريخ والسنن، ارتحل إلى العراقين ومصر والشام، ثم ذكر طرفا من مشايخه، وقد ترجمناهم في كتابنا التكميل ولله الحمد والمنة.
قال: وقد روى عنه الكبار القدماء: ابن سيبويه ومحمد بن عيسى الصفار، وإسحاق بن محمد وعلي بن إبراهيم بن سلمة القطان، وجدي أحمد بن إبراهيم، وسليمان بن يزيد.
وقال غيره: كانت وفاة ابن ماجه يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين عن أربع وستين سنة، وصلى عليه أخوه أبو بكر تولى دفنه مع أخيه الآخر أبي عبد الله وابنه عبد الله بن محمد بن يزيد رحمه الله.
ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائتين فيها نشبت الحرب بين أبي أحمد الموفق وبين عمرو بن الليث بفارس فقصده أبو أحمد فهرب منه
__________
(1) محدث نصيبين سمع أبا عاصم وطبقته مات في ذي الحجة.
في شذرات الذهب ذكره: ابن سيار.
(2) واسمه محمد بن إبراهيم بن مسلم الحافظ.
سمع عبد الوهاب بن عطاء وشبابة وطبقتهما.
ثقة.
(3) في ابن الاثير: الفتح بن شحرق، أبو داود الكشي، وفي صفة الصفوة: فتح بن شحرف بن داود بن مزاحم أبو نصر الكشي .
عمرو من بلد إلى بلد، وتتبعه ولم يقع بينهما قتال ولا مواجهة، وقد تحيز إلى الموفق مقدم جيش عمرو بن الليث، وهو أبو طلحة شركب الجمال، ثم أراد العود فقبض عليه الموفق وأباح ماله لولده أبي العباس المعتضد، وذلك بالقرب من شيراز وفيها غزا يا زمان (1) الخادم نائب طرسوس بلاد الروم فأوغل فيها فقتل وغنم وسلم.
وفيها دخل صديق الفرغاني سامرا فنهب دور التجار بها وكر راجعا، وقد كان هذا الرجل ممن يحرس الطرقات فترك ذلك وأقبل يقطع الطرقات، وضعف الجند بسامرا عن مقاومته.
وفيها توفي من الاعيان إبراهيم بن أحمد بن يحيى أبو إسحاق، قال ابن الجوزي في المنتظم: كان حافظا فاضلا، روى عن حرملة وغيره، توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
إسحاق بن إبراهيم بن زياد أبو يعقوب المقري توفي في ربيع الاول منها.
أيوب بن سليمان بن داود الصغدي يروي عن آدم بن إياس، وعن ابن صاعد وابن السماك، وكان ثقة توفي في رمضان منها: الحسن بن مكرم بن حسان بن علي البزار، يروي عن عفان وأبي النضر ويزيد بن هارون وغيرهم، وعنه المحاملي وابن مخلد والبخاري، وكان ثقة.
توفي في رمضان منها عن ثلاث وسبعين سنة.
خلف بن محمد بن عيسى أبو الحسين الواسطي الملقب بكردوس (2)، يروى عن يزيد بن هارون وغيره، وعنه المحاملي وابن مخلد.
قال ابن أبي حاتم: صدوق، وقال الدار قطني ثقة.
توفي في ذي الحجة منها، وقد نيف عن الثمانين.
عبد الله بن روح بن عبيد الله بن أبي محمد المدائني المعروف بعيدروس، يروي عن شبابة ويزيد بن هارون، وعنه المحاملي وابن السماك وأبو بكر الشافعي، وكان من الثقات.
توفي في جمادى الآخرة منها.
عبد الله بن أبي سعيد أبو محمد الوراق أصله من بلخ وسكن بغداد، وروى الحديث عن شريح بن يونس وعفان وعلي بن الجعد وغيرهم، وعنه ابن أبي الدنيا والبغوي والمحاملي وكان ثقة صاحب أخبار وآداب وملح، توفي بواسط في جمادى الآخرة منها عن سبع وسبعين سنة.
محمد بن إسماعيل بن زياد أبو عبد الله، وقيل أبو بكر الدولابي، سمع أبا النظر وأبا اليمان وأبا مسهر، وعنه أبو الحسين المنادي ومحمد بن مخلد وابن السماك وكان ثقة.
ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائتين في المحرم منها وقع الخلاف بين ابن أبي الساج وبين خمارويه فاقتتلا عند ثنية العقاب شرقي
دمشق فقهر خمارويه لابن أبي الساج وانهزم، وكانت له حواصل بحمص فبعث خمارويه من سبقه إليها فأخذها ومنع منه حمص فذهب إلى حلب فمنعه خمارويه فسار إلى الرقة فاتبعه، فذهب إلى الموصل ثم انهزم منها خوفا من خمارويه ووصل خمارويه إليها واتخذ بها سريرا طويل القوائم، فكان يجلس عليه في الفرات.
فعند ذلك طمع فيه ابن كنداج فسار وراءه ليظفر بشئ فلم يقدر، وقد التقيا في بعض الايام
__________
(1) في ابن الاثير 7 / 427: بازمار.
(2) في تبصير المنتبه: كردس .
فصبر له ابن أبقي الساج صبرا عظيما، فسلم وانصرف إلى الموفق ببغداد فأكرمه وخلع عليه واستصحبه معه إلى الجبل، ورجع إسحاق بن كنداج إلى ديار بكر من الجزيرة.
وفيها في شوال منها سجن أبو أحمد الموفق ولده أبا العباس المعتضد في دار الامارة، وكان سبب ذلك أنه أمره بالمسير إلى بعض الوجوه فامتنع أن يسير إلا إلى الشام التي ولاه إياها عمه المعتضد، وأمر بسجنه فثارت الامراء واختبطت بغداد فركب الموفق إلى بغداد وقال للناس: أتظنون أنكم على ولدي أشفق مني ؟ فسكن الناس عند ذلك ثم أفرج عنه.
وفيها سار رافع (1) إلى محمد بن زيد العلوي فأخذ منه مدينة جرجان فهرب إلى استراباذ فحصره بها سنين فغلا بها السعر حتى بيع الملح بها وزن درهم بدرهمين، فهرب منها ليلا إلى سارية فأخذ منه رافع بلادا كثيرة بعد ذلك في مدة متطاولة.
وفي المحرم منها أو في صفر كانت وفاة المنذر بن محمد بن عبد الرحمن الاموي صاحب الاندلس عن ست وأربعين سنة.
وكانت ولايته سنة وأحد عشر يوما (2)، وكان أسمر طويلا بوجهه أثر جدري، جوادا ممدحا يحب الشعراء ويصلهم بمال كثير، ثم قام بالامر من بعده أخوه محمد فامتلات بلاد الاندلس في أيامه فتنا وشرا حتى هلك كما سيأتي.
وفيها توفي من الاعيان أبو بكر أحمد بن محمد الحجاج المروزي صاحب الامام أحمد، كان من الاذكياء، كان أحمد يقدمه على جميع أصحابه ويأنس به ويبعثه في الحاجة ويقول له: قل ما شئت.
وهو الذي أغمض الامام أحمد وكان فيمن غسله، وقد نقل عن أحمد مسائل كثيرة وحصلت له رفعة عظيمة
مع أحمد حين طلب إلى سامرا ووصل بخمسين ألفا فلم يقبلها.
أحمد بن محمد بن غالب بن خالد بن مرداس أبو عبد الله الباهلي البصري المعروف بغلام خليل، سكن بغداد، روى عن سليمان بن داود الشاذكوني وشيبان بن فروخ وقرة بن حبيب وغيرهم، وعنه ابن السماك وابن مخلد وغيرهما، وقد أنكر عليه أبو حاتم وغيره أحاديث رواها منكرة عن شيوخ مجهولين.
قال أبو حاتم: ولم يكن ممن يفتعل الحديث، كان رجلا صالحا.
وكذبه أبو داود وغير واحد.
وروى ابن عدي عنه أنه اعترف بوضع الحديث ليرقق به قلوب الناس، وكان عابدا زاهدا يقتات الباقلاء الصرف، وحين مات أغلقت أسواق بغداد وحضر الناس جنازته والصلاة عليه ثم جعل في زورق وشيع إلى البصرة فدفن بها في رجب من هذه السنة.
وأحمد بن ملاعب، روى عن يحيى بن معين وغيره، وكان ثقة دينا عالما فاضلا، انتشر به كثير من الحديث.
وأبو سعيد الحسن بن الحسين بن عبد الله بن الكبري (3) النحوي اللغوي، صاحب التصانيف.
إسحاق بن إبراهيم بن هانئ أبو يعقوب النيسابوري، كان من أخصاء أصحاب الامام
__________
(1) وهو رافع بن هرثمة.
(2) في ابن الاثير 7 / 435: سنة وأحد عشر شهرا وعشرة أيام.
(3) من ابن الاثير 7 / 435، وفي الاصل: السكري .
أحمد، وعنده اختفى أحمد في زمن المحنة.
وعبد الله بن يعقوب بن إسحاق التميمي العطار الموصلي.
قال ابن الاثير: كان كثير الحديث معدلا عند الحكام.
ويحيى بن أبي طالب.
وأبو داود السجستاني صاحب السنن، اسمه سليمان بن الاشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن يحيى بن عمران أبو داود السجستاني أحد أئمة الحديث الرحالين إلى الآفاق في طلبه، جمع وصنف وخرج وألف وسمع الكثير من مشايخ البلدان في الشام ومصر والجزيرة والعراق وخراسان وغير ذلك، وله السنن المشهورة المتداولة بين العلماء، التي قال فيها أبو حامد الغزالي: يكفي المجتهد معرفتها من الاحاديث النبوية.
حدث عنه جماعة منهم ابنه أبو بكر عبد الله وأبو عبد الرحمن النسائي وأحمد بن سليمان النجار، وهو آخر من روى عنه في الدنيا.
سكن أبو داود البصرة وقدم بغداد غير مرة وحدث بكتاب السنن بها، ويقال إنه صنفه بها وعرضه على الامام أحمد فاستجاده واستحسنه وقال الخطيب: حدثني أبو بكر محمد بن علي بن إبراهيم القاري الدينوري من لفظه، قال سمعت أبا الحسين محمد بن عبد الله بن الحسن القرصي قال سمعت أبا بكر بن داسة يقول: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الانسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث، قوله عليه السلام " إنما الاعمال بالنيات " (1).
الثاني قوله " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " (2).
الثالث قوله " لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لاخيه ما يرضاه لنفسه " الرابع قوله: " الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات " (3).
وحدثت عن عبد العزيز بن جعفر الحنبلي أن أبا بكر الخلال قال: أبو داود سليمان بن الاشعث السجستاني الامام المقدم في زمانه رجل لم يسبقه إلى معرفة تخريج العلوم وبصره بمواضعها أحد من أهل زمانه، رجل ورع مقدم قد سمع منه أحمد بن حنبل حديثا واحدا كان أبو داود يذكره، وكان أبو بكر الاصبهاني وأبو بكر بن صدقة يرفعان من قدره ويذكرانه بما لا يذكران أحدا في زمانه بمثله.
قلت: الحديث الذي كتبه عنه وسمعه منه الامام أحمد بن حنبل هو ما رواه أبو داود من حديث حماد بن سلمة، عن أبي معشر الدارمي عن أبيه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن العتيرة فحسنها ".
وقال
__________
(1) أخرجه البخاري في بدء الوحي (1) وفي العتق (6) وفي مناقب الانصار باب (45) وفي الطلاق ومسلم في الامارة ح (155).
وأبو داود في الطلاق باب (11) والنسائي في الطهارة والطلاق والايمان.
وابن ماجه في الزهد.
باب (26).
(2) أخرجه الترمذي في الزهد (11) وابن ماجه في الفتن (12) ومالك في الموطأ في حسن الخلق.
والامام أحمد في المسند 1 / 201.
(3) تقدم تخريجه
إبراهيم الحربي وغيره: ألين لابي داود الحديث كما ألين لداود الحديد.
وقال غيره: كان أحد حفاظ الاسلام للحديث وعلله وسنده.
وكان في أعلا درجة النسك والعفاف والصلاح والورع من فرسان الحديث.
وقال غيره: كان ابن مسعود يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في هديه ودله وسمته، وكان علقمة يشبهه، وكان إبراهيم يشبه علقمة، وكان منصور يشبه إبراهيم، وكان سفيان يشبه منصور، وكان وكيع يشبه سفيان كان أحمد يشبه وكيعا،، وكان أبو داود يشبه أحمد بن حنبل.
وقال محمد بن بكر بن عبد الرزاق: كان لابي داود كم واسع وكم ضيق فقيل له: ما هذا يرحمك الله ؟ فقال: هذا الواسع للكتب والآخر لا يحتاج إليه.
وقد كان مولد أبي داود في سنة ثنتين ومائتين، وتوفي بالبصرة يوم الجمعة لاربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين عن ثلاث وسبعين سنة، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري.
وقد ذكرنا ترجمته في التكميل وذكرنا ثناء الائمة عليه.
وفيها توفي محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن العنبس الضميري (1) الشاعر، كان دينا كثير الملح، وكان هجاء، ومن جيد شعره قوله: كم عليل عاش من بعد يأس * بعد موت الطبيب والعواد قد تصاد القطا فتنجو سريعا * ويحل البلاء بالصياد ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائتين في المحرم منها أعيد عمرو بن الليث إلى الشرطة بغداد وكتب اسمه على الفرش والمقاعد والستور ثم أسقط اسمه عن ذلك وعزل وولي عبيد الله بن طاهر (2).
وفيها ولي الموفق لابن أبي الساج نيابة أذربيجان.
وفيها قصد هارون الشاري الخارجي مدينة الموصل فنزل شرقيها فحاصرها فخرج إليه أهلها فأستأمنوه فأمنهم ورجع عنهم.
وفيها حج بالناس هارون بن محمد العباسي أمير الحرمين والطائف، ولما رجع حجاج اليمن نزلوا في بعض الاماكن فجاءهم سيل لم يشعروا به ففرقهم كلهم لم يفلت منهم أحد فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وذكر ابن الجوزي في منتظمه وابن الاثير في كامله أن في هذه
السنة انفرج تل بنهر الصلة في أرض البصرة يعرف بتل بني شقيق عن سبعة أقبر في مثل الحوض، وفيها سبعة أبدان صحيحة أجسادهم وأكفانهم يفوح منهم ريح المسك، أحدهم شاب وله جمة وعلى شفته بلل كأنه قد شرب ماء الآن، وكأن عينيه مكحلتان وبه ضربة في خاصرته، وأراد أحدهم أن
__________
(1) في الاعلام 6 / 28: الصيمري.
(2) في الطبري 11 / 334 وابن الاثير 7 / 436: ولي عبيد الله شرطة بغداد من قبل عمرو بن الليث وذلك في ربيع الاخر.
وبعد ذلك طرح اسم عمرو عن المطارد والاعلام والترسة وكان ذلك في شهر شوال من هذه السنة .
يأخذ من شعره شيئا فإذا هو قوي الشعر كأنه حي فتركوا على حالهم.
وممن توفي فيها من الاعيان أحمد بن حازم بن أبي عزرة الحافظ صاحب المسند المشهور له حديث كثير وروايته عالية.
وفيها توفي: بقي بن مخلد أبو عبد الرحمن الاندلسي الحافظ الكبير، له المسند المبوب على الفقه، روى فيه عن ألف وستمائة صحابي، وقد فضله ابن حزم على مسند الامام أحمد بن حنبل، وعندي في ذلك نظر، والظاهر أن مسند أحمد أجود منه وأجمع.
وقد رحل بقي إلى العراقي فسمع من الامام أحمد وغيره من أئمة الحديث بالعراق وغيرها يزيدون على المائتين بأربعة وثلاثين شيخا، وله تصانيف أخر، وكان مع ذلك رجلا صلاحا عابدا زاهدا مجاب الدعوة، جاءته امرأة فقالت: إن ابني قد أسرته الافرنج، وإني لا أنام الليل من شوقي إليه، ولي دويرة أريد أن أبيعها لاستفكه، فإن رأيت أن تشير على أحد يأخذها لا سعى في فكاكه بثمنها، فليس يقر لي ليل ولا نهار، ولا أجد نوما ولا صبرا ولا قرارا ولا راحة.
فقال: نعم انصرفي حتى أنظر في ذلك إن شاء الله.
وأطرق الشيخ وحرك شفتيه يدعو الله عز وجل لولدها بالخلاص من أيدي الفرنج، فذهبت المرأة فما كان إلا قليلا حتى جاءت الشيخ وابنها معها فقالت: اسمع خبره يرحمك الله.
فقال.
كيف كان أمرك ؟ فقال: إني كنت فيمن نخدم الملك ونحن
في القيود، فبينما أنا ذات يوم أمشي إذ سقط القيد من رجلي، فأقبل علي الموكل بي فشتمني وقال لم أزلت القيد من رجليك ؟ فقلت: لا والله ما شعرت به ولكنه سقط ولم أشعر به، فجاؤوا بالحداد فأعادوه وأجادوه وشدوا مسماره وأبدوه، ثم قمت فسقط أيضا فأعادوه وأكدوه فسقط أيضا، فسألوا رهبانهم عن سبب ذلك فقالوا: له والدة ؟ فقلت: نعم، فقالوا: إنها قد دعت لك وقد استجيب دعاؤها أطلقوه، فأطلقوني وخفروني حتى وصلت إلى بلاد الاسلام.
فسأله بقي بن مخلد عن الساعة التي سقط فيها القيد من رجليه فإذا هي الساعة التي دعا فيها الله له ففرج عنه.
صاعد بن مخلد الكاتب كان كثير الصدقة والصلاة وقد أثنى عليه أبو الفرج بن الجوزي وتكلم فيه ابن الاثير في كامله، وذكر أنه كان فيه تيه وحمق (1)، وقد يمكن الجمع بين القولين والصفتين.
ابن قتيبة وهو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ثم البغدادي، أحد العلماء والادباء والحفاظ الاذكياء وقد تقدمت ترجمته، وكان ثقة نبيلا، وكان أهل العلم يتهمون من لم يكن في منزله شئ من تصانيفه،
__________
(1) ابن الاثير في حوادث سنة 272.
وذكر المسعودي: انه نمي إلى الموفق ما هو عليه من التجبر فقال القطربلي الكاتب فيه: مروج الذهب 4 / 237: تكفهر لما طغى * ودان بدين العجم وأصبح في خفة * وفي رانة محتجم
وكان سبب وفاته أنه أكل لقمة من هريسة فإذا هي حارة فصاح صيحة شديدة ثم أغمي عليه إلى وقت الظهر ثم أفاق ثم لم يزل يشهد أن لا إله إلا الله إلى أن مات وقت السحر أول ليلة من رجب من هذه السنة، وقيل إنه توفي في سنة سبعين ومائتين، والصحيح في هذه السنة.
عبد الملك بن محمد بن عبد الله أبو قلابة الرقاشي (1)، أحد الحفاظ، كان يكنى بأبي محمد، ولكن غلب عليه لقب أبو قلابة، سمع يزيد بن هارون وروح بن عبادة وأبا داود الطيالسي وغيرهم، وعنه ابن صاعد والمحاملي والبخاري وأبو بكر الشافعي وغيرهم، وكان صدوقا عابدا يصلي في كل يو أربعمائة ركعة، روى من حفظه ستين ألف حديث غلط في بعضها على سبيل العمد، كانت وفاته في
شوال من هذه السنة عن ست وثمانين سنة ومحمد بن أحمد بن أبي العوام ومحمد بن إسماعيل الصايغ (3).
ويزيد بن عبد الصمد (3).
وأبو الرداد المؤذن، وهو عبد الله بن عبد السلام بن عبيد الرداد المؤذن صاحب المقياس بمصر، الذي هو مسلم إليه وإلى ذريته إلى يومنا هذا.
قاله ابن خلكان.
والله أعلم.
ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائتين فيها خطب يا زمان نائب طرسوس لخمارويه، وذلك أنه هاداه بذهب كثير وتحف هائلة (5).
وفيها قدم جماعة من أصحاب خمارويه إلى بغداد.
وفيها ولي المظالم ببغداد يوسف بن يعقوب ونودي في الناس: من كانت له مظلمة ولو عند الامير الناصر لدين الله الموفق، أو عند أحد من الناس فليحضر.
وسار في الناس سيرة حسنة، وأظهر صرامة لم ير مثلها.
وحج بالناس الامير المتقدم ذكره قبل ذلك.
وفيها توفي من الاعيان إبراهيم بن صرا إسحاق بن أبي العينين.
وأبو إسحاق الكوفي قاضي بغداد بعد ابن سماعة، سمع معلى بن عبيد وغيره، وحدث عنه ابن أبي الدنيا وغيره توفي عن ثلاث وتسعين سنة، وكان ثقة فاضلا دينا صالحا.
أحمد بن عيسى أبو سعيد الخراز أحد مشاهير الصوفية بالعبادة والمجاهدة والورع والمراقبة، وله تصانيف في
__________
(1) من تقريب التهذيب 2 / 522.
وفي الاصل الرياشي.
تحريف.
(2) أبو جعفر سمع أبا أسامة وشبابة وطبقتهما.
قارب التسعين.
(3) أبو القاسم، محدث دمشق.
كان ثقة بصيرا بالحديث.
(4) في الطبري 11 / 334 وابن الاثير 7 / 439: وجه إليه خمارويه ثلاثين ألف دينار وخمسمائة ثوب و 150 دابة و 150 مطرف.
وقال الكندي في ولاة مصر: دعا إليه في شوال سنة 276 .
ذلك وله كرامات وأحوال وصبر على الشدائد، وروى عن إبراهيم بن بشار صاحب إبراهيم بن أدهم
وغيره وعنه علي بن محمد المصري وجماعة.
ومن جيد كلامه إذا بكت أعين الخائفين فقد كاتبوا الله بدموعهم.
وقال: العافية تستر البر والفاجر، فإذا نزل البلاء تبين عنده الرجال.
وقال: كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل.
وقال: الاشتغال بوقت ماض تضييع وقت حاضر.
وقال ذنوب المقربين حسنات الابرار.
وقال: الرضا قبل القضاء تفويض، والرضا مع القضاء تسليم.
وقد روى البيهقي بنسده إليه أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها " فقال يا عجبا لمن لم ير محسنا غير الله كيف لا يميل إليه بكليته ؟ قلت: وهذا الحديث ليس بصحيح، ولكن كلامه عليه من أحسن ما يكون.
وقال ابنه سعيد: طلبت من أبي دانق فضة فقال: يا بني اصبر فلو أحب أبوك أن يركب الملوك إلى بابه ما تابوا عليه.
وروى ابن عساكر عنه قال: أصابني مرة جوع شديد فهممت أن أسأل الله طعاما فقلت: هذا ينافي التوكل فهممت أن أسأله صبرا فهتف بي هاتف يقول: ويزعم أنه منا قريب * وأنا لا نضيع من أتانا ويسألنا القرى جهدا وصبرا * كأنا لا نراه ولا يرانا قال فقمت ومشيت فراسخ بلا زاد.
وقال: المحب يتعلل إلى محبوبه بكل شئ، ولا يتسلى عنه بشئ يتبع آثاره ولا يدع استخباره ثم أنشد: أسائلكم عنها فهل من مخبر * فما لي بن عمي بعد مكة لي علم فلو كنت أدري أين خيم أهلها * وأي بلاد الله إذ ظعنوا أموا إذا لسلكنا مسلك الريح خلفها * ولو أصبحت نعمى ومن دونها النجم وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل في سنة سبع وأربعين، وقيل في سنة ست وثمانين، والاول أصح وفيها توفي عيسى بن عبد الله بن سنان بن ذكويه بن موسى الطيالسي الحافظ، تلقب رعاب، سمع عفان وأبا نعيم، وعنه أبو بكر الشافعي وغيره، ووثقه الدار قطني.
كانت وفاته في شوال منها عن أربع وثمانين سنة.
وفيها توفي: أبو حاتم الرازي
محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران أبو حاتم الحنظلي الرازي، أحد أئمة الحفاظ الاثبات العارفين بعلل الحديث والجرح والتعديل، وهو قرين أبي زرعة رحمهما الله، سمع الكثير وطاف الاقطار والامصار، وروى عن خلق من الكبار، وعنه خلق منهم الربيع بن سليمان، ويونس بن عبد الاعلى وهما أكبر منه، وقدم بغداد وحدث بها، وروى عنه من أهلها إبراهيم الحربي وابن أبي الدنيا والمحاملي وغيرهم.
قال لابنه عبد الرحمن: يا بني مشيت على قدمي في طلب الحديث.
أكثر من ألف فرسخ، وذكر أنه لم يكن له شئ ينفق عليه في بعض الاعيان، وأنه مكث ثلاثا لا يأكل شيئا حتى استقرض من بعض أصحابه نصف دينار، وقد أثنى عليه غير واحد من العلماء والفقهاء وكان يتحدى من حضر عنده من الحفاظ وغيرهم، ويقول: من أغرب علي بحديث واحد صحيح فله علي درهم أتصدق به.
قال: ومرادي أسمع ما ليس عندي، فلم يأت أحد بشئ من ذلك، وكان في جملة من حضر ذلك أبو زرعة الرازي.
وكانت وفاة ابن أبي حاتم في شعبان من هذه السنة محمد بن الحسن بن موسى بن الحسن أبو جعفر الكوفي الخراز المعروف بالجندي، له مسند كبير، روى عن عبيد الله بن موسى والقعنبي وأبي نعيم وغيرهم، وعنه ابن صاعد والمحاملي وابن السماك، كان ثقة صدوقا.
محمد بن سعدان أبو جعفر الرازي، سمع من أكثر من خمسمائة شيخ، ولكن لم يحدث إلا باليسير، توفي في شعبان منها.
قال ابن الجوزي: هم محمد بن سعدان البزار عن القعنبي وهو غير مشهور.
ومحمد بن سعدان النحوي مشهور.
توفي في سنة إحدى ومائتين.
قال ابن الاثير في كامله: وفيها توفي يعقوب بن سفيان بن حران الامام الفسوي، وكان يتشيع.
ويعقوب بن يوسف بن معقل الاموي مولاهم، والد أبي العباس أحمد بن الاصم.
وفيها ماتت عريب المغنية المأمونية، قيل إنها ابنة جعفر بن يحيى البرمكي.
فأما: يعقوب بن سفيان بن حران فهو أبو يوسف بن أبي معاوية الفارسي الفسوي، سمع الحديث الكثير، وروى عن أكثر من ألف شيخ من الثقات، منهم هشام بن عمار، ودحيم، وأبو المجاهر، وسليمان بن عبد الرحمن
الدمشقيان، وسعيد بن منصور وأبو عاصم، ومكي بن إبراهيم، وسليمان بن حرب، ومحمد بن كثير وعبيد الله بن موسى والقعنبي.
روى عنه النسائي في سننه وأبو بكر بن أبي داود والحسن بن سفيان وابن خراش وابن خزيمة وأبو عوانة الاسفراييني وغيرهم، وصنف كتاب التاريخ والمعرفة وغيره من الكتب المفيدة، وقد رحل في طلب الحديث إلى البلدان النائية، وتغرب عن وطنه نحو ثلاثين سنة وروى ابن عساكر عنه قال: كنت أكتب في الليل على ضوء السراج في زمن الرحلة فبينا أنا ذات ليلة إذ وقع شئ على بصري فلم أبصر معه السراج، فجعلت أبكي على ما فاتني من ذهاب بصري، وما يفوتني بسبب ذلك من كتابة الحديث، وما أنا فيه من الغربة، ثم غلبتني عيني فنمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مالك ؟ فشكوت إليه ما أنا فيه من الغربة، وما فاتني من كتابة السنة.
فقال: " أدن مني، فدنوت منه فجعل يده على عيني وجعل كأنه يقرأ شيئا من القرآن ".
ثم استيقظت فأبصرت وجلست أسبح الله.
وقد أثنى عليه أبو زرعة الدمشقي والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وقال: هو إمام أهل الحديث بفارس، وقدم نيسابور وسمع منه مشايخنا وقد نسبه بعضهم إلى التشيع.
وذكر ابن عساكر أن يعقوب بن الليث صاحب فارس بلغه عنه أنه يتكلم في عثمان بن عفان فأمر بإحضاره فقال له وزيره: أيها الامير إنه لا يتكلم في شيخنا عثمان بن عفان السجزي، إنما يتكلم في عثمان بن عفان الصحابي،
فقال: دعوه ما لي وللصحابي، إني إنما حسبته يتكلم في شيخنا عثمان بن عفان السجزي.
قلت: وما أظن هذا صحيحا عن يعقوب بن سفيان فإنه إمام محدث كبير القدر، وقد كانت وفاته قبل أبي حاتم بشهر في رجب منها بالبصرة رحمه الله.
وقد رآه بعضهم في المنام فقال: ما فعل بك ربك ؟ فقال: غفر لي وأمرني أن أملي الحديث في السماء كما كنت أمليه في الارض، فجلست للاملاء في السماء الرابعة، وجلس حولي جماعة من الملائكة منهم جبريل يكتبون ما أمليه من الحديث بأقلام الذهب.
عريب المأمونية فقد ترجمها ابن عساكر في تاريخه وحكى عن بعضهم أنها ابنة جعفر البرمكي، سرقت وهي
صغيرة عند ذهاب دولة البرامكة، وبيعت فاشتراها المأمون بن الرشيد، ثم روى عن حماد بن إسحاق عن أبيه أنه قال: ما رأيت قط امرأة أحسن وجها منها، ولا أكثر أدبا ولا أحسن غناء وضربا وشعرا ولعبا بالشطرنج والنرد منها، وما تشاء أن تجد خصلة ظريفة بارعة في امرأة إلا وجدتها فيها.
وقد كانت شاعرة مطيقة بليغة فصيحة، وكان المأمون يتعشقها ثم أحبها بعده المعتصم، وكانت هي تعشق رجلا يقال له محمد بن حماد، وربما أدخلته إليها في دار الخلافة قبحها الله على ما ذكره ابن عساكر عنها، ثم عشقت صالحا المنذري وتزوجته سرا، وكانت تقول فيه الشعر، وربما ذكرته في شعرها بين يدي المتوكل وهو لا يشعر فيمن هو، فتضحك جواريه من ذلك فيقول: يا سحاقات هذا خير من عملكن.
وقد أورد ابن عساكر شيئا كثيرا من شعرها، فمن ذلك قولها لما دخلت على المتوكل تعوده من حمى أصابته فقالت: أتوني فقالوا بالخليفة علة * فقلت ونار الشوق توقد في صدري ألا ليت بي حمى الخليفة جعفر * فكانت بي الحمى وكان له أجري كفى بي حزن إن قيل حم فلم أمت * من الحزن إني بعد هذا لذو صبري جعلت فدا للخليفة جعفر * وذاك قليل للخليفة من شكري ولما عوفي دخلت عليه فغنته من قيلها: شكرا لانعم من عافاك من سقم * دمت المعافا من الآلام والسقم عادت ببرئك للايام بهجتها * واهتز نبت رياض الجود والكرم ما قام للدين بعد اليوم من ملك * أعف منك ولا أرعى إلى الذمم فعمر الله فينا جعفرا ونفى * بنور وجنته عنا دجى الظلم ولها في عافيته أيضا: حمدنا الذي عافى الخليفة جعفرا * على رغم أشياخ الضلالة والكفر
وما كان إلا مثل بدر أصابه * كسوف قليل ثم أجلى عن البدر
سلامته للدين عز وقوة * وعلته للدين قاصم الظهر مرضت فأمرضت البرية كلها * وأظلمت الامصار من شدة الذعر فلما استبان الناس منك إفاقة * أفاقوا وكانوا كالنيام على الجمر سلامة دنيانا سلامة جعفر * فدام معافا سالما آخر الدهر إمام أعم الناس بالفضل والندا * قريبا من التقوى بعيدا من الوزر ولها أشعار كثيرة رائعة ومولدها في سنة إحدى وثمانين ومائة وماتت في سنة سبع وسبعين ومائتين بسر من رأى، ولها ست وتسعون سنة.
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين قال ابن الجوزي: في المحرم منها طلع نجم ذو جمة ثم صارت الجمة ذؤابة.
قال: وفي هذه السنة غار ماء النيل وهذا شئ لم يعهد مثله ولا بلغنا في الاخبار السالفة.
فغلت الاسعار بسبب ذلك جدا.
وفيها خلع على عبد الله (1) بن سليمان بالوزارة.
وفي المحرم منها قدم الموفق من الغزو فتلقاه الناس إلى النهروان فدخل بغداد وهو مريض بالنقرس فاستمر في داره في أوائل صفر، ومات بعد أيام.
قال: وفيها تحركت القرامطة وهم فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس الذين يعتقدون نبوة زرادشت ومزدك، وكانا يبيحان المحرمات.
ثم هم بعد ذلك أتباع كل ناعق إلى باطل، وأكثر ما يفسدون من جهة الرافضة ويدخلون إلى الباطل من جهتهم، لانهم أقل الناس عقولا، ويقال لهم الاسماعيلية، لا نتسابهم إلى إسماعيل الاعرج بن جعفر الصادق.
ويقال لهم القرامطة، قيل نسبة إلى قرمط (2) بن الاشعث البقار، وقيل إن رئيسهم كان في أول دعوته يأمر من اتبعه بخمسين صلاة في كل يوم وليلة لشغلهم بذلك عما يريد تدبيره من المكيدة.
ثم اتخذ نقباء اثنى عشر، وأسس لاتباعه دعوة ومسلكا يسلكونه ودعا إلى إمام أهل البيت، ويقال لهم الباطنية لانهم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحض، والخرمية والبابكية نسبة إلى بابك الخرمي الذي ظهر في أيام المعتصم وقتل كما تقدم ويقال لهم المحمرة نسبة إلى صبغ الحمرة شعار مضاهاة لبني العباس ومخالفة لهم، لان بني العباس يلبسون السواد.
ويقال لهم التعليمية نسبة إلى التعلم من الامام المعصوم.
وترك الرأي ومقتضى
العقل.
ويقال لهم السبعية نسبة إلى القول بأن الكواكب السبعة المتحيزة السائر مدبرة لهذا العالم فيما يزعمون لعنهم الله.
وهي القمر في الاولى، وعطارد في الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في
__________
(1) في الفخري ص 254: عبيد الله بن سليمان بن وهب: وكان بارعا في صناعته حاذقا ماهرا لبيبا جليلا.
ومات سنة 228 ه.
(2) في الطبري 11 / 338 وابن الاثير 7 / 447: قرمط لقب رجل اسمه كرمبتة ومعناها بالنبطية أحمر العين وقيل اسمه حمدان .
الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة.
قال ابن الجوزي: وقد بقي من البابكية جماعة يقال إنهم يجتمعون في كل سنة ليلة هم ونساؤهم ثم يطفئون المصباح وينتهبون النساء فمن وقعت يده في امرأة حلت له.
ويقولون هذا اصطياد مباح لعنهم الله.
وقد ذكر ابن الجوزي تفصيل قولهم وبسطه، وقد سبقه إلى ذلك أبو بكر الباقلاني المتكلم المشهور في كتابه " هتك الاستار وكشف الاسرار " في الرد على الباطنية، ورد على كتابهم الذي جمعه بعض قضاتهم بديار مصر في أيام الفاطميين الذي سماه " البلاغ الاعظم والناموس الاكبر " وجعله ست عشرة درجة أول درجة أن يدعو من يجتمع به أولا إن كان من أهل السنة إلى القول بتفضيل علي على عثمان بن عفان، ثم ينتقل به إذا وافقه على ذلك إلى تفضيل علي على الشيخين أبي بكر وعمر، ثم يترقى به إلى سبهما لانهما ظلما عليا وأهل البيت، ثم يترقى به إلى تجهيل الامة وتخطئتها في موافقة أكثرهم على ذلك، ثم يشرع في القدح في دين الاسلام من حيث هو.
وقد ذكر لمخاطبته لمن يريد أن يخاطبه بذلك شبها وضلالات لا تروج إلا على كل غبي جاهل شقي.
كما قال تعالى (والسماء ذات الحبك إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك) [ الذاريات: 7 ] أي يضل به من هو ضال.
وقال (فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم) [ الصافات: 162 ] وقال (وكذلك جعلنا لكم نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون.
ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) [ الانعام: 112 ]
إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن أن الباطل والجهل والضلال والمعاصي لا ينقاد لها إلا شرار الناس كما قال بعض الشعراء: إن هو من مستحوذ على أحد * إلاعلى أضعف المجانين ثم بعد هذا كله لهم مقامات في الكفر والزندقة والسخافة مما ينبغي لضعيف العقل والدين أن ينزه نفسه عنه إذا تصوره، وهو مما فتحه إبليس عليهم من أنواع الكفر وأنواع الجهالات، وربما أفاد إبليس بعضهم أشياء لم يكن يعرفها كما قال بعض الشعراء: وكنت امرأ من جند إبليس برهة * من الدهر حتى صار إبليس من جندي والمقصود أن هذه الطائفة تحركت في هذه السنة، ثم استفحل أمرهم وتفاقم الحال بهم كما سنذكره، حتى آل بهم الحال إلى أن دخلوا المسجد الحرام فسفكوا دم الحجيج في وسط المسجد حول الكعبة وكسروا الحجر الاسود واقتلعوه من موضعه، وذهبو به إلى بلادهم في سنة سبع عشرة وثلاثمائة، ثم لم يزل عندهم إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، فمكث غائبا عن موضعه من البيت ثنتين وعشرين سنة فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وكل ذلك من ضعف الخليفة وتلاعب الترك بمنصب الخلافة واستيلائهم على البلاد وتشتت الامر.
وقد اتفق في هذه السنة شيئان أحدهما ظهور هؤلاء، والثاني موت حسام الاسلام وناصر دين
الله أبو أحمد الموفق رحمه الله، لكن الله أبقى للمسلمين بعده ولده أبا العباس أحمد الملقب بالمعتضد.
وكان شهما شجاعا.
ترجمة أبي أحمد الموفق هو الامير الناصر لدين الله، ويقال له الموفق، ويقال له طلحة بن المتوكل على الله جعفر بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، كان مولده في يوم الاربعاء لليلتين خلتا من ربيع الاول سنة تسع وعشرين ومائتين، وكان أخوه المعتمد حين صارت الخلافة إليه قد عهد إليه بالولاية بعد أخيه جعفر، ولقبه الموفق بالله، ثم لما قتل صاحب الزنج وكسر جيشه تلقب بناصر دين الله، وصار إليه العقد والحل
والولاية والعزل، وإليه يجبى الخراج، وكان يخطب له على المنابر، فيقال: اللهم أصلح الامير الناصر لدين الله أبا أحمد الموفق بالله ولي عهد المسلمين أخا أمير المؤمنين.
ثم اتفق موته قبل أخيه المعتمد بستة أشهر، وكان غزير العقل حسن التدبير يجلس للمظالم وعنده القضاة فينصف المظلوم من الظالم وكان عالما بالادب والنسب والفقه وسياسة الملك وغير ذلك، وله محاسن ومآثر كثيرة جدا.
وكان سبب موته أنه أصابه مرض النقرس في السفر فقدم إلى بغداد وهو عليل منه فاستقر في داره في أوائل صفر وقد تزايد به المرض وتورمت رجله حتى عظمت جدا، وكان يوضع له الاشياء المبردة كالثلج ونحوه، وكان يحمل على سريره، يحمله أربعون رجلا بالنوبة، كل نوبة عشرون.
فقال ذات يوم: ما أظنكم إلا قد مللتم مني فياليتني كواحد منكم آكل كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، وأرقد كما ترقدون في عافية.
وقال أيضا: في ديواني مائة ألف مرتزق ليس فيهم أحد أسوأ حالا مني.
ثم كانت وفاته في القصر الحسيني ليلة الخميس لثمان بقين (1) من صفر.
قال ابن الجوزي: وله سبع وأربعون سنة تنقص شهرا وأياما (2).
ولما توفي اجتمع الامراء على أخذ البيعة من بعده إلى ولده أبي العباس أحمد، فبايع له المعتمد بولاية العهد من بعد أبيه (3)، وخطب له على المنابر.
وجعل إليه ما كان لابيه من الولاية والعزل والقطع والوصل، ولقب المعتضد بالله.
وفيها توفي إدريس بن سليم الفقعسي الموصلي.
قال ابن الاثير: كان كثير الحديث والصلاح وإسحاق بن كنداج نائب الجزيرة، كان من ذوي الرأي، وقام بما كان إليه ولده محمد.
ويازمان نائب طرسوس جاءه حجر منجنيق من بلدة كان محاصرها ببلاد الروم فمات منه في رجب (4) من هذه السنة
__________
(1) وفي مروج الذهب 4 / 258: لثلاث بقين من صفر.
(2) في مروج الذهب: تسع واربعون سنة.
(3) في الطبري وابن الاثير: بويع بولاية العهد بعد المفوض ابن المعتمد ولقب بالمعتضد بالله (4) في مروج الذهب 4 / 241: في النصف من رجب، ودفن بباب الجهاد بطرسوس .
ودفن بطرسوس، فولى نيابة الثغر بعده أحمد الجعيفي (1) بأمر خمارويه بن أحمد بن طولون، ثم عزله عن قريب بابن عمه موسى بن طولون.
وفيها توفي عبدة بن عبد الرحيم قبحه الله.
ذكر ابن الجوزي أن هذا الشقي كان من المجاهدين كثيرا في بلاد الروم، فلما كان في بعض الغزوات والمسلون محاصروا بلدة من بلاد الروم إذ نظر إلى امرأة من نساء الروم في ذلك الحصن فهويها فراسلها ما السبيل إلى الوصول إليك ؟ فقالت أن تتنصر وتصعد إلي، فأجابها إلى ذلك، فلما راع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتم المسلمون بسبب ذلك غما شديدا، وشق عليهم مشقة عظيمة، فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو مع تلك المرأة في ذلك الحصن فقالوا: يا فلان ما فعل قرآنك ؟ ما فعل علمك ؟ ما فعل صيامك ؟ ما فعل جهادك ؟ ما فعلت صلاتك ؟ فقال: اعلموا أني أنسيت القرآن كله إلا قوله (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلهيهم الامل فسوف يعلمون) [ الحجر: 3 ] وقد صار لي فيهم مال وولد.
ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائتين في أواخر المحرم منها خلع جعفر المفوض من العهد واستقل بولاية العهد من بعد المعتمد أبو العباس المعتضد بن الموفق، وخطب له بذلك على رؤوس الاشهاد، وفي ذلك يقول يحيى بن علي يهني المعتضد: ليهنيك عقد أنت فيه المقدم * حباك به رب بفضلك أعلم فإن كنت قد أصبحت والي عهدنا * فأنت غدا فينا الامام المعظم ولا زال من والاك فيه مبلغا * مناه ومن عاداك يخزى ويندم (2) وكان عمود الدين فيه تعوج (3) * فعاد بهذا العهد وهو مقوم وأصبح وجه الملك جذلان ضاحكا * يضئ لنا منه الذي كان مظلم (4) فدونك شدد عقد ما قد حويته * فإنك دون الناس فيه المحكم وفيها نودي ببغداد أن لا يمكن أحد من القصاص والطرقية والمنجمين ومن أشبههم من الجلوس في المساجد ولا في الطرقات، وأن لاتباع كتب الكلام والفلسفة والجدل بين الناس، وذلك بهمة أبي
العباس المعتضد سلطان الاسلام.
وفيها وقعت حروب بين هارون الشاري وبين بني شيبان في أرض الموصل وقد بسط ذلك ابن الاثير في كامله.
__________
(1) في ولاة مصر للكندي ص 263: العجيفي.
(2) في ابن الاثير 7 / 452: يشجى ويرغم.
(3) في ابن الاثير: تأود.
(4) في ابن الاثير: يظلم .
وفي رجب منها كانت وفاة المعتمد على الله ليلة الاثنين لتسع عشرة ليلة خلت منه.
ترجمة المعتمد على الله هو أمير المؤمنين المعتمد بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد واسمه أحمد بن جعفر بن محمد بن هارون الرشيد مكث في الخلافة ثلاثا وعشرين سنة وستة أيام (1)، وكان عمره يوم مات خمسين سنة وأشهرا (2)، وكان أسن من أخيه الموفق بستة أشهر، وتأخر بعده أقل من سنة، ولم يكن إليه مع أخيه شئ من الامر حتى أن المعتمد طلب في بعض الايام ثلاثمائة دينار فلم يصل إليها فقال الشاعر في ذلك: ومن العجائب في الخلافة أن * ترى ما قل ممتنعا عليه وتؤخذ الدنا باسمه جميعا * وما ذاك شئ في يديه إليه تحمل الاموال طرا * ويمنع بعض ما يجبى إليه (3) كان المعتمد أول خليفة انتقل من سامرا إلى بغداد ثم لم يعد إليها أحد من الخلفاء، بل جعلوا إقامتهم ببغداد، وكان سبب هلاكه في ما ذكره ابن الاثير أنه شرب في تلك الليلة شرابا كثيرا وتعشى عشاء كثيرا، وكان وقت وفاته في القصر الحسيني من بغداد، وحين مات أحضر المعتضد القضاة والاعيان وأشهدهم أنه مات حتف أنفه، ثم غسل وكفن وصلي عليه ثم حمل فدفن بسامرا.
وفي صبيحة العزاء بويع للمعتضد وفيها توفي:
البلاذري المؤرخ واسمه أحمد بن يحيى بن جابر بن داود أبو الحسن ويقال أبو جعفر ويقال أبو بكر البغدادي البلاذري صاحب التاريخ المنسوب إليه، سمع هشام بن عمار وأبا عبيد القاسم بن سلام، وأبا الربيع الزهراني وجماعة، وعنه يحيى بن النديم وأحمد بن عمار وأبو يوسف يعقوب بن نعيم بن قرقارة الازدي.
قال ابن عساكر: كان أديبا ظهرت له كتب جياد، ومدح المأمون بمدائح، وجالس المتوكل، وتوفي أيام المعتمد، وحصل له هوس ووسواس في آخر عمره، وروى عنه ابن عساكر قال قال لي محمود الوراق: قل من الشعر ما يبقى لك ذكره، ويزول عنك إثمه فقلت عند ذلك: استعدي يا نفس للموت واسعي * لنجاة فالحازم المستعد
__________
(1) في ابن الاثير: وستة أشهر.
وقال المسعودي: ثلاثا وعشرين سنة.
(2) في مروج الذهب 4 / 226: ثمان وأربعين سنة.
(3) الابيات في كامل ابن الاثير باختلاف 7 / 455 .
إنما أنت مستعيرة وسوف * تردين والعواري ترد أنت تسهين والحوادث لا * تسهو وتلهين والمنايا تعد أي ملك في الارض وأي حظ * لامرئ حظه من الارض لحد لا ترجى البقاء في معدن الموت * ودار حتوفها لك ورد كيف يهوى امرؤ لذاذة أيام * أنفاسها عليه فيها تعد خلافة المعتضد أمير المؤمنين أبي العباس أحمد بن أبي أحمد الموفق بن جعفر المتوكل، كان من خيار خلفاء بني العباس ورجالهم.
بويع له بالخلافة صبيحة موت المعتمد لعشر بقين من رجب منها وقد كان أمر الخلافة داثرا فأحياه الله على يديه بعدله وشهامته وجرأته، واستوزر (1) عبيد الله بن سليمان بن وهب وولى مولاه بدرا الشرطة في بغداد، وجاءته هدايا عمرو بن الليث وسأل منه أن يوليه إمرة خراسان
فأجابه إلى ذلك، وبعث إليه بالخلع واللواء فنصبه عمرو في داره ثلاثة أيام فرحا وسرورا بذلك، وعزل رافع بن هرثمة عن إمرة خراسان ودخلها عمرو بن الليث فلم يزل يتبع رافعا من بلد إلى بلد حتى قتله في سنة ثلاث وثمانين كما سيأتي، وبعث برأسه إلى المعتضد وصفت إمرة خراسان لعمرو.
وفيها قدم الحسين (2) بن عبد الله المعروف بالجصاص من الديار المصرية بهدايا عظيمة من خمارويه إلى المعتضد فتزوج المعتضد بابنة خمارويه فجهزها أبوها بجهاز لم يسمع بمثله، حتى قيل إنه كان في جهازها مائة هاون من ذهب، فحمل ذلك كله من الديار المصرية إلى دار الخلافة ببغداد صحبة العروس، وكان وقتا مشهودا.
وفيها تملك أحمد بن عيسى بن الشيخ قلعة ماردين وكانت قبل ذلك لاسحاق بن كنداج.
وفيها حج بالناس هارون بن محمد العباسي وهي آخر حجة حجها بالناس، وقد كان يحج بالناس من سنة أربع وستين ومائتين إلى هذه السنة.
وفيها توفي من الاعيان أحمد أمير المؤمنين المعتمد.
وأبو بكر بن أبي خيثمة.
و [ هو ] (3): أحمد بن زهير بن أبي خيثمة صاحب التاريخ وغيره.
سمع أبا نعيم.
وعفان وأخذ علم الحديث عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وعلم النسب عن مصعب بن الزبيري، وأيام الناس عن أبي الحسن علي بن محمد المدائني.
وعلم الادب عن محمد بن سلام الجمحي.
وكان ثقة حافظا ضابطا مشهورا، وفي تاريخه فوائد كثيرة وفرائد غزيرة.
روى عنه البغوي وابن صاعد وابن أبي داود بن المنادي.
توفي في جمادى
__________
(1) قال الفخري ص 256: أقر المعتضد عبيد الله على وزارته - وكان قد استوزره المعتمد - (انظر مروج الذهب 4 / 262).
(2) كان بالاصل وابن الاثير والطبري، وفي مروج الذهب: الحسن.
(3) زيادة اقتضاها السياق، لان أبي بكر اسمه أحمد بن زهير .
الاولى منها عن أربع وتسعين سنة.
وخاقان أبو عبد الله الصوفي، كانت له أحوال وكرامات.
الترمذي واسمه محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك، وقيل محمد بن عيسى بن يزيد بن
سورة بن السكن، ويقال محمد بن عيسى بن سورة بن شداد بن عيسى السلمي الترمذي الضرير، يقال إنه ولد أكمه، وهو أحد أئمة هذا الشأن في زمانه، وله المصنفات المشهورة، منها الجامع، والشمائل، وأسماء الصحابة وغير ذلك.
وكتاب الجامع أحد الكتب الستة التي يرجع إليها العلماء في سائر الآفاق، وجهالة ابن حزم لابي عيسى الترمذي لا تضره حيث قال في محلاه: ومن محمد بن عيسى بن سورة ؟ فإن جهالته لا تضع من قدره عند أهل العلم، بل وضعت منزلة ابن حزم عند الحفاظ.
وكيف يصح في الاذهان شئ * إذا احتاج النهار إلى دليل وقد ذكرنا مشايخ الترمذي في التكميل.
وروى عنه غير واحد من العلماء منهم محمد بن إسماعيل البخاري في الصحيح، والهيثم بن كليب الشاشي صاحب المسند، ومحمد بن محبوب المحبوبي، راوي الجامع عنه.
ومحمد بن المنذر بن شكر.
قال أبو يعلى الخليل بن عبد الله الخليلي القزويني في كتابه علوم الحديث: محمد بن عيسى بن سورة بن شداد الحافظ متفق عليه، له كتاب في السنن وكتاب في الجرح والتعديل، روى عنه أبو محبوب والاجلاء، وهو مشهور بالامانة والامامة والعلم.
مات بعد الثمانين ومائتين.
كذا قال في تاريخ وفاته.
وقد قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سليمان الغنجار في تاريخ بخارى: محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي الحافظ، دخل بخارى وحدث بها، وهو صاحب الجامع والتاريخ، توفي بالترمذ ليلة الاثنين لثلاث عشرة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين.
ذكره الحافظ أبو حاتم بن حيان في الثقات، فقال: كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر.
قال الترمذي: كتب عني البخاري حديث عطية عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي " لا يحل لاحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك " (1).
وروى ابن يقظة في تقييده عن الترمذي أنه قال: صنفت هذا المسند الصحيح وعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي ينطق.
وفي رواية يتكلم.
قالوا وجملة الجامع.
مائة إحدى وخمسون كتابا، وكتاب العلل صنفه بسمرقند، وكان فراغه منه في يوم عيد الاضحى سنة سبعين ومائتين.
قال
ابن عطية: سمعت محمد بن طاهر المقدسي سمعت أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الانصاري يقول:
__________
(1) أخرجه الترمذي في كتاب المناقب باب (20) ح (3727) ص (5 / 640) .
كتاب الترمذي عندي أنور من كتاب البخاري ومسلم.
قلت: ولم ؟ قال لانه لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من هو من أهل المعرفة التامة بهذا الفن، وكتاب الترمذي قد شرح أحاديثه وبينها، فيصل إليها كل أحد من الناس من الفقهاء والمحدثين وغيرهم.
قلت: والذي يظهر من حال الترمذي أنه إنما اطرأ عليه العمى بعد أن رحل وسمع وكتب وذاكر وناظر وصنف، ثم اتفق موته في بلده في رجب منها على الصحيح المشهور والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثمانين ومائتين من الهجرة في المحرم منها قتل المعتضد رجلا من أمراء الزنج كان قد لجأ بالامان ويعرف بسلمة (1)، ذكر له أنه يدعو إلى رجل لا يعرف من هو، وقد أفسد جماعة، فاستدعي به فقرره فلم يقر، وقال: لو كان تحت قدمي ما أقررت به، فأمر به فشد على عمود ثم لوحه على النار تى تساقط جلده، ثم أمر بضرب عنقه وصلبه لسبع خلون من المحرم.
وفي أول صفر ركب المعتضد من بغداد قاصدا بني شيبان من أرض الموصل فأوقع بهم بأسا شديدا عند جبل يقال له نوباذ (2).
وكان مع المعتضد حاد جيد الحداء، فقال في تلك الليالي يحدو المعتضد: فأجهشت للنوباذ حين رأيته * وهللت للرحمن حين رآني وقلت له أين الذين عهدتهم * بظلك في أمن ولين زمامي فقال مضوا واستخلفواني مكانهم * ومن ذا الذي يبقى على الحدثان وفيها أسر المعتضد بتسهيل عقبة حلوان فغرم عليها عشرين ألف دينار، وكان الناس يلقون منها شدة عظيمة.
وفيها أمر بتوسيع جامع المنصور بإضافة دار المنصور إليه، وغرم عليه عشرين ألف دينار، وكانت الدار قبلته فبناها مسجدا على حدة وفتح بينهما سبعة عشر بابا وحول المنبر والمحراب إلى المسجد ليكون في قبلة الجامع على عادته.
قال الخطيب: وزاد بدر مولى المعتضد السقفان من قصر
المنصور المعروفة بالبدرية.
بناء دار الخلافة من بغداد في هذا الوقت أول من بناها المعتضد في هذه السنة.
وهو أول من سكنها من الخلفاء إلى آخر دولتهم، وكانت أولا دار للحسن بن سهل تعرف بالقصر الحسني، ثم صارت بعد ذلك لابنته بوران زوجة المأمون،
__________
(1) في الطبري: شيلمة، وفي ابن الاثير: شميلة.
وانظر مروج الذهب فيه ذكره قال: يعرف بمحمد بن الحسن بن سهل ابن أخي ذي الرياستين يلقب بشميلة.
(2) في مروج الذهب 4 / 275: أوقع بهم مما يلي الجزيرة والزاب في الموضع المعروف بوادي الذئاب .
فعمرتها حتى استنزلها المعتضد عنها فأجابته إلى ذلك، ثم أصلحت ما وهى منها ورممت ما كان قد تشعث فيها، وفرشتها بأنواع الفرش في كل موضع منها ما يليق به من المفارش، وأسكنته ما يليق به من الجواري والخدم، وأعدت بها المآكل الشهية وما يحسن ادخاره في ذلك الزمان، ثم أرسلت مفاتيحها إلى المعتضد، فلما دخلها هاله ما رأى من الخيرات، ثم وسعها وزاد فيها وجعل لها سورا حولها، وكانت قدر مدينة شيراز، وبنى الميدان ثم بنى فيها قصرا مشرفا على دجلة، ثم بنى فيها المكتفي التاج، فلما كان أيام المقتدر زاد فيها زيادات أخر كبارا كثيرة جدا، ثم بعد هذا كله خربت حتى كأن لم يكن موضعها عمارة، وتأخرت آثارها إلى أيام التتار الذين خربوها وخربوا بغداد وسبوا من كان بها من الحرائر كما سيأتي بيانه في موضعه من سنة ست وخمسين وستمائة.
قال الخطيب: والذي يشبه أن بوران وهبت دارها للمعتمد لا للمعتضد، فإنها لم تعش إلى أيامه، وقد تقدمت وفاتها.
وفيها زلزلت أردبيل (1) ست مرات فتهدمت دورها ولم يبق منها مائة دار، ومات تحت الردم مائة ألف وخمسون ألفا فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفيها غارت المياه ببلاد الري وطبرستان حتى بيع الماء كل ثلاثة أرطال بدرهم، وغلت الاسعار هنالك جدا.
وفيها غزا إسماعيل بن أحمد الساماني ببلاد الترك ففتح مدينة ملكهم وأسر امرأته الخاتون وأباه (2) ونحوا من عشرة آلاف أسير، وغنم من الدواب والامتعة والاموال شيئا كثيرا، أصاب الفارس
ألف درهم.
وفيها حج بالناس أبو بكر محمد بن هارون بن إسحاق العباسي.
وفيها توفي من الاعيان أحمد بن سيار بن أيوب الفقيه الشافعي المشهور بالعبادة والزهادة.
وأحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى أبو جعفر البغدادي، كان من أكابر الحنفية، تفقه على محمد بن سماعة وهو أستاذ أبي جعفر الطحاوي، وكان ظريرا، سمع الحديث من علي بن الجعد وغيره، وقدم مصر فحدث بها من حفظه، وتوفي بها في المحرم من هذه السنة، وقد وثقه ابن يونس في تاريخ مصر.
وأحمد بن محمد بن عيسى بن الازهر القاضي بواسط، صاحب المسند، روى عن مسلم بن إبراهيم وأبي سلمة التبوذكي، وأبي نعيم وأبي الوليد وخلق، وكان ثقة ثبتا تفقه بأبي سليمان الجوزجاني صاحب محمد بن الحسن وقد حكم بالجانب الشرقي من بغداد في أيام المعتز، فلما كان أيام الموفق طلب منه ومن إسماعيل القاضي أن
__________
(1) في الطبري 11 / 343 وابن الاثير 7 / 465: دبيل.
(2) في الطبري 11 / 343: وأسره إياه وامرأته الخاتون.
وفي مروج الذهب 4 / 276: ويقال ان اسم هذا الملك يقال له: طنكش.
قال: وأراه من الجنسين المعروفين بالخدلجية .
يعطياه ما بأيديهما من أموال اليتامى الموقوفة فبادر إلى ذلك إسماعيل القاضي واستنظره إلى ذلك أبو العباس البرقي هذا، ثم بادر إلى كل من أنس منه رشدا من اليتامى فدفع إليه ماله، فلما طولب به قال: ليس عندي منه شئ، دفعته إلى أهله، فعزل عن القضاء ولزم بيته وتعبد إلى أن توفي في ذي الحجة منها.
وقد رآه بعضهم في المنام وقد دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه وصافحه وقبل بين عينيه، وقال: مرحبا بمن عمل بسنتي وأثري.
وفيها توفي جعفر بن المعتضد، وكان يسامر أباه.
وراشد مولى الموفق بمدينة الدينور فحمل إلى بغداد.
وعثمان بن سعيد الدارمي مصنف الرد على بشر المريسي فيما ابتدعه من التأويل لمذهب الجهمية وقد ذكرناه في طبقات الشافعية.
ومسرور الخادم وكان من أكابر الامراء.
ومحمد بن إسماعيل
الترمذي صاحب التصانيف الحسنة في رمضان منها، قاله ابن الاثير، وشيخنا الذهبي.
وهلال بن المعلا المحدث المشهور وقد وقع لنا من حديثه طرف.
وسيبويه أستاذ النحاة وقيل إنه توفي في سنة سبع وسبعين، وقيل ثمان وثمانين، وقيل إحدى وستين، وقيل أربع وسبعين ومائة فالله أعلم.
وهو أبو بشر عمر بن عثمان بن قنبر مولى بني الحارث بن كعب، قيل: مولى الربيع بن زياد الحارثي البصري.
ولقب سيبويه لجماله وحمرة وجنتيه حتى كانتا كالتفاحتين.
وسيبويه في لغة فارس رائحة التفاح.
وهو الامام العلامة العلم، شيخ النحاة من لدن زمانه إلى زماننا هذا، والناس عيال على كتابه المشهور في هذا الفن.
وقد شرح بشروح كثيرة وقل من يحيط علما به.
أخذ سيبويه العلم عن الخليل بن أحمد ولازمه، وكان إذا قدم يقول الخليل: مرحبا بزائر لا يمل.
وأخذ أيضا عن عيسى بن عمر، ويونس بن حبيب وأبي زيد الانصاري، وأبي الخطاب الاخفش الكبير وغيرهم، قدم من البصرة إلى بغداد أيام كان الكسائي يؤدب الامين بن الرشيد، فجمع بينهما فتناظرا في شئ من مسائل النحو فانتهى الكلام إلى أن قال الكسائي: تقول العرب: كنت أظن الزنبور أشد لسعا من النحلة فإذا هو إياها.
فقال سيبويه: بيني وبين أعرابي لم يشبه شئ من الناس المولد، وكان الامين يحب نصرة أستاذه فسأل رجلا من الاعراب فنطق بما قال سيبويه.
فكره الامين ذلك وقال له: إن الكسائي يقول خلافك.
فقال: إن لساني لا يطاوعني على ما يقول فقال: أحب أن تحضر وأن تصوب كلام الكسائي، فطاوعه على ذلك وانفصل المجلس عن قول الاعرابي إذا الكسائي أصاب.
فحمل سيبويه على نفسه وعرف أنهم تعصبوا عليه ورحل عن بغداد فمات ببلاد شيراز في قرية يقال لها البيضاء، وقيل إنه ولد بهذه وتوفي بمدينة سارة في هذه السنة، وقيل سنة سبع وسبعين، وقيل ثمان وثمانين، وقيل إحدى وتسعين وقيل أربع وتسعين ومائة فالله أعلم، وقد ينف على
الاربعين، وقيل بن إنما عمره ثنتين وثلاثين سنة فالله أعلم.
قرأ بعضهم على قبره هذه الابيات:
ذهب الاحبة بعد طول تزاور * ونأى المزار فأسلموك وأقشعوا تركوك أوحش ما تكون بقفرة * لم يؤنسوك وكربة لم يدفعوا قضى القضاء وصرت صاب حفرة * عنك الاحبة أعرضوا وتصدعوا (1) ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائتين فيها دخل المسلمون بلاد الروم فغنموا وسلموا.
وفيها تكامل غور المياه ببلاد الري وطبرستان.
وفيها غلت الاسعار جدا وجهد الناس حتى أكل بعضهم بعضا، فكان الرجل يأكل ابنه وابنته فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفيها حاصر المعتضد قلعة ماردين وكانت بيد حمدان بن حمدون ففتحها قسرا وأخذ ما كان فيها، ثم أمر بتخريبها فهدمت.
وفيها وصلت قطر الندى بنت خمارويه سلطان الديار المصرية إلى بغداد في تجمل عظيم ومعها من الجهاز شئ كثير حتى قيل إنه كان في الجهاز مائة هاون من ذهب غير الفضة وما يتبع ذلك من القماش وغير ذلك مما لا يحصى.
ثم بعد كل حساب أرسل معها أبوها ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار لتشتري بها من العراق ما قد تحتاج إليه مما ليس بمصر مثله.
وفيها خرج المعتضد إلى بلاد الجبل وولى ولده عليا المكتفي نيابة الري وقزوين وأزربيجان (2) وهمدان والدينور، وجعل على كتابته أحمد بن الاصبغ، وولى عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف نيابة أصبهان ونهاوند والكرج (3)، ثم عاد راجعا إلى بغداد.
وحج بالناس محمد بن هارون بن إسحاق، وأصاب الحجاج في الاجفر مطرا عظيم فغرق كثير منهم، كان الرجل يغرق في الرمل فلا يقدر أحد على خلاصه منه.
وفيها توفي من الاعيان إبراهيم بن الحسن بن ديزيل الحافظ صاحب كتاب المصنفات، ومنها في وقعة صفين مجلد كبير.
وأحمد بن محمد الطائي بالكوفة في جمادى منها (4).
وإسحاق بن إبراهيم المعروف بابن الجيلي سمع الحديث وكان يفتي الناس بالحديث، وكان يوصف بالفهم والحفظ.
وفيها توفي:
__________
(1) الابيات في وفيات الاعيان 3 / 464 ونسبها لسليمان بن يزيد العدوي.
(2) في الطبري 11 / 344 وابن الاثير 7 / 467: زنجان وأبهر وقم.
(مروج الذهب 4 / 276).
(3) من الطبري وابن الاثير: وفي الاصل: الكرخ.
وفي مروج الذهب: فكالاصل.
(4) في الطبري: لخمس ليال بقين من جمادى ودفن بالكوفة في موضع يقال له: مسجد السهلة .
أبو بكر عبد الله بن أبي الدنيا القرشى مولى بني أمية، وهو عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس أبو بكر بن أبي الدنيا الحافظ المصنف في كل فن، المشهور بالتصانيف الكثيرة النافعة الشائعة الزائعة في الرقاق وعيرها، هي تزيد على مائة مصنف، وقيل إنها نحو الثلثمائة مصنف، وقيل أكثر وقيل أقل، سمع ابن أبي الدنيا إبراهيم بن المندر الخزامي، وخالد بن خراش وعلي بن الجعد وخلقا، وكان مؤدب المعتضد وعلي بن المعتضد الملقب بالمكتفي بالله، وكان له عليه كل يوم خمسة عشر دينارا، وكان صدوقا حافظا ذا مروءة، لكن قال فيه صالح بن محمد حزرة: إلا أنه كان يروي عن رجل يقال له: محمد بن إسحاق البلخي وكان هذا الرجل كذابا يضع لاعلام إسنادا، وللكلام إسنادا، ويروي أحاديث منكرة.
ومن شعر ابن أبي الدنيا أنه جلس أصحاب له ينتظرونه ليخرج إليهم، فجاء المطر فحال بينه، فكتب إليهم رقعة فيها: أنا مشتاق إلى رؤيتكم * يا أخلاي وسمعي والبصر كيف أنساكم وقلبي عندكم * حال فيما بينا هذا المطر توفي ببغداد في جمادى الاولى من هذه السنة عن سبعين سنة، وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي ودفن بالشونيزية رحمه الله.
عبد الرحمن بن عمرو أبو زرعة البصري الدمشقي الحافظ الكبير المشهور بابن المواز الفقيه المالكي، له اختيارات في مذهب مالك، فمن ذلك وجوب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة.
ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ومائتين في خامس ربيع الاول منها يوم الثلاثاء دخل المعتضد بزوجته قطر الندى ابنة خمارويه، قدمت بغداد صحبة عمها وصحبة ابن الجصاص، وكان الخليفة غائبا وكان دخولها إليه يوما مشهودا، امتنع
الناس من المرور في الطرقات من كثرة الخلق.
وفيها نهى المعتضد الناس أن يعملوا في يوم النيروز ما كانوا يتعاطونه من إيقاد النيران وصب الماء وغير ذلك من الافعال المشابهة لافعال المجوس، ومنع من حمل هدايا الفلاحين إلى المنقطعين في هذا اليوم وأمر بتأخير ذلك إلى الحادي عشر من حزيران وسمي النيروز المعتضدي، وكتب بذلك إلى الآفاق.
وفيها في ذلك الحجة (1) قدم إبراهيم بن أحمد الماذرائي من دمشق على البريد فأخبر الخليفة بأن خمارويه وثبت عليه خدامه فذبحته على فراشه (2) وولوا بعده
__________
(1) في الطبري: لاثنتي عشرة بقيت من ذي الحجة.
(2) في الطبري لثلاث خلون من ذي الحجة.
وفي مروج الذهب 4 / 277: في ذي القعدة لايام بقيت منه.
وقال الكندي في ولاة مصر / 264: لليلتين بقيتا من ذي القعدة .
ولده جيش (1) ثم قتلوه ونهبوا داره ثم ولوا هارون بن خمارويه، وقد التزم في كل سنة أن يحمل إلى الخليفة ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، فأقره المعتضد على ذلك، فلما كان المكتفي عزله وولى مكانه محمد بن سليمان الواثقي فاصطفى أموال الطولونيين، وكان ذلك آخر العهد منهم.
وفيها أطلق لؤلؤ غلام أحمد بن طولون من الحبس فعاد إلى مصر في أذل حال بعد أن كان من أكثر الناس مالا وعزا وجاها.
وفيها حج بالناس الامير المتقدم ذكره.
وفيها توفي من الاعيان أحمد بن داود أبو حنيفة الدينوري اللغوي صاحب كتاب النبات.
إسماعيل بن إسحاق ابن إسماعيل بن حماد بن زيد أبو إسحاق الازدي القاضي، أصله من البصرة ونشأ ببغداد وسمع مسلم بن إبراهيم ومحمد بن عبد الله الانصاري، والقعنبي وعلي بن المديني، وكان حافظا فقهيا مالكيا جمع وصنف وشرح في المذهب عدة مصنفات في التفسير والحديث والفقه، وغير ذلك، ولي القضاء في أيام المتوكل بعد سوار بن عبد الله، ثم عزل ثم ولي وصار مقدم القضاة.
كانت وفاته فجأة ليلة الاربعاء لثمان بقين من ذي الحجة منها، وقد جاوز الثمانين رحمه الله.
الحارث بن محمد بن أبي أسامة صاحب المسند المشهور.
خمارويه بن أحمد بن طولون صاحب الديار المصرية بعد أبيه سنة إحدى وسبعين ومائتين، وقد قاتل هو والمعتضد بن الموفق في حياة أبيه الموفق في أرض الرملة، وقيل في أرض الصعيد.
وقد تقدم ذلك في موضعه، ثم بعد ذلك لما آلت الخلافة إلى المعتضد تزوج بابنة خمارويه وتصافيا، فلما كان في ذي الحجة من هذه السنة عدا أحد الخدام من الخصيان على خمارويه فذبحه وهو على فراشه، وذلك أن خمارويه اتهمه بجارية له.
مات عن ثنتين وثلاثين سنة، فقال بالامر من بعده ولده هارون (2) بن خمارويه، وهو آخر الطولونية.
وذكر ابن الاثير أن عثمان بن سعيد بن خالد أبو سعيد الدارمي توفي في هذه السنة، وكان شافعيا أخذ الفقه عن البويطي صاحب الشافعي فالله أعلم.
وقد قدمنا وفاة الفضل بن يحيى بن محمد بن المسيب بن موسى بن زهير بن يزيد بن كيسان بن بادام ملك اليمن، أسلم بادام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) من الطبري ومروج الذهب وابن الاثير وولاة مصر للكندي، وفي الاصل: حنش.
(2) راجع الحاشية السابقة.
وقال الكندي في ولاة مصر: ص 265: ولي مصر أبو العساكر جيش بن خمارويه (بعد مقتل خمارويه) ثم خلعوه وبايعوا أخاه هارون بن خمارويه وكانت ولايته ستة أشهر واثني عشر يوما .
أبو محمد الشعراني الاديب الفقيه العابد الحافظ الرحال تلميذ يحيى بن معين، روى عنه الفوائد في الجرح والتعديل وغير ذلك، وكذلك أخذ عن أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وقرأ على خلف بن هشام البزار وتعلم اللغة من ابن الاعرابي، وكان ثقة كبيرا.
محمد بن القاسم بن خلاد أبو العيناء البصري الضرير الشاعر الاديب البليغ اللغوي تلميذ الاصمعي، كنيته أبو عبد الله وإنما لقب بأبي العيناء لانه سئل عن تصغير عيناء فقال عييناء، له معرفة تامة بالادب والحكايات والملح.
أما الحديث فليس منه إلا القليل.
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائتين
في المحرم منها خرج المعتضد من بغداد قاصدا بلاد الموصل لقتال هارون الشاري الخارجي فظفر به وهزم أصحابه وكتب بذلك إلى بغداد، فلما رجع الخليفة إلى بغداد أمر بصلب هارون الشاري وكان صفريا.
فلما صلب قال: لا حكم إلا لله ولو كره المشركون.
وقد قاتل الحسن بن حمدان الخوارج في هذه الغزوة قتالا شديدا مع الخليفة، فأطلق الخليفة أباه حمدان بن حمدون من القيود بعد ما كان قد سجنه حينا من وقت أخذ قلعة ماردين، فاطلقه وخلع عليه وأحسن إليه.
وفيها كتب المعتضد إلى الآفاق برد ما فضل عن سهام ذوي الفرض إذا لم تكن عصبة إلى ذوي الارحام وذلك بفتيا أبي حازم القاضي.
وقد قال في فتياه: إن هذا اتفاق من الصحابة إلا زيد بن ثابت فإنه تفرد برد ما فضل والحالة هذه إلى بيت المال.
ووافق على ذلك علي بن محمد بن أبي الشوارب أبي حازم، وخالفهما القاضي يوسف بن يعقوب، وذهب إلى قول زيد فلم يلتفت إليه المعتضد ولا عد قوله شيئا، وأمضى فتيا أبي حازم، ومع هذا ولى القضاء يوسف بن يعقوب في الجانب الشرقي، وخلع عليه خلعة سنية، وقلد أبي حازم قضاء أماكن كثيرة وذلك لموافقته ابن أبي الشوارب وخلع عليه خلعا سنية أيضا.
وفيها وقع الفداء بين المسلمين والروم فاستنقذ من أيديهم ألفا أسير وخمسمائة وأربعة أنفس.
وفيا حاصرت الصقالبة الروم في القسطنطينية فاستعان ملك الروم بمن عنده من أسارى المسلمين وأعطاهم سلاحا كثيرا فخرجوا معهم فهزموا الصقالبة، ثم خاف ملك الروم من غائلة أولئك المسلمين ففرقهم في البلاد.
وفيها خرج عمرو بن الليث من نيسابور لبعض أشغاله فخلفه فيها رافع بن هرثمة ودعا على منابرها لمحمد بن زيد المطلبي ولولده من بعده، فرجع إليه عمرو وحاصره فيها، ولم يزل به حتى أخرجه منها وقتله على بابها.
وفيها بعث الخليفة وزيره عبيد الله بن سليمان لقتال عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف، فلما وصل إليه طلب منه عمر الامان فأمنه وأخذه معه إلى الخليفة فتلقاه الامراء وخلع عليه الخليفة وأحسن إليه.
وفيها توفي من الاعيان إبراهيم بن مهران أبو إسحاق الثقفي السراج النيسابوري، كان الامام
أحمد يدخل إلى منزله وكان بقطيعة الربيع في الجانب الغربي وينبسط فيه ويفطر عنده، وكان من
الثقات العباد العلماء، توفي في صفر منها.
إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن حازم أبو القاسم الجيلي، وليس هو بالذي تقدم ذكره في السنين المتقدمة.
سمع داود بن عمرو وعلي بن الجعد وخلقا كثيرا.
وقد لينه الدار قطني فقال ليس بالقوي.
توفي عن نحو من ثمانين سنة.
سهل بن عبد الله بن يونس التستري أبو محمد أحد أئمة الصوفية، لقي ذا النون المصري.
ومن كلامه الحسن قوله: أمس قد مات واليوم في النزع وغد لم يولد.
وهذا كما قال بعض الشعراء: ما مضى فات والمؤمل غ * يب ولك الساعة التي أنت فيها وقد تخرج سهل شيخا له محمد بن سوار، وقيل إن سهلا قد توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين فالله أعلم.
وفيها توفي عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن خراش أبو محمد الحافظ المروزي أحد الجوالين الرحالين حفاظ الحديث والمتكلمين في الجرح والتعديل، وقد كان ينبذ بشئ من التشيع فالله أعلم.
روى الخطيب عنه أنه قال: شربت بولي في هذا الشأن خمس مرات يعني أنه اضطر إلى ذلك في أسفاره في الحديث من العطش علي بن محمد بن أبي الشوارب.
عبد الملك الاموي البصري قاضي سامرا.
وقد ولي في بعض الاحيان قضاء القضاة، وكان من الثقات، سمع أبا الوليد وأبا عمرو الحوصي وعنه النجاد وابن صاعد وابن قانع، وحمل الناس عنه علما كثيرا.
ابن الرومي الشاعر صاحب الديوان في الشعر علي بن العباس بن جريج أبو الحسن المعروف بابن الرومي وهو مولى عبد الله بن جعفر وكان شاعرا مشهورا مطيقا فمن ذلك قوله: إذا ما مدحت الباخلين فإنما * تذكرهم في سواهم من الفضل وتهدي لهم غما طويلا وحسرة * فإن منعوا منك النوال فبالعدل وقال: إذا ما كساك الدهر سربال صحة * ولم تخل من قوت يلذ ويعذب فلا تغبطن المترفين فإنه * على قدر ما يكسوهم الدهر يسلب وقال أيضا:
عدوك من صديقك مستفاد * فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه * يكون من الطعام أو الشراب إذا انقلب الصديق غدا عدوا * مبينا والامور إلى انقلاب ولو كان الكثير يطيب كانت * مصاحبة الكثير من الصواب
ولكن قل ما استكثرت إلا * وقعت على ذئاب في ثياب فدع عنك الكثير فكم كثير * يعاف وكم قليل مستطاب وما اللجج العظام بمزريات * ويكفي الري في النطف العذاب قال أيضا: وما الحسب الموروث إلا دردره * بمحتسب إلا بآخر مكتسب فلا تتكل إلا على ما فعلته * ولا تحسبن المجد يورث كالنسب فليس يسود المرء إلا بفعله * وإن عد آباء كراما ذوي حسب إذا العود لم يثمر وإن كان أصله * من المثمرات عنده الناس في الحطب وللمجد قوم شيدوه بأنفس * كرام ولم يعنوا بأم ولا بأب وقال أيضا وهو من لطيف شعره: قلبي من الطرف السقيم سقيم * لو أن من أشكو إليه رحيم في وجهها أبدا نهار واضح * من شعرها عليه ليل بهيم إن أقبلت فالبدر لاح وإن * مشت فالغصن راح وإن رنت فالريم نعمت بها عيني فطال عذابها * ولكم عذاب قد جناه نعيم نظرت فاقصدت الفؤاد بسهمها * ثم انثنت نحوي فكدت أهيم ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت * وقع السهام ووقعهن أليم يا امستحل دمي محرم رحمتي * ما أنصف التحليل والتحريم
وله أيضا وكان يزعم أنه ما سبق إليه: آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم * في الحادثات إذا زجرن (1) نجوم منها معالم للهدى ومصابح * تجلوا الدجى والاخريات رجوم وذكر أنه ولد سنة إحدى وعشرين ومائتين.
ومات في هذه السنة، وقيل في التى بعدها، وقيل في سنة ست وسبعين ومائتين، وذكر أن سبب وفاته أن وزير المعتضد القاسم بن عبيد الله (2) كان يخاف من هجوه ولسانه فدس عليه من أطعمه وهو بحضرته خشكنانجة (3) مسمومة، فلما أحسن السم قام
__________
(1) في وفيات الاعيان 3 / 359: دجون.
(2) من الطبري ومروج الذهب والفخري، وفي الاصل عبد الله تحريف.
وهو أبو الحسين القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وكان عظيم الهيبة شديد الاقدام سفاكا للدماء لا يعرف أحد من أرباب الاموال منه نعمة توفي في ربيع الاخر سنة 291.
(وفيات - الفخري - مروج الذهب).
(3) من مروج الذهب ووفيات الاعيان، وفي الاصل: خشتنانكة، وهو طعام فارسي.
فقال له الوزير: إلى أين ؟ قال: إلى المكان الذي بعثتني إليه.
قال: سلم على والدي: فقال: لست أجتاز على النار.
ومحمد بن سليمان بن الحرب أبو بكر الباغندي الواسطي، كان من الحفاظ، وكان أبو داود يسأله عن الحديث، ومع هذا تكلموا فيه وضعفوه.
محمد بن غالب بن حرب أبو جعفر الضبي المعروف بتنهام سمع سفيان وقبيصة والقعنبي، وكان من الثقات.
قال الدار قطني: وربما أخطأ.
توفي في رمضان عن تسعين سنة.
البحتري الشاعر صاحب الديوان المشهور، اسمه الوليد بن عبادة، ويقال ابن عبيد بن يحيى أبو عباد الطائي البحتري الشاعر، أصله من منبج وقدم بغداد ومدح المتوكل والرؤساء، وكان شعره في المدح خيرا منه في المراثي فقيل له في ذلك فقال: المديح للرجاء والمراثي للوفاء وبينهما بعد.
وقد روى شعره المبرد وابن
درستويه وابن المرزبان.
وقيل له: إنهم يقولون إنك أشعر من أبي تمام.
فقال: لولا أبو تمام ما أكلت الخبز، كان أبو تمام أستاذنا.
وقد كان البحتري شاعرا مطيقا فصيحا بليغا رجع إلى بلده فمات بها في هذه السنة، وقيل في التي بعدها عن ثمانين سنة.
ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائتين في المحرم منا دخل رأس رافع بن هرثمة إلى بغداد فأمر الخليفة بنصبه في الجانب الشرقي إلى الظهر، ثم بالجانب الغربي إلى الليل (1).
وفي ربيع الاول منها خلع على محمد بن يوسف بن يعقوب بالقضاء بمدينة أبي جعفر المنصور عوضا عن ابن أبي الشوارب بعد موته بخمسة أشهر وأيام، وقد كانت شاغرة تلك المدة.
وفي ربيع الآخر منها ظهرت بمصر ظلمة شديدة وحمرة في الافق حتى كان الرجل ينظر إلى وجه صاحبه فيراه أحمر اللون جدا.
وكذلك الجدران، فمكثوا كذلك من العصر إلى الليل ثم خرجوا إلى الصحراء يدعون الله ويتضرعون حتى كشف عنهم.
وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر فحذره ذلك وزيره عبد الله (2) بن وهب، وقال له: إن العامة تنكر قلوبهم ذلك وهم يترحمون عليه ويترضون عنه في أسواقهم وجوامعهم، فلم يلتفت إليه بل أمر بذلك وأمضاه وكتب به نسخا إلى الخطباء بلعن معاوية وذكر فيها ذمه وذم ابنه يزيد بن معاوية وجماعة من بني أمية (3)، وأورد فيها أحاديث باطلة في ذم معاوية وقرئت في الجانبين من بغداد، ونهيت العامة عن
__________
(1) في مروج الذهب 4 / 293: صلب ساعه من نهار ثم رد إلى دار السلطان.
(2) في الطبري 11 / 354: عبيد الله بن سليمان بن وهب.
(3) نسخة الكتاب في الطبري 11 / 355 - 356 .
الترحم على معاوية والترضي عنه، فلم يزل به الوزير حتى قال له فيما قال: يا أمير المؤمنين إن هذا الصنيع لم يسبقك أحد من الخلفاء إليه، وهو مما يرغب العامة في الطالبيين وقبول الدعوة إليهم، فوجم المعتضد عند ذلك لذلك تخوفا على الملك، وقدر الله تعالى أن هذا الوزير كان ناصبيا يكفر عليا فكان هذا من هفوات المعتضد.
وفيها نودي في البلاد لا يجتمع العامة على قاص ولا منجم ولا جدلي ولا غير ذلك، وأمرهم أن لا يهتموا لامر النوروز، ثم أطلق لهم النوروز فكانوا يصبون المياه على المارة وتوسعوا في ذلك وغلوا فيه حتى جعلوا يصبون الماء على الجند والشرط وغيرهم، وهذا أيضا من هفواته.
قال ابن الجوزي: وفيها وعد المنجمون الناس أن أكثر الاقاليم ستغرق في زمن الشتاء من كثرة الامطار والسيول وزيادة الانهار، وأجمعوا على هذا الامر فأخذ الناس كهوفا في الجبال خوفا من ذلك، فأكذب الله تعالى المنجمين في قولهم فلم يكن عام أقل مطرا منه، وقلت العيون جدا وقحط الناس في كل بقعة حتى استسقى الناس ببغداد وغيرها من البلاد مرارا كثيرة.
قال: وفيها كان يتبدى في دار الخلافة شخص بيده سيف مسلول في الليل فإذا أرادوا أخذه انهزم فدخل في بعض الاماكن والزروع والاشجار والعطفات التي بدار الخلافة فلا يطلع له على خبر، فقلق من ذلك المعتضد قلقا شديدا وأمر بتجديد سور دار الخلافة والاحتفاظ به، وأمر الحرس من كل جانب بشدة الاحتراس فلم يفد ذلك شيئا، ثم استدعى بالمغرمين ومن يعاني علم السحر وأمر المنجمين فعزموا واجتهدوا فلم يفد ذلك شيئا فأعياهم أمره، فلما كان بعد مدة اطلع على جلية الامر وحقيقة الخبر فوجده خادما حصيا من الخدام كان يتعشق بعض الجواري من حظايا المعتضد التي لا يصل إليها مثله ولا النظر إليها من بعيد، فاتخذ لحا مختلفة الالوان يلبس كل ليلة واحدة، واتخذ لباسا مزعجا فكان يلبس ذلك ويتبدى في الليل في شكل مزعج فيفزع الجواري وينزعجن وكذلك الخدم فيثورون إليه من كل جانب فإذا قصدوه دخل في بعض العطفات ثم يلقي ما عليه أو يجعله في كمه أو في مكان قد أعده لذلك ثم يظهر أنه من جملة الخدم المتطلبين لكشف هذا الامر، ويسأل هذا وهذا ما الخبر ؟ والسيف في يده صفة من يرى أنه قد رهب من هذا الامر، وإذا اجتمع الحظايا تمكن من النظر إلى تلك المعشوقة ولاحظها وأشار إليها بما يريده منها وأشارت إليه، فلم يزل هذا دأبه إلى زمن المقتدر فبعثه في سرية إلى طرسوس فنمت عليه تلك الجارية وانكشف أمره وحاله وأهلكه الله.
وفيها اضطرب الجيش المصري على هارون بن خمارويه فأقاموا له بعض أمراء أبيه يدير الامور ويصلح الاحوال، وهو أبو جعفر بن أبان، فبعث إلى دمشق - وكانت قد منعت البيعة تسعة أشهر بعد
أبيه، واضطربت أحوالها - فبعث إليهم جيشا كثيفا مع بدر الحمامي والحسين (1) بن أحمد الماذرائي
__________
(1) من ابن الاثير 7 / 488 وولاة الكندي 268، وفي الاصل: الحسن وهو تحريف .
فأصلحا أمرها واستعملا على نيابتها طفح بن خف (1) ورجعا إلى الديار المصرية والامور مختلفة جدا.
وفيها توفي من الاعيان: أحمد بن المبارك: أبو عمرو المستملي الزاهد النيسابوري يلقب بحكمويه العابد، سمع قتيبة وأحمد وإسحاق وغيرهم، واستملي على المشايخ ستا وخمسين سنة، وكان فقيرا رث الهيئة زاهدا، دخل يوما على أبي عثمان سعيد بن إسماعيل وهو في مجلس التذكير، فبكى أبو عثمان وقال للناس: إنما أبكاني رثاثة ثياب رجل كبير من أهل العلم أنا أجله عن أن أسميه في هذا المجلس، فجعل الناس يلقون الخواتم والثياب والدراهم حتى اجتمع من ذلك شئ كثير بين يدي الشيخ أبي عثمان، فنهض عند ذلك أبو عمرو المستملي فقال: أيها الناس أنا الذي قصدني الشيخ بكلامه، ولولا أني كرهت أن يتهم بإثم لسترت ما ستره.
فتعجب الشيخ من إخلاصه ثم أخذ أبو عمرو ذلك المجتمع من المال فما خرج من باب المسجد حتى تصدق بجميعه على الفقراء والمحاويج.
كانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة.
إسحاق بن الحسن ابن ميمون بن سعد أبو يعقوب الحربي، سمع عفان وأبا نعيم وغيرهما.
وكان أسن من إبراهيم الحربي بثلاث سنين، ولما توفي إسحاق نودي له بالبلد فقصد الناس داره للصلاة عليه، واعتقد بعض العامة أنه إبراهيم الحربي فجعلوا يقصدون داره فيقول إبراهيم: ليس إلى هذا الموضع قصدكم، وعن قريب تأتونه، فما عمر بعده إلا دون السنة.
إسحاق بن محمد بن يعقوب الزهري عمر تسعين سنة وكان ثقة صالحا.
إسحاق بن موسى بن عمران الفقيه أبو يعقوب الاسفراييني الشافعي (2).
عبد الله بن علي بن الحسن بن إسماعيل أبو العباس الهاشمي، كانت إليه الحسبة ببغداد وإمامة جامع الرصافة.
عبد العزيز بن معاوية العتابي من
ولد عتاب بن أسيد بصري، قدم بغداد وحدث عن أزهر السمان وأبي عاصم النبيل.
يزيد بن الهيثم بن طهمان أبو خالد الدقاق ويعرف بالباد (3).
قال ابن الجوزي: والصواب أن يقال: البادي لانه ولد توأما وكان هو الاول في الميلاد.
روى عن يحيى بن معين وغيره وكان ثقة صالحا.
__________
(1) في ابن الاثير وولاة مصر الكندي: ظغج بن جف.
(2) الحافظ الاوحد، ذكره الحاكم قال: أحد الائمة والرحالين سمع قتيبة وإسحاق وعلي بن حجر وغيرهم وروى عنه أبو عمرو الحيري ومؤمل بن الحسن وأبو عوانة الاسفرائيني (تذكرة الحافظ 1 / 702).
(3) في تذكرة الحفاظ 1 / 644: الناد .
ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائتين فيها وثب صالح بن مدرك الطائي على الحجاج بالاجفر فأخذ أموالهم ونساءهم، يقال: إنه أخذ منهم ما قيمته ألف (1) ألف دينار.
وفي ربيع الاول منها يوم الاحد لعشر بقين منه ارتفعت بنواحي الكوفة ظلمة شديدة جدا ثم سقطت أمطار برعود وبروق لم ير مثلها، وسقط في بعض القرى مع المطر حجارة بيض، وسود، وسقط برد كبار وزن البردة مائة وخمسون درهما، واقتلعت الرياح شيئا كثيرا من النخيل والاشجار مما حول دجلة، وزادت دجلة زيادة كثيرة حتى خيف على بغداد من الغرق.
وفيها غزا راغب الخادم مولى الموفق بلاد الروم ففتح حصونا كثيرة وأسر ذراري كثيرة جدا، وقتل من أسارى الرجال الذين معه ثلاثة آلاف أسير، ثم عاد سالما مؤيدا منصورا.
وحج بالناس فيها محمد بن عبد الله بن داود الهاشمي.
وفيها توفي أحمد بن عيسى بن الشيخ صاحب آمد فقام بأمرها من بعده ولده محمد، فقصده المعتضد ومعه ابنه أبو محمد المكتفي بالله فحاصره بها فخرج إليه سامعا مطيعا فتسلمها منه وخلع عليه وأكرم أهلها، واستخلف عليها ولده المكتفي، ثم سار إلى قنسرين والعواصم فتسلمها عن كتاب هارون بن خمارويه، وإذنه له في ذلك ومصالحته له فيها.
وفيها غزا ابن الاخشيد بأهل طرسوس بلاد الروم ففتح الله عليه يديه حصونا كثيرة ولله الحمد وفيها توفي من الاعيان:
إبراهيم بن إسحاق ابن بشير بن عبد الله بن رستم أبو إسحاق الحربي (2)، أحد الائمة في الفقه والحديث وغير ذلك، وكان زاهدا عابدا تخرج بأحمد بن حنبل، وروى عنه كثيرا.
قال الدار قطني: إبراهيم الحربي إمام مصنف عالم بكل شئ بارع في كل علم، صدوق، كان يقاس بأحمد بن حنبل في زهده وورعه وعلمه، ومن كلامه: أجمع عقلاء كل أمه أن من لم يجر مع القدر لم يتهن بعيشه.
وكان يقول: الرجل كل الرجل الذي يدخل غمه عل نفسه ولا يدخله على عياله، وقد كانت بي شقيقة منذ أربعين (3) سنة ما أخبرت بها أحد قط، ولي عشرون (4) سنة أبصر بفرد عين ما أخبرت بها أحد قط، وذكر أنه مكث
__________
(1) في الطبري 11 / 362 وابن الاثير 7 / 490 ومروج الذهب 4 / 294: ألفي ألف دينار.
قال المسعودي وكانت الناس ترتجز في ذلك اليوم: ما إن رأى الناس كيوم الاجفر * الناس صرعى والقبور تحفر (2) قال الحربي: صحبت قوما من الكرخ في طلب الحديث فسموني الحربي لان عندهم من جاوز قنطرة العتيقة من الحربية (صفة الصفوة 2 / 405).
(3) في صفة الصفوة: خمسا وأربعين سنة.
(4) في صفة الصفوة: عشر سنين .
نفيا وسبعين سنة من عمره ما يسأل أهله غذاء ولا عشاء، بل إن جاءه شئ أكله وإلا طوى إلى الليلة القابلة.
وذكر أنه أنفق في بعض الرماضانات على نفسه وعياله درهما واحدا وأربعة دوانيق ونصف، وما كنا نعرف من هذه الطبائخ شيئا إنما هو باذنجان مشوي أو باقة فجل أو نحو هذا، وقد بعث إليه أمير المؤمنين المعتضد في بعض الاحيان بعشرة آلاف درهم فأبى أن يقبلها وردها، فرجع الرسول وقال يقول لك الخليفة: فرقها على من تعرف من فقراء جيرانك.
فقال: هذا شئ لم نجمعه ولا نسأله عن جمعه، فلا نسأل عن تفريقه، قل لامير المؤمنين إما يتركنا وإما نتحول من بلده.
ولما حضرته الوفاة دخل عليه بعض أصحابه يعوده فقامت ابنته تشكو إليه ما هم في من الجهد وأنه لا طعام لهم إلا الخبز
اليابس بالملح، وربما عدموا الملح في بعض الاحيان.
فقال لها إبراهيم يا بنية تخافين الفقر ؟ انظري إلى تلك الزاوية فيها اثنى عشرة ألف جزء قد كتبتها، ففي كل يوم تبيعي منا جزء بدرهم فمن عنده اثني عشر ألف درهم فليس بفقير.
ثم كانت وفاته لسبع بقين من ذي الحجة وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي عند باب الانبار، وكان الجمع كثرا جدا.
المبرد النحوي محمد بن يزيد بن عبد الاكبر أبو العباس الازدي الثمالي المعروف بالمبرد النحوي البصري إمام في اللغة والعربية، وأخذ ذلك عن المازني وأبي حاتم السجستاني، وكان ثقة ثبتا فيما ينقله وكانا مناوئا لثعلب وله كتاب الكامل في الادب وإنما سمي بالمبرد لانه اختبأ من الوالي عند أبي حاتم تحت المزبلة.
قال المبرد: دخلنا يوما عل المجانين نزورهم أنا وأصحاب معي بالرقة فإذا فيهم شاب قريب العهد بالمكان عليه ثياب ناعمة فلما بصر بنا قال حياكم الله ممن أنتم ؟ قلنا من أهل العراق.
فقال: بأبي العراق وأهلها أنشدوني أو أنشدكم ؟ قال المبرد: بل أنشدنا أنت فأنشأ يقول: الله يعلم أنني كمد * لا أستطيع بث ما أجد روحان لي روح تضمنها * بلد وأخرى حازها بلد وأرى المقيمة ليس ينفعها * صبر ولا يقوى لها جلد وأظن غائبتي كحاضرتي * بمكانها تجد الذي أجد قال المبرد فقلت: والله إن هذا طريف فزدنا منه فأنشأ يقول: لما أناخوا قبيل الصبح عيرهم * وحموها فثارت بالهواى الابل وأبرزت من خلال السجف ناظرها * ترنوا إلى ودمع العين ينهمل وودعت ببنان عقدها عنم * ناديت لا حملت رجلاك يأجمل ويلي من البين ماذا حل بي وبهم * من نازل البين حان البين وارتحلوا يا راحل العيس عجل كي أودعهم * يا راحل العيس في ترحالك الاجل
إني على العهد لم أنقض مودتهم * فليت شعري لطول العهد ما فعلوا فقال رجل من البغضاء الذين معي: ماتوا.
فقال الشاب: إذا أموت، فقال إن شئت.
فتمطى واستند إلى سارية عنده ومات وما برحنا حتى دفناه رحمه الله.
ومات المبرد وقد جاوز السبعين.
ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائتين فيها وقع تسلم آمد من ابن الشيخ في ربيع الآخر ووصل كتاب هارون بن أحمد بن طولون من مصر إلى المعتضد وهو مخيم بآمد أن يسلم إليه قنسرين والعواصم على أن يقره على إمارة الديار المصرية، فأجابه إلى ذلك، ثم ترحل عن آمد قاصدا العراق وأمر بهدم سور آمد فهدم البعض ولم يقدر على ذلك، فقال ابن المعتز يهنئه بفتح آمد: اسلم أمير المؤمنين ودم * في غبطة وليهنك النصر فلرب حادثة نهضت لها * متقدما فتأخر الدهر ليث فرائسه الليوث * فما بيض من دمها له ظفر ولما رجع الخليفة إلى بغداد جاءته هدية عمرو بن الليث من نيسابور فكان وصولها بغداد يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة، وكان مبلغها ما قيمته أربعة آلاف ألف درهم خارجا عن الدواب وسروج وسلاح وغير ذلك.
وفيها تحارب إسماعيل بن أحمد الساماني وعمرو بن الليث، وذلك أن عمرو بن الليث لما قتل رافع بن هرثمة وبعث برأسه إلى الخليفة سأل منه أن يعطيه ما وراء النهر مضافا إلى ما بيده من ولاية خراسان، فأجابه إلى ذلك فانزعج لذلك إسماعيل بن أحمد الساماني نائب ما وراء النهر، وكتب إليه: إنك قد وليت دنيا عريضة فاقتنع بها عن ما في يدي من هذه البلاد.
فلم يقبل فأقبل إليه إسماعيل في جيوش عظيمة جدا فالتقيا عند بلخ فهزم أصحاب عمرو، وأسر عمرو، فلما جئ به إلى إسماعيل بن أحمد قام إليه وقبل بين عينيه وغسل وجهه وخلع عليه وأمنه وكتب إلى الخليفة في أمره، ويذكر أن أهل تلك البلاد قد ملوا وضجروا من ولايته عليهم، فجاء كتاب الخليفة بأن يتسلم حواصله وأمواله فسلبه إياها، فآل به الحال بعد أن كان مطبخه يحمل على ستمائة جمل إلى القيد والسجن.
ومن العجائب أن عمرا كان معه خمسون ألف مقاتل لم يصب أحد منهم ولا
أسر سواه وحده، وهذا جزاء من غلب عليه الطمع، وقاده الحرص حتى أوقعه في ذل الفقر، وهذه سنة الله في كل طامع فيما ليس له، وفي كل طالب للزيادة في الدنيا.
ظهور أبي سعيد الجنابي رأس القرامطة وهم أخبث من الزنج وأشد فسادا كان ظهوره في جمادى الآخرة من هذه السنة بنواحي البصرة (1)، فالتف عليه من الاعراب
__________
(1) في الطبري 11 / 364 وابن الاثير 7 / 493: بالبحرين .
وغيرهم بشر كثير، وقويت شوكته جدا، وقتل من حوله من أهل القرى، ثم صار إلى القطيف قريبا من البصرة، ورام دخولها فكتب الخليفة المعتضد إلى نائبها يأمره بتحصين سورها، فعمره وجددوا معالمه بنحو من أربعة آلاف (1) دينار، فامتنعت من القرامطة بسبب ذلك.
وتغلب أبو سعيد الجنابي ومن معه من القرامطة على هجر ما حولها من البلاد، وأكثروا في الارض الفساد.
وكان أصل أبي سعيد الجنابي هذا أنه كان سمسارا في الطعام يبيعه ويحسب للناس الاثمان، فقدم رجل به، يقال له يحيى بن المهدي في سنة إحدى وثمانين ومائتين فدعا أهل القطيف إلى بيعة المهدي، فاستجاب له رجل يقال له علي بن العلاء (2) بن حمدان الزيادي، وساعده في الدعوة إلى المهدي، وجمع الشيعة الذين كانوا بالقطيف فاستجابوا له، وكان في جملة من استجاب أبو سعيد الجنابي هذا قبحه الله، ثم تغلب على أمرهم وأظهر فيهم القرمطة فاستجابوا له والتفوا عليه، فتأمر عليهم وصار هو المشار إليه فيهم.
وأصله من بلدة هناك يقال لها جنابة، وسيأتي ما يكون من أمره وأمر أصحابه.
قال في المنتظم: ومن عجائب ما وقع من الحوادث في هذه السنة.
ثم روى بسنده أن امرأة تقدمت إلى قاضي الري فادعت على زوجها بصداقها خمسمائة دينار فأنكره فجاءت ببينة تشهد لها به، فقالوا: نريد أن تسفر لنا عن وجهها حتى نعلم أنها الزوجة أم لا، فلما صمموا على ذلك قال الزوج: لا تفعلوا هي صادقة فيما تدعيه، فأقر بما ادعت ليصون زوجته عن النظر إلى وجهها.
فقالت المرأة حين عرفت ذلك منه وأنه إنما أقر ليصون وجهها عن النظر: هو في حل من صداقي عليه في الدنيا والآخرة.
وممن توفي فيها من الاعيان المشاهير أحمد بن عيسى (3) أبو سعيد الخراز فيما ذكره شيخنا الذهبي.
وقد أرخه ابن الجوزي في سنة سبع وسبعين ومائتين فالله أعلم.
إسحاق بن محمد بن أحمد بن أبان أبو يعقوب النخعي الاحمر، وإليه تنسب الطائفة الاسحاقية من الشيعة.
وقد ذكر ابن النوبختي والخطيب وابن الجوزي أن هذا الرجل كان يعتقد إلهية علي بن أبي طالب، وأنه انتقل إلى الحسن ثم الحسين، وأنه كان يظهر في كل وقت، وقد اتبعه على هذا الكفر خلق من الحمر قبحهم الله وقبحه.
وإنما قيل له الاحمر لانه كان أبرص، وكان يطلي برصه بما يغير لونه، وقد أرود له النوبختي أقوالا عظيمة في الكفر.
لعنه الله.
وقد روى شيئا من الحكايات والملح عن المازني وطبقته، ومثل هذا أقل وأذل من أن يروى عنه أو يذكر إلا بذمه.
__________
(1) الطبري وابن الاثير: أربعة عشر ألف دينار (انظر مروج الذهب 4 / 298).
(2) في ابن الاثير: المعلى.
(3) شيخ الصوفية.
قال السلمي في التاريخ: أبو سعيد إمام القوم في كل فن من علومهم بغدادي الاصل.
وهو أول من تكلم في علم الفناء والبقاء .
بقي بن مخلد بن يزيد أبو عبد الرحمن الاندلسي الحافظ حد علماء الغرب، له التفسير والمسند والسنن والآثار التي فضلها ابن حزم على تفسير ابن جرير ومسند أحمد ومصنف ابن أبي شيبة، وفيها زعم ابن حزم نظر.
وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه فأثنى عليه خيرا، ووصفه بالحفظ والاتقان، وأنه كان مجاب الدعوة رحمه الله.
وأرخ وفاته بهذه السنة عن خمس وسبعين سنة.
الحسن بن بشار أبو علي الخياط روى عن أبي بلال الاشعري، وعنه أبو بكر الشافعي وكان ثقة، رأى في منامه - وقد كانت به علة - قائلا يقول له: كل لا، وادهن بلا.
ففسره بقوله تعالى (زيتونة لا شرقية ولا غريبة) [ النور: 35 ] فأكل زيتونا وشرب زيتا فبرأ من علته تلك.
محمد بن إبراهيم أبو جعفر الانماطي المعروف بمربع تلميذ يحيى بن معين، كان ثقة حافظا عبد الرحيم الرقي (1).
ومحمد بن
وضاح (2) المصنف.
وعلي بن عبد العزيز البغوي صاحب المسند.
محمد بن يونس ابن موسى بن سليمان بن عبيد بن ربيعة بن كديم أبو العباس القرشي البصري الكديمي، وهو ابن امرأة نوح بن عبادة، ولد سنة ثلاث وثمانين ومائة، وسمع عبد الله بن داود الخريبي ومحمد بن عبد الله الانصاري، وأبا داود الطيالسي، والاصمعي وخلقا.
وعنه ابن السماك والنجاد.
وآخر من حدث عنه أبو بكر بن مالك القطيفي، وقد كان حافظا مكثرا مغربا، وقد تكلم فيه الناس لاجل غرائبه في الروايات.
وقد ذكرنا ترجمته في التكميل.
وتوفي يوم الجمعة قبل الصلاة للنصف من جمادى الآخرة منها، وقد جاوز المائة، وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي.
يعقوب بن إسحاق بن نخبة أبو يوسف الواسطي، سمع من يزيد بن هارون وقدم بغداد وحدث بها أربعة أحاديث، ووعد الناس أن يحدثهم من الغد فمات من ليلته عن مائة واثني عشر سنة.
الوليد أبو عبادة البحتري فيما ذكر الذهبي، وقد تقدم ذكره في سنة ثلاث وثمانين كما ذكره ابن الجوزي فالله أعلم.
ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائتين في ربيع الاول منها تفاقم أمر القرامطة صحبة أبي سعيد الجنابي فقتلوا وسبوا وأفسدوا في بلاد
__________
(1) وهو عبد الرحيم بن عبد الله بن عبد الرحيم بن البرقي مولى الزهريين روى السيرة عن ابن هشام وكان ثقة (شذرات 2 / 193) (2) أبو عبد الله الاندلسي الامام محدث قرطبة.
كان قانتا لله بصيرا بعلل الحديث، وكان فقيرا زاهدا.
رحل إلى.
المشرق مرتين .
هجر، فجهز الخليفة إليهم جيشا كثيفا وأمر عليهم العباس بن عمرو الغنوي، وأمر على اليمامة والبحرين ليحارب أبا سعيد هذا، فالتقوا هنالك وكان العباس في عشرة آلاف مقاتل، فأسرهم أبو سعيد كلهم (1) ولم ينج منهم إلا الامير وحده، وقتل الباقون عن آخرهم صبرا بين يديه قبحه الله.
وهذا عجيب جدا، وهو عكس واقعة عمرو بن الليث فإنه أسر من بين أصحابه وحده ونجوا كلهم وكانوا خمسين ألفا.
ويقال إن العباس لما قتل أبو سعيد أصحابه صبرا بين يديه وهو ينظر، وكان في جملة من أسر أقام عند أبي سعيد أياما ثم أطلقه وحمله على رواحل وقال: ارجع إلى صاحبك وأخبره بما رأيت.
وقد كانت هذه الواقعة في أواخر شعبان منها (2)، فلما وقع هذا الامر الفظيع انزعج الناس لذلك انزعاجا عظيما جدا، وهم أهل البصرة بالخروج منها فمنعهم من ذلك نائبها أحمد الواثقي.
وفيها أغارت الروم على بلاد طرسوس وكان نائبها ابن الاخشيد قد توفي في العام الماضي واستخلف على الثغر أبا نابت، فطمعت الروم في تلك الناحية وحشدوا عساكرهم، فالتقى بهم أبو ثابت فلم يقدر على مقاومتهم، فقتلوا من أصحابه جماعة وأسروه فيمن أسروا، فاجتمع أهل الثغر على ابن الاعرابي فولوه أمرهم.
وذلك في ربيع الآخر.
وفيها قتل: محمد بن زيد العلوي أمير طبرستان والديلم.
وكان سبب ذلك أن إسماعيل الساماني لما ظفر بعمرو بن الليث ظن محمد أن إسماعيل لا يجاوز عمله، وأن خراسان قد خلت له، فارتحل من بلده يريد خراسان، وسبقه إسماعيل إليها، وكتب إليه أن الزم عملك ولا تتجاوزه إلى غيره فلم يقبل، فبعث إليه جيشا مع محمد بن هارون الذي كان ينوب عن رافع بن هرثمة، فلما التقيا هرب منه محمد بن هارون خديعة، فسار الجيش وراءه في الطلب فكر عليهم راجعا فانهزموا منه فأخذ ما في معسكرهم وجرح محمد بن زيد جراحات شديدة فمات بسببها بعد أيام، وأسره ولده زيد فبعث به إلى إسماعيل بن أحمد فأكرمه وأمر له بجائزة.
وقد كان محمد بن زيد هذا فاضلا دينا حسن السيرة فيما وليه من تلك البلاد، وكان فيه تشيع.
تقدم إليه يوما خصمان اسم أحدهما معاوية واسم الآخر علي، فقال محمد بن زيد إن الحكم بينكما ظاهر، فقال معاوية: أيها الامير لا تغترن بنا، فإن أبي كان من كبار الشيعة، وإنما سماني معاوية مداراة لمن ببلدنا من أهل السنة.
وهذا كان أبوه من كبار النواصب فسماه عليا تقاة لكم، فتبسم محمد بن زيد وأحسن إليهما.
__________
(1) في الطبري 11 / 368 ومروج الذهب 4 / 299: أسر وقتل من أصحابه نحو سبعمائة صبرا.
وفي ابن
الاثير 7 / 499: قتل الاسراى جميعا وحرقهم.
(2) قال الطبري: كنت الوقعة في آخر رجب وورد خبرها إلى بغداد لاربع خلون من شعبان.
وفي مروج الذهب: كانت في رجب .
قال ابن الاثير في كامله: وممن توفي فيها إسحاق بن (1) يعقوب بن عمر بن الخطاب العدوي - عدي ربيعة.
وكان أميرا على ديار ربيعة بالجزيرة، فولى مكانه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعتمر.
وعلي بن عبد العزيز البغوي صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام.
ومهدي بن أحمد بن مهدي (2) الازدي الموصلي - وكان من الاعيان - وذكر هو وأبو الفرج بن الجوزي أن قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون امرأة المعتضد توفيت في هذه السنة.
قال ابن الجوزي: لسبع خلون من رجب منها، ودفنت داخل القصر بالرصافة (3).
يعقوب بن يوسف بن أيوب أبو بكر المطوعي، سمع أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، وعنه النجاد والخلدي، وكان ورده في كل يوم قراءة قل هو الله أحد إحدى وثلاثين ألف مرة، أو إحدى وأربعين ألف مرة.
قلت: ومن توفي فيها أبو بكر بن أبي عاصم صاحب السنة والمصنفات وهو: أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك ابن النبيل، له مصنفات في الحديث كثيرة، منها كتاب السنة في أحاديث الصفات على طريق السلف، وكان حافظا، وقد ولي قضاء أصبهان بعد صالح بن أحمد، وقد طاف البلاد قبل ذلك في طلب الحديث، وصحب أبا تراب النخشبي وغيره من مشايخ الصوفية وقد اتفق له مرة كرامة هائلة: كان هو واثنان من كبار الصالحين في سفر فنزلوا على رمل أبيض، فجعل أبو بكر هذا يقبله بيده ويقول: اللهم ارزقنا خبيصا يكون غداء على لون هذا الرمل.
فلم يكن بأسرع من أن أقبل أعرابي وبيده قصعة فيها خبيص بلون ذلك الرمل وفي بياضه، فأكلوا منه.
وكان يقول: لا أحب أن يحضر مجلسي مبتدع ولا مدع ولا طعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذئ، ولا منحرف عن الشافعي وأصحاب الحديث.
توفي في هذه السنة بأصبهان.
وقد رآه بعضهم بعد وفاته وهو يصلي فلما انصرف قال: ما
فعل بك ؟ فقال: يؤنسني ربي عز وجل.
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين اتفق في هذه السنة آفات ومصائب عديدة منها أن الروم قصدوا بلاد الرقة في جحافل عظيمة وعساكر من البحر والبر، فقتلوا خلقا وأسروا نحوا من خمسة عشر ألف من الذرية.
ومنها أن بلاد أذربيجان أصاب أهلها وباء شديد حتى لم يبق أحد يقدر على دفن الموتى، فتركوا في الطرق لا يوارون.
__________
(1) في ابن الاثير 7 / 508: ابن أيوب بن أحمد بن عمر..وفي مروج الذهب 4 / 299: إسحاق بن أيوب العبيدي وكان على حرب ديار ربيعة.
(2) في ابن الاثير: فهد.
(3) انظر الطبري 11 / 367 .
ومنها أن بلاد أردبيل أصابها ريح شديدة من بعد العصر إلى ثلث الليل ثم زلزلوا زلزالا شديدا، واستمر ذلك عليهم أياما فتهدمت الدور والمساكن، وخسف بآخرين منهم، وكان جملة من مات تحت الهدم مائة ألف وخمسين ألفا، فإنا لله وإنا إليه راجعون (1).
وفيها اقترب القرامطة من البصرة فخاف أهلها منهم خوفا شديدا، وهموا بالرحيل منها فمنعهم نائبها.
وفيها توفي من الاعيان: بشر بن موسى بن صالح أبو علي الاسدي ولد سنة تسعين ومائة، وسمع من روح بن عبادة حديثا واحدا (2)، وسمع الكثير من هودة بن خليفة والحسن بن موسى الاشيب وأبي نعيم وعلي بن الجعد والاصمعي وغيرهم، وعنه ابن المنادي وابن مخلد وابن صاعد والنجاد وأبو عمرو الزاهد والخلدي والسلمي وأبو بكر الشافعي وابن الصواف وغيرهم.
وكان ثقة أمينا حافظا، وكان من البيوتات وكان الامام أحمد يكرمه.
ومن شعره: ضعفت ومن جاز الثمانين يضعف * وينكر منه كل ما كان يعرف ويمشي رويدا كالاسير مقيدا * يداني خطاه في الحديد ويرسف ثابت بن قرة بن هارون - ويقال ابن زهرون - بن ثابت بن كدام بن إبراهيم الصائبي الفيلسوف
الحراني صاحب التصانيف، من جملتها أنه حرر كتاب إقليدس الذي عربه حنين بن إسحاق العبادي.
وكان أصله صوفيا فترك ذلك واشتغل بعلم الاوائل، فنال منه رتبة سامية عند أهله، ثم صار إلى بغداد فعظم شأنه بها، وكان يدخل مع المنجمين على الخليفة وهو باق على دين الصابئة، وحفيده ثابت بن سنان له تاريخ أجاد فيه وأحسن، وكان بليغا ماهرا حاذقا بالغا.
وعمه إبراهيم بن ثابت بن قرة كان طبيبا عارفا أيضا.
وقد سردهم كلهم في هذه الترجمة القاضي ابن خلكان.
الحسن بن عمرو بن الجهم أبو الحسن الشيعي - من شيعة المنصور لا من الروافض - حدث عن علي بن المديني، وحكى عن بشر الحافي.
وعنه أبو عمرو بن السماك.
عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المعتضد، كان حظيا عنده، وقد عز عليه موته وتألم لفقده وأهمه من يجعله في مكانه بعده، فعقد لولده القاسم بن عبيد الله على الوزارة من بعد أبيه جبرا لمصابه به (3).
وأبو القامس عثمان بن
__________
(1) تقدم الخبر ووقوعه في دبيل (كما في الطبري وابن الاثير) سنة 280.
راجع حاشية 1 ص 79 وحوادث سنة 280.
ولعل تكرار الخبر هنا سهو من الناسخ.
(3) وهو: قال قال: نا روح نا حبيب بن الشهيد عن الحسن قال: ثمن الجنة لا إله إلا الله (تذكرة الحفاظ 1 / 611).
(3) قال الفخري ص 256: فلما مات عبيد الله عزم المعتضد على أن يستأصل شأفة أولاده ويستصفي أموالهم، فحضر القاسم بن عبيد الله واستعان ببدر المعتضدي - وهو غلام المعتضد - وكتب خطا بألفي ألف دينار فاستوزره المعتضد .
سعيد بن بشار المعروف بالانماطي أحد كبار الشافعية.
وقد ذكرناه في طبقاتهم.
وهارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى أبو موسى الهاشمي إمام الناس في الحج عدة سنين متوالية، وقد سمع وحدث وتوفي بمصر في رمضان من هذه السنة.
ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائتين فيها عاثت القرامطة بسواد الكوفة فظفر بعض (1) العمال بطائفة منهم فبعث برئيسهم إلى
المعتضد وهو أبو الفوارس، فنال من العباس بين يدي الخليفة فأمر فقلعت أضراسه وخلعت يداه ثم قطعتا مع رجليه، ثم قتل وصلب ببغداد.
وفيها قصدت القرامطة دمشق في جحفل عظيم فقاتلهم نائبها طغج بن جف من جهة هارون بن خمارويه، فهزموه مرات متعددة، وتفاقم الحال بهم، وكان ذلك بسفارة يحيى بن زكرويه بن بهرويه الذي ادعى عند القرامطة أنه محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقد كذب في ذلك، وزعم لهم أنه قد اتبعه على أمره مائة ألف، وأن ناقته مأمورة حيث ما توجهت به نصر على أهل تلك الجهة.
فراج ذلك عندهم ولقبوه الشيخ، واتبعه طائفة من بني الاصبغ، وسموا بالفاطميين.
وقد بعث إليهم الخليفة جيشا كثيفا فهزموه، ثم اجتازوا بالرصافة فأحرقوا جامعها، ولم يجتازوا بقرية إلا نهبوها ولم يزل ذلك دأبهم حتى وصلوا إلى دمشق فقاتلهم نائبها فهزموه مرات وقتلوا من أهلها خلقا كثيرا، وانتهبوا من أموالها شيئا كثيرا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي هذه الحالة الشديدة اتفق موت الخليفة المعتضد بالله في ربيع الاول منها.
الخليفة المعتضد هو أحمد بن الامير أبي أحمد بن الموفق الملقب بناصر دين الله، واسم أبي أحمد محمد، وقيل طلحة بن جعفر المتوكل على الله بن المعتصم بن هارون الرشيد، أبو العباس المعتضد بالله، ولد في سنة ثنتين وقيل ثلاث وأربعين ومائتين، وأمه أم ولد.
وكان أسمر نحيف الجسم معتدل القامة، قد وخطه الشيب، في مقدم لحيته طول، وفي رأسه شامة بيضاء.
بويع له بالخلافة صبيحة يوم الاثنين إحدى عشرة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومائيتن، واستوزر عبيد الله بن وهب بن سليمان، وولى القضاء إسماعيل بن إسحاق، ويوسف بن يعقوب، وابن أبي الشوارب.
وكان أمر الخلافة قد ضعف في أيام عمه المعتمد، فلما ولي المعتضد أقام شعارها ورفع منارها.
وكان شجاعا فاضلا من رجالات قريش حزما وجرأة وإقداما وحزمة.
وكذلك كان أبوه، وقد أورد ابن الجوزي بإسناده أن المعتضد اجتاز في بعض أسفاره بقرية فيها مقثاة فوقف صاحبها صائحا مستصرخا بالخليفة فاستدعى به فسأله
__________
(1) وهو شبل غلام أحمد بن محمد الطائي (الطبري - ابن الاثير) .
عن أمره فقال: إن بعض الجيش أخذوا لي شيئا من القثاء وهم من غلمانك.
فقال: أتعرفهم ؟ فقال: نعم.
فعرضهم عليه فعرف منهم ثلاثة فأمر الخليفة بتقييدهم وحبسهم، فلما كان الصباح نظر الناس ثلاثة أنفس مصلوبين على جادة الطريق، فاستعظم الناس ذلك واستنكروه وعابوا ذلك على الخليفة وقالوا: قتل ثلاثة بسبب قثاء أخذوه ؟ فلما كان بعد قليل أمر الخواص - وهو مسامره - أن ينكر عليه ذلك ويتلطف في مخاطبته في ذلك والامراء حضور، فدخل عليه ليلة وقد عزم على ذلك ففهم الخليفة ما في نفسه من كلام يريد أن يبديه، فقال له: إني أعرف أن في نفسك كلاما فما هو ؟ فقال: يا أمير المؤمنين وأنا آمن ؟ قال: نعم.
قلت له: فإن الناس ينكرون عليك تسرعك في سفك الدماء.
فقال: والله ما سفكت دما حراما منذ وليت الخلافة إلا بحقه.
فقلت له: فعلام قتلت أحمد بن الطيب وقد كان خادمك ولم يظهر له خيانة ؟ فقال: ويحك إنه دعاني إلى الالحاد والكفر بالله فيما بيني وبينه، فلما دعاني إلى ذلك قلت له: يا هذا أنا ابن عم صاحب الشريعة، وأنا منتصب في منصبه فأكفر حتى أكون من غير قبيلته.
فقتلته على الكفر والزندقة.
فقلت له: فما بال الثلاثة الذين قتلتهم على القثاء ؟ فقال: والله ما كان هؤلاء الذين أخذوا القثاء، وإنما كانوا لصوصا قد قتلوا وأخذوا المال فوجب قتلهم، فبعثت فجئت بهم من السجن فقتلتهم وأريت الناس أنهم الذين أخذوا القثاء، وأردت بذلك أن أرهب الجيش لئلا يفسدوا في الارض ويتعدوا على الناس ويكفوا عن الاذى.
ثم أمر بإخراج أولئك الذين أخذوا القثاء فأطلقهم بعد ما استتابهم وخلع عليهم وردهم إلى أرزاقهم.
قال أبن الجوزي: خرج المعتضد يوما فعسكر بباب الشماسية ونهى أن يأخذ أحد من بستان أحد شيئا، فأتي بأسود قد أخذ عذقا من بسر فتأمله طويلا ثم أمر بضرب عنقه، ثم التفت إلى الامراء فقال: العامة ينكرون هذا ويقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا قطع في ثمر ولا كثر " (1).
ولم يكفه أن يقطع يده حتى قتله، وإني لم أقتل هذا على سرقته، وإنما هذا الاسود رجل من الزنج كان قد استأمن في حياة أبي، وإنه تقاول هو ورجل من المسلمين فضرب المسلم فقطع يده فمات المسلم، فأهدر أبي دم الرجل المقتول تأليفا للزنج، فآليت على نفسي لئن أنا قدرت عليه لاقتلنه، فما قدرت عليه إلا هذه الساعة فقتلته بذلك
الرجل.
وقال أبو بكر الخطيب: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن نعيم الضبي، سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول: سمعت أبا العباس بن سريج يقول: سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول: دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه، فنظرت إليهم فرآني المعتضد وأنا أتأملهم، فلما أردت القيام أشار إلي فجلست ساعة فلما خلا قال لي أيها القاضي والله ما حللت سراويلي على حرام قط.
وروى البيهقي: عن الحاكم، عن حسان بن
__________
(1) أخرجه أبو داود في الحدود (13) والترمذي في الحدود باب (19) وابن ماجه في الحدود باب (27) والدارمي في الحدود باب (7) ومالك في الموطأ في الحدود (32) وأحمد في المسند 3 / 463، 4 / 140 - 142 .
محمد، عن ابن سريج القاضي إسماعيل بن إسحاق قال: دخلت يوما على المعتضد فدفع إلى كتابا فقرأته فإذا فيه الرخص من زلل العلماء قد جمعها بعض الناس - فقلت: يا أمير المؤمنين إنما جمع هذا زنديق.
فقال: كيف ؟ فقلت: إن من أباح المتعة لم يبح الغناء، ومن أباح الغناء لم يبح إضافته إلى آلات اللهو، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه.
فأمر بتحريق ذلك الكتاب.
وروى الخطيب بسنده عن صافي الجرمي الخادم قال: انتهى المعتضد وأنا بين يديه إلى منزل شعث وابنه المقتدر جعفر جالس فيه وحوله نحو من عشرة من الوصائف، والصبيان من أصحابه في سنه عنده، وبين يديه طبق من فضة فيه عنقود عنب، وكان العنب إذ ذاك عزيزا، وهو يأكل عنبة واحدة ثم يفرق على أصحابه من الصبيان كل واحد عنبة، فتركه المعتضد وجلس ناحية في بيت مهموما.
فقلت له: مالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال.
ويحك والله لولا النار والعار لاقتلن هذا الغلام.
فإن في قتله صلاحا للامة.
فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من ذلك.
فقال: ويحك يا صافي هذا الغلام في غاية السخاء لما أراه يفعل مع الصبيان، فإن طباع الصبيان تأبى الكرم، وهذا في غاية الكرم، وإن الناس من بعدي لا يولون علهيم إلا من هو من ولدي، فسيلي عليهم المكتفي ثم لاتطول أيامه لعلته التي به - وهي داء الخنازير - ثم يموت فيلي الناس جعفر هذا الغلام، فيذهب جميع أموال بيت المال إلى الحظايا لشغفه
بهن، وقرب عهده من تشببه بهن، فتضيع أمور المسلمين وتعطل الثغور وتكثر الفتن والهرج والخوارج والشرور.
قال صافي: والله لقد شاهدت ما قاله سواء بسواء.
وروى ابن الجوزي عن بعض خدم المعتضد قال: كان المعتضد يوما نائما وقت القائلة ونحن حول سريره فاستيقظ مذعورا ثم صرخ بنا فجئنا إليه فقال: ويحكم اذهبوا إلى دجلة فأول سفينة تجدوها فارغة منحدرة فأتوني بملاحها واحتفظوا بالسفينة.
فذهبنا سراعا فوجدنا ملاحا في سميرية فارغة منحدرا فأتينا به الخليفة لما رأى الملاح الخليفة كاد أن يتلف، فصاح به الخليفة صيحة عظيمة فكادت روح الملاح تخرج فقال له الخليفة: ويحك يا ملعون، أصدقني عن قصتك مع المرأة التي قتلتها اليوم وإلا ضربت عنقك قال فتلعثم ثم قال: نعم يا أمير المؤمنين كنت اليوم سحرا في مشرعتي الفلانية، فنزلت امرأة لم أر مثلها وعليها ثياب فاخرة وحلى كثير وجوهر، فطمعت فيها واحتلت عليها فشددت فاها وغرقتها وأخذت جميع ما كان عليها من الحلى والقماش، وخشيت أن أرجع به إلى منزلي فيشتهر خبرها، فأردت الذهب به إلى واسط فلقيني هؤلاء الخدم فأخذوني.
فقال: وأين حليها ؟ فقال: في صدر السفينة حتى البواري.
فأمر الخليفة عند ذلك بإحضار الحلى فجئ به فإذا هو حلى كثير يساوي أموالا كثيرة، فأمر الخليفة بتغريق الملاح في المكان الذي غرق فيه المرأة، وأمر أن ينادى على أهل المرأة ليحضروا حتى يتسلموا مال المرأة: فنادى بذلك ثلاثة أيام في اسواق بغداد وأزقتها فحضروا بعد ثلاثة ايام فدفع إليهم ما كان من الحلى وغيره مما كان للمرأة، ولم يذهب منه شئ.
فقال له خدمه: يا أمير المؤمنين من أين علمت هذا ؟ قال: رأيت في نومي تلك الساعة شيخا أبيض الرأس واللحية والثياب وهو ينادي: يا أحمد يا أحمد، خذ أول ملاح ينحدر الساعة فاقبض عليه وقرره عن
خبر المرأة التي قلتها اليوم وسلبها، فأقم عليه الحد.
وكان ما شاهدتم.
وقال جعيف السمرقندي الحاجب: كنت مع مولاي المعتضد في بعض متصيداته وقد انقطع عن العسكر وليس معه غيري، إذا خرج علينا أسد فقصد قصدنا فقال لي المعتضد: يا جعيف أفيك خير اليوم ؟ قلت: لا والله.
قال: ولا أن تمسك فرسي وأنزل أنا ؟ فقلت: بلى.
قال: فنزل عن فرسه
وغرز أطراف ثيابه في منطقته واستل سيفه ورمى بقرابه إلي ثم تقدم إلى الاسد فوثب الاسد عليه فضربه بالسيف فأطار يده فاشتغل الاسد بيده فضربه ثانية على هامته ففلقها، فخر الاسد صريعا فدنا منه فمسح سيفه في صوفه ثم أقبل إلي فأغمد سيفه في قرابه، ثم ركب فرسه فذهبنا إلى العسكر.
قال وصحبته إلى أن مات فما سمعته ذكر ذلك لاحد، فما أدري من أي شئ أعجب ؟ من شجاعته أم من عدم احتفاله بذلك حيث لم يذكره لاحد ؟ أم من عدم عتبه علي حيث ضننت بنفسي عنه، والله ما عاتبني في ذلك قط.
وروى ابن عساكر عن أبي الحسين النوري أنه اجتاز بزورق فيه خمر مع ملاح، فقال: ما هذا ؟ ولمن هذا ؟ فقال له: هذا خمر للمعتضد.
فصعد أبو الحسين إليها فجعل يضرب الدنان بعمود في يده حتى كسرها كلها إلا دنا واحدا تركه، واستغاث الملاح فجاءت الشرطة فأخذوا أبا الحسين فأوقفوه بين يدي المعتضد فقال له: ما أنت ؟ فقال أنا المحتسب.
فقال: ومن ولاك الحسبة ؟ فقال: الذي ولاك الخلافة يا أمير المؤمنين.
فأطرق رأسه ثم رفعها فقال: ما الذي حملك على ما فعلت ؟ فقال: شفقة عليك لدفع الضرر عنك.
فأطرق رأسه ثم رفعه فقال: ولاي شئ تركت منها دنا واحدا لم تكسره ؟ فقال: لاني إنما أقدمت عليها فكسرتها إجلالا لله تعالى، فلم أبال أحد حتى انتهيت إلى هذا الدن دخل نفسي إعجاب من قبيل أني قد أقدمت على مثلك فتركته، فقال له المعتضد: اذهب فقد أطلقت يدك فغير ما أحببت أن تغيره من المنكر.
فقال له النوري: الآن انتقض عزمي عن التغيير، فقال: ولم ؟ فقال: لاني كنت أغير عن الله، وأنا الآن اغير عن شرطي.
فقال: سل حاجتك.
فقال: أحب أن تخرجني من بين يديك سالما: فأمر به فأخرج فصار إلى البصرة، فأقام بها مختفيا خشية أن يشق عليه أحد في حاجة عند المعتضد.
فلما توفي المعتضد رجع إلى بغداد.
وذكر القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي عن الشيخ من التجار قال: كان لي على بعض الامراء مال كثير فماطلني ومنعني حقي، وجعل كلما جئت أطالبه حجبني عنه ويأمر غلمانه يؤذونني، فاشتكيت عليه إلى الوزير فلم يفد ذلك شيئا، وإلى أولياء الامر من الدولة فلم يقطعوا منه شيئا، وما زاده ذلك إلا منعا وجحودا، فأيست من المال الذي عليه ودخلني هم من جهته، فبينما أنا
كذلك وأنا حائر إلى من أشتكي، إذ قال لي رجل: ألا تأتي فلانا الخياط - إمام مسجد هناك - فقلت وما عسى أن يصنع خياط مع هذا الظالم.
وأعيان الدولة لم يقطعوا فيه ؟ فقال لي: هو أقطع وأخوف عنده من جميع من اشتكيت إليه، فاذهب إليه لعلك أن تجد عنده فرجا.
قال فقصدته غير محتفل في أمره،
فذكرت له حاجتي ومالي وما لقيت من هذا الظالم، فقام معي فحين عاينه الامير قام إليه وأكرمه واحترمه وبادر إلى قضاء حقي الذي عليه فأعطانيه كاملا من غير أن يكون منه إلى الامير كبير أمر، غير أنه قال له: ادفع إلى هذا الرجل حقه وإلا أذنت.
فتغير لون الامير ودفع إلي حقي.
قال التاجر: فعجبت من ذلك الخياط مع رثاثة حاله وضعف بنيته كيف انطاع ذلك الامير له، ثم إني عرضت عليه شيئا من المال فلم يقبل مني شيئا، وقال: لو أردت هذا لكان لي من الاموال مالا يحصى.
فسألته عن خبره وذكرت له تعجبي منه وألححت عليه فقال: إن سبب ذلك أنه كان عندنا في جوارنا أمير تركي من أعالي الدولة، وهو شاب حسن، فمر به ذات يوم امرأة حسناء قد خرجت من الحمام وعليها ثياب مرتفعة ذات قيمة، فقام إليها وهو سكران فتعلق بها يريدها على نفسها ليدخلها منزله، وهي تأبى عليه وتصيح بأعلى صوتها: يا مسلمين أنا امرأة ذات زوج، وهذا رجل يريدني على نفسي ويدخلني منزله، وقد حلف زوجي بالطلاق أن لا أبيت في غير منزله، ومتى بت هاهنا طلقت منه ولحقني بسبب ذلك عار لا تدحضه الايام ولا تغسله المدامع.
قال الخياط: فقمت إليه فأنكرت عليه وأردت خلاص المرأة من يديه فضربني بدبوس في يده فشج رأسي، وغلب المرأة على نفسها وأدخلها منزله قهرا، فرجعت أنا فغسلت الدم عني وعصبت رأسي وصليت بالناس العشاء ثم قلت للجماعة: إن هذا قد فعل ما قد علمتم فقوموا معي إليه لننكر عليه ونخلص المرأة منه، فقام الناس معي فهجمنا عليه داره فثار إلينا في جماعة من غلمانه بأيديهم العصي والدبابيس يضربون الناس، وقصدني هو من بينهم فضربني ضربا شديدا مبرحا حتى أدماني، وأخرجنا من منزله ونحن في غاية الاهانة، فرجعت إلى منزلي وأنا لا أهتدي إلى الطريق من شدة الوجع وكثرة الدماء، فنمت على فراشي فلم يأخذني نوم، وتحيرت ماذا أصنع حتى أنقذ المرأة من يده في الليل لترجع فتبيت في منزلها
حتى لا يقع على زوجها الطلاق، فألهمت أن أؤذن الصبح في أثناء الليل لكي يظن أن الصبح قد طلع فيخرجها منزله فتذهب إلى منزل زوجها، فصعدت المنارة وجعلت أنظر إلى باب داره وأنا أتكلم على عادتي قبل الاذان هل أرى المرأة قد خرجت ثم أذنت فلم تخرج، ثم صممت على أنه إن لم تخرج أقمت الصلاة حتى يتحقق الصباح، فبينا أنا أنظر هل تخرج المرأة أم لا، إذ امتلات الطريق فرسانا ورجالة وهم يقولون: أين الذي أذن هذه الساعة ؟ فقلت: ها أنا ذا، وأنا أريد أن يعينوني عليه، فقالوا: انزل، فنزلت فقالوا: أجب أمير المؤمنين، فأخذوني وذهبوا بي لا أملك من نفسي شيئا، حتى أدخلوني عليه، فلما رأيته جالسا في مقام الخلافة ارتعدت من الخوف وفزعت فرزعا شديدا، فقال: أدن، فدنوت فقال لي: ليسكن ورعك وليهدأ قلبك.
وما زال يلاطفني حتى أطمأننت وذهب خوفي، فقال: أنت الذي أذنت هذه الساعة ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين.
فقال: ما حملك على أن أذنت هذه الساعة، وقد بقي من الليل أكثر مما مضى منه ؟ فتغر بذلك الصائم والمسافر والمصلي وغيرهم.
فقلت: يؤمنني أمير المؤمنين حتى أقص عليه خبري ؟ فقال.
أنت آمن.
فذكرت له القصة.
قال: فغضب غضبا شديدا، وأمر بإحضار ذلك الامير والمرأة من شاعته على أي حالة كانا فأحضر سريعا فبعث
بالمرأة إلى زوجها مع نسوة من جهته ثقات ومعهن ثقة من جهته أيضا، وأمره أن يأمر زوجها بالعفو والصفح عنها والاحسان إليها، فإنها مكرهة ومعذورة.
ثم أقبل على ذلك الشاب الامير فقال له: كم لك من الرزق ؟ وكم عندك من المال ؟ وكم عندك من الجوار والزوجات ؟ فذكر له شيئا كثيرا.
فقال له: ويحك أما كفاك ما أنعم الله به عليك حتى انتهكت حرمة الله وتعديت حدوده وتجرأت على السلطان، وما كفاك ذلك أيضا حتى عمدت إلى رجل أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر فضربته وأهنته وأدميته ؟ فلم يكن له جواب.
فأمر به فجعل في رجله قيد وفي عنقه غل ثم أمر به فأدخل في جوالق ثم أمر به فضرب بالدبابيس ضربا شديدا حتى خفت، ثم أمر به فالقى في دجلة فكان ذلك آخر العهد به.
ثم أمر بدرا صاحب الشرطة أن يحتاط على ما في داره من الحواصل والاموال التي كانت يتناولها من بيت المال، ثم قال لذلك الرجل الصالح الخياط: كلما رأيت منكرا صغيرا كان أو كبيرا ولو على
هذا - وأشار إلى صاحب الشرطة - فأعلمني، فإن اتفق اجتماعك بي وإلا فعلى ما بيني وبينك الاذان، فأذن في أي وقت كان أو في مثل وقتك هذا.
قال: فلهذا لا آمر أحدا من هؤلاء الدولة بشئ إلا امتثلوه، ولا أنهاهم عن شئ إلا تركوه خوفا من المعتضد.
وما احتجت أن أؤذن في مثل تلك الساعة إلى الآن.
وذكر الوزير عبيد الله بن سليمان بن وهب قال: كنت يوما عند المعتضد وخادم واقف على رأسه يذب عنه بمذبة في يده إذ حركها فجاءت في قلنسوة الخليفة فسقطت عن رأسه، فأعظمت أنا ذلك جدا وخفت من هول ما وقع، ولم يكترث الخليفة لذلك، بل أخذ قلنسوته فوضعها على رأسه ثم قال لبعض الخدم: مر هذا البائس ليذهب لراحته فإنه قد نعس، وزيدوا في عدة من يذب بالنوبة.
قال الوزير: فأخذنا في الثناء على الخليفة والشكر له على حلمه، فقال: إن هذا البائس لم يتعمد ما وقع منه وإنما نعس، وليس العتاب والمعاتبة إلا على المعتمد لا على المخطئ والساهي.
وقال جعيف السمرقندي الحاجب: لما جاء الخبر إلى المعتضد بموت وزيره عبيد الله بن سليمان خر ساجدا طويلا، فقيل له: يا أمير المؤمنين، لقد كان عبيد الله يخدمك وينصح لك.
فقال: إنما سجدت شكرا لله أنى لم أعزله ولم أوذه.
وقد كان ابن سليمان حازم الرأي قويا، وأراد أن يولي مكانه أحمد بن محمد بن الفرات فعدل به بدر صاحب الشرطة عنه وأشار عليه بالقاسم بن عبيد الله فسفه رأيه فألح عليه فولاه وبعث إليه يعزيه في أبيه ويهنيه بالوزارة (1)، فما لبث القاسم بن عبيد الله حتى ولي المكتفي الخلافة من بعد أبيه المعتضد وحتى قتل بدرا.
وكان المعتضد ينظر إلى ما بينهما من العداوة من وراء ستر رقيق وهذه فراسة عظيمة وتوسم قوي.
ورفع يوما إلى المعتضد قوما يجتمعون على المعصية فاستشاره وزيره في أمرهم فقال: ينبغي أن يصلب بعضهم ويحرق بعضهم.
فقال: ويحك لقد بردت لهب غضبي عليهم بقسوتك، أما علمت أن الرعية وديعة الله عند سلطانها، وأنه سائله عنها ؟ ولم يقابلهم بما قال الوزير.
__________
(1) تقدمت الملاحظة، راجع وفيات سنة 288 ه.
والفخري ص 256 .
ولهذه النية لما ولي الخلافة كان بيت المال صفرا من المال وكانت الاحوال فاسدة، والعرب تعيث في
الارض فسادا في كل جهة، فلم يزل برأيه وتسديده حتى كثرت الاموال وصلحت الاحوال في سائر لاقاليم والآفاق.
ومن شعره في جارية له توفيت فوجد عليها: يا حبيبا لم يكن يع * دله عندي حبيب أنت عن عيني بعيد * ومن القلب قريب ليس لي بعدك في شي * ء من اللهو نصيب لك من قلبي على قلبي * وإن غبت رقيب وحياتي منك مذ غب * ت حياة لا تطيب لو تراني كيف لي بع * دك عول ونحيب وفؤادي حشوه من * حرق الحزن لهيب ما أرى نفسي وإن طي * يبتها عنك تطيب ليس دمع لي يعصي * ني وصبري ما يجيب وقال فيها: لم أبك للدار ولكن لمن * قد كان فيها مرة ساكنا فخانني الدهر بفقدانه * وكنت من قبل له آمنا ودعت صبري عنه توديعه * وبان قلبي معه ظاعنا وكتب إليه ابن المعتز يعزيه ويسليه عن مصيبته فيها: يا إمام الهدى حياتك طالت * وعشت أنت سليما أنت علمتنا على النعم الشك * ر وعند المصائب التسليما فتسلى عن ما مضى وكأن التي * كانت سرورا صارت ثوابا عظيما قد رضينا بأن نموت وتحيى * إن عندي في ذاك حظا جسيما من يمت طائعا لمولاه فقد * أعطي فوزا ومات موتا كريما (2) وقد رثى أبو العباس عبد الله بن المعتز العباسي بن عمر المعتضد بمرثاة حسنة يقول فيها:
يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا * وأنت والد سوء تأكل الولدا أستغفر الله بل ذا كله قدر * رضيت بالله ربا واحدا صمدا يا ساكن القبر في غبراء مظلمة * بالظاهرية مقصى الدار منفردا أين الجيوش التي قد كنت تشحنها * وأين الكنوز التي لم تحصها عددا أين السرير الذي قد كنت تملؤه * مهابة من رأته عينه ارتعدا
أين القصور التي شيدتها فعلت * ولاح فيها سنا الابريز فانعقدا قد أتعبوا كل مرقال مذكرة * وجناء تنثر من أشداقها الزبدا اين الاعادي الالى ذللت صعبهم * أين الليوث التي صيرتها نقدا أين الوفود على الابواب عاكفة * ورد القطا صفر ما جال واطردا أين الرجال قياما في مراتبهم * من راح منهم ولم يطمر فقد سعدا أين الجياد التي حجلتها بدم * وكن يحملن منك الضيغم الاسدا أين الرماح التي غذيتها مهجا * مذ مت ما وردت قلبا ولا كبدا أين السيوف وأين النبل مرسلة * يصبن من شئت من قرب وإن بعدا أين المجانيق أمثال السيول إذا * رمين حائط حسن قام قعدا أين الفعال التي قد كنت تبدعها * ولا ترى أن عفوا نافعا أبدا اين الجنان التي تجري جداولها * ويستجيب إليها الطائر الغردا أين الوصائف كالغزلان رائحة * يسحبن من حلل موشية جددا أين الملاهي وأين الراح تحسبها * ياقوتة كسيت من فضة زردا أين الوثوب إلى الاعداء مبتغيا * صلاح ملك بني العباس إذا فسدا مازلت تقسر منهم كل قسورة * وتحطم العاتي الجبار معتمدا ثم انقضيت فلا عين ولا أثر * حتى كأنك يوم لم تكن أحدا
لا شئ يبقى سوى خير تقدمه * ما دام ملك الانسان ولا خلدا ذكرها ابن عساكر في تاريخه.
واجتمع ليلة عند المعتضد ندماؤه فلما انقضى السمر وصار إلى حظاياه ونام القوم السمار نبههم من نومهم خادم وقال: يقول لكم أمير المؤمنين إنه أصابه أرق بعدكم، وقد عمل بيتا أعياه ثانيه فمن عمل ثانيه فله جائزة وهو هذا البيت: ولما انتبهنا للخيال الذي سرى * إذا الدار قفر والمزار بعيد قال فجلس القوم من فرشهم يفكرون في ثانيه فبدر واحد منهم فقال: فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي * لعل خيالا طارقا سيعود قال فلما رجع الخادم به إلى المعتضد وقع منه موقعا جيدا وأمر له بجائزة سنية، واستعظم المعتضد يوما من بعض الشعراء قول الحسن (1) بن منير المازني البصري: لهفي (2) على من أطار النوم فامتنعا * وزاد قلبي على أوجاعه وجعا
__________
(1) في مروج الذهب 4 / 313: الحكم بن قنبرة المازني البصري، شاعر بصري من أبناء القرن 12 ه.
(2) في مروج الذهب: ويلي..انظر الابيات في المروج باختلاف وبزيادة بيت رابع .
كأنما الشمس من أعطافه طلعت * حسنا أو البدر من أردانه لمعا في وجهه شافع يمحوا إساءته * من القلوب وجيها أين ما شفعا ولما كان في ربيع الاول من هذه السنة اشتد وجع المعتضد فاجتمع رؤوس الامراء مثل يونس الخادم وغيره إلى الوزير القاسم بن عبيد الله فأشاروا بأن يجتمع الناس لتجديد البيعة للمكتفي بالله علي بن المعتضد بالله، ففعل ذلك وتأكدت البيعة وكان في ذلك خير كثير.
وحين حضرت المعتضد الوفاة أنشد لنفسه: تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى * وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا ولا تأمنن الدهر إني ائتمنته (1) * فلم يبق لي حالا ولم يرع لي حقا
قتلت صناديد الرجال فلم أدع * عدوا ولم أو مهل على خلق (2) خلقا وأخليت دار الملك من كل نازع * فشردتهم غربا ومزقتهم شرقا فلما بغلت النجم عزا ورفعة * وصارت رقاب الخلق لي أجمع رقا رماني الردى سهما فأخمد جمرتي * فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ألقى ولم يغن عني ما جمعت ولم أجد * لدى ملك إلا حباني حبها رفقا (3) وأفسدت دنياي وديني سفاهة * فمن ذا الذي مثلي بمصرعه أشقا فيا ليت شعري بعد موتي هل أصر * إلى رحمة الله أم في ناره ألقى (4) وكانت وفاته ليلة الاثنين لثمان بقين من ربيع الاول (5) من هذه السنة.
ولم يبلغ الخمسين.
وكانت خلافته تسع (6) سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوما (7).
وخلف من الاولاد الذكور: عليا المكتفي، وجعفر المقتدر، وهارون.
ومن البنات إحدى عشر بنتا.
ويقال سبع عشرة بنتا.
وترك في بيت المال سبعة عشر ألف الف دينار (8).
وكان يمسك عن صرف الاموال في غير وجهها، فلهذا كان بعض الناس يبخله، ومن الناس من يجعله من الخلفاء الراشدين المذكورين في الحديث، حديث جابر بن سمرة فالله أعلم.
__________
(1) في أبن الاثير 7 / 514: ولا تأمن الدهر إنني قد أمنته..(2) في ابن الاثير: طغية.
(3) في ابن الاثير: لذي لملك ولاحياء في حسنها رفقا.
(4) في ابن الاثير: بعد موتي ما ألقى * إلى نعم الرحمن أم ناره ألقى (5) في الطبري 11 / 373 وابن الاثير 7 / 513 ومروج الذهب 4 / 308: ربيع الآخر.
(6) في ابن الاثير: سبع سنين.
(7) في مروج الذهب: ويومين.
(8) في مروج الذهب 4 / 261: خلف المعتضد في بيوت المال تسعة آلاف ألف دينار، ومن الورق أربعين ألف درهم، ومن الدواب والبغال والجمازات والحمير اثنى عشر ألف رأس...
خلافة المكتفي بالله أبي محمد علي بن المعتضد بالله أمير المؤمنين، بويع له بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الاول (1) من هذه السنة، وليس في الخلفاء من اسمه علي سوى هذا وعلي بن أبي طالب.
وليس فيهم من يكنى بأبي محمد إلا هو والحسن بن علي بن أبي طالب والهادي، والمستضئ بالله.
وحين ولي المكتفي كثرت الفتن وانتشرت في البلاد.
وفي رجب منها زلزلت الارض زلزلة عظيمة جدا، وفي رمضان منها تساقط وقت السحر من السماء نجوم كثيرة ولم يزل الامر كذلك حتى طلعت الشمس.
ولما أفضت الخلافة إليه كان بالرقة، فكتب إليه الوزير وأعيان الامراء فركب فدخل بغداد في يوم مشهود، وذلك يوم الاثنين (2) لثمان خلون من جمادى منها.
وفي هذا اليوم أمر (3) بقتل عمرو بن الليث الصفار - وكان معتقلا في سجن أبيه - وأمر بتخريب المطامير التي كان اتخذها أبوه للمسجونين وأمر ببناء جامع مكانها وخلع في هذا اليوم على الوزير القاسم بن عبيد الله بن سليمان ست خلع وقلده سيفا، وكان عمره يوم ولي الخلافة خمسا وعشرين سنة وبعض أشهر.
وفيها انتشرت القرامطة في الآفاق وقطعوا الطريق على الحجيج، وتسمى بعضهم بأمير المؤمنين.
فبعث المكتفي إليهم جيشا كثيرا وأنفق فيهم أموالا جزيلة، فأطفأ الله بعض شرهم.
وفيها خرج محمد بن هارون عن طاعة إسماعيل بن أحمد الساماني، وكاتب أهل الري بعد قتله محمد بن زيد الطالبي، فصار إليهم فسلموا البلد إليه فاستحوذ عليها، فقصده إسماعيل بن أحمد الساماني بالجيوش فقهره وأخرجه منها مذموما مدحورا.
قال ابن الجوزي في المنتظم: وفي يوم التاسع من ذي الحجة منها صلى الناس العصر في زمن الصيف وعليهم ثياب الصيف، فهبت ريح باردة جدا حتى احتاج الناس إلى الاصطلاء النار، ولبسوا الفرا والمحشوات وجمد الماء كفصل الشتاء.
قال ابن الاثير: ووقع بمدينة حمص مثل ذلك، وهب ريح عاصف بالبصرة فاقتلعت شيئا كثيرا من نخيلها، وخسف بموضع فيها فمات تحته سبعة (4) آلاف نسمة.
قال ابن الجوزي، وابن الاثير: وزلزت بغداد في رجب منها مرات متعددة ثم سكنت.
وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك.
وفيها توفي من الاعيان إبراهيم بن محمد بن إبراهيم أحد الصوفية الكبار.
قال ابن الاثير: وهو من أقران السري السقطي.
قال: لان ترد إلى الله ذرة من همك خير لك مما طلعت عليه الشمس.
أحمد بن محمد المعتضد بالله غلب عليه سوء المزاج والجفاف من كثرة الجماع، وكان الاطباء يصفون له ما يرطب بدنه به فيستعمل ضد ذلك حتى سقطت قوته.
__________
(1) راجع الحاشية 5 من الصفحة السابقة.
(2) في مروج الذهب 4 / 309: لسبع ليال بقين من جمادى الاولى.
(3) قال الطبري 11 / 373: أنه أراد ان يخلي سبيله ويحسن إليه، فكره ذلك القاسم بن عبيد الله فدس إليه من قتله.
(ابن الاثير 7 / 516).
(4) في ابن الاثير 7 / 522: ستة آلاف .
بدر غلام المعتضد رأس الجيش كان القاسم الوزير قد عزم على أن يصرف الخلافة عن أولاد المعتضد وفاوض بذلك بدرا هذا فامتنع عليه وأبى، فلما ولي المكتفي بن المعتضد خاف الوزير غائلة ذلك فحسن الوزير للمكتفي قتل بدر هذا، فبعث المكتفي فاحتاط على حواصله وأمواله وهو بواسط، وبعث الوزير إليه بالامان، فلما قدم بدر بعث إليه من قتله يوم الجمعة لست خلون من رمضان من هذه السنة، ثم قطع رأسه وبقيت جثته أخذها أهله فبعثوا بها إلى مكة في تابوت فدفن بها، لانه أوصى بذلك وكان قد أعتق كل مملوك له قبل وفاته.
وحين أرادوا قتله صلى ركعتين رحمه الله.
الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن الفهم بن محرز بن إبراهيم الحافظ البغدادي، سمع خلف بن هشام ويحيى بن معين ومحمد بن سعد وغيرهم، وعنه الحنطبي والطوماري، وكان عسرا في التحديث إلا لمن لازمه، وكانت له معرفة جيدة بالاخبار والنسب والشعر وأسماء الرجال، يميل إلى مذهب العراقيين في الفقه، قال عنه الدار قطني: ليس بالقوي.
عمارة بن وثيمة بن موسى أبو رفاعة الفارسي صاحب التاريخ على السنن، ولد بمصر وحدث عن أبي صالح كاتب الليث وغيره.
عمرو (1) بن الليث الصفار أحد الامراء الكبار، قتل في السجن أول ما قدم المكتفي بغداد.
ثم دخلت سنة تسعين ومائتين فيها أقبل يحيى بن زكرويه بن مهرويه أبو قاسم القرمطي المعروف بالشيخ في جحافله فعاث بناحية الرقة فسادا فجهز إليه الخليفة جيشا نحو عشرة آلاف فارس.
وفيها ركب الخليفة من بغداد إلى سامرا يريد الاقامة بها فثنى رأيه عن ذلك الوزير فرجع إلى بغداد.
وفيها قتل يحيى بن زكرويه على باب دمشق زرقه رجل من المغاربة بمزراق نار فقتله، ففرح الناس بقتله، وتمكن منه المزراق فأحرقه، وكان هذا المغربي من جملة جيش المصريين، فقام بأمر القرامطة من بعده أخوه الحسين وتسمى بأحمد وتكنى بأبي العباس وتلقب بأمير المؤمنين، وأطاعه القرامطة، فحاصر دمشق فصالحه أهلها على مال، ثم سار إلى حمص فافتتحها وخطب له على منابرها، ثم سار إلى حماه ومعرة النعمان فقهر أهل تلك النواحي واستباح أموالهم وحريمهم، وكان يقتل الدواب والصبيان في المكاتب، ويبيح لمن معه وطئ النساء، فربما وطئ الواحدة الجماعة الكثيرة من الرجال، فإذا ولدت ولدا هنأ به كل واحد منهم الآخر، فكتب أهل الشام إلى الخليفة ما يلقون من هذا اللعين، فجهز إليهم جيوشا كثيفة، وأنفق فيهم أموالا جزيلة وركب في رمضان فنزل الرقة وبث الجيوش في كل جانب لقتال القرامطة وكان القرمطي هذا يكتب إلى أصحابه: " من عبد الله المهدي أحمد بن عبد الله المهدي المنصور الناصر لدين الله القائم
__________
(1) تقدم اسمه وموته، وفي الاصل هارون تحريف .
بأمر الله الحاكم بحكم الله، الداعي إلى كتاب الله، الذاب عن حريم الله، المختار من ولد رسول الله " (1) وكان يدعي أنه من سلالة علي بن أبي طالب من فاطمة، وهو كاذب أفاك أثيم قبحه الله، فإنه كان من أشد الناس عداوة لقريش، ثم لبني هاشم، دخل سلمية فلم يدع بها أحدا من بني هاشم حتى قتلهم وقتل أولادهم واستباح حريمهم.
وفيها تولى ثغر طرسوس أبو عامر أحمد بن نصر عوضا عن مظفر بن جناح لشكوى أهل الثغر منه.
وحج الناس الفضل بن محمد العباسي (2).
وفيها من الاعيان:
عبد الله بن إلامام أحمد بن حنبل أبو عبد الرحمن الشيباني.
كان إماما ثقة حافظا ثبتا مكثرا عن أبيه وغيره.
قال ابن المنادي: لم يكن أحد أروى عن أبيه منه.
روى عنه المسند ثلاثين ألفا، والتفسير مائة ألف حديث وعشرون ألفا، من ذلك سماع ومن ذلك إجازة، ومن ذلك الناسخ والمنسوخ، والمقدم والمؤخر، في كتاب الله والتاريخ، وحديث سبعة وكرامات القراء، والمناسك الكبير، والصغير.
وغير ذلك من التصانيف، وحديث الشيوخ.
قال: وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون له بمعرفة الرجال وعلل الحديث والاسماء والكنى والمواظبة على طلب الحديث في العراق وغيرها، ويذكرون من أسلافهم الاقرار له بذلك، حتى أن بعضهم أسرف في تقريظه له بالمعرفة وزيادة السماع للحديث عن أبيه.
ولما مرض قيل له أين تدفن ؟ فقال: صح عندي أن بالقطعية نبيا مدفونا، ولان أكون بجوار نبي أحب إلي من أن أكون في جوار أبي.
مات في جمادى الآخرة منها عن سبع وسبعين سنة، كما مات لها أبوه، واجتمع في جنازته خلق كثير من الناس، وصلى عليه زهير ابن أخيه، ودفن في مقابر باب التين رحمه الله تعالى.
عبد الله بن أحمد بن سعيد أبو بحر الرباطي المروزي، صحب أبا تراب النخشبي، وكان الجنيد يمدحه ويثني عليه.
عمر بن إبراهيم أبو بكر الحافظ المعروف بأبي الاذان، كان ثقة ثبتا.
محمد بن الحسين بن الفرج أبو ميسرة الهمداني، صاحب المسند، كان أحد الثقات المشهورين والمصنفين.
محمد بن عبد الله أبو بكر الدقاق أحد أئمة الصوفية وعبادهم، روى عن الجنيد أنه قال: رأيت إبليس في المنام وكأنه عريان فقلت: ألا تستحي من الناس ؟ فقال: - وهو لا يظنهم ناسا - لو كانوا ناسا ما كنت ألعب بهم كما يلعب الصبيان بالكرة، إنما الناس جماعة غير هؤلاء.
فقلت: أين هم ؟ فقال: في مسجد الشونيزي قد
__________
(1) تمام نسخة الكتاب في الطبري 11 / 384.
(2) في الطبري وابن الاثير ومروج الذهب: الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمد بن علي .
أضنوا قلبي وأتبعوا جسدي، كلما هممت بهم أشاروا إلى الله عز وجل فأكاد أحترق.
قال: فلما انتبهت
لبست ثيابي ورحت إلى المسجد الذي ذكر فإذا فيه ثلاثة جلوس ورؤوسهم في مرقعاتهم فرفع أحدهم رأسه إلى وقال: يا أبا القاسم لا تغتر بحديث الخبيث، وأنت كلما قيل لك شئ تقبل ؟ فإذا هم أبو بكر الدقاق وأبو الحسين النوري.
وأبو حمزة محمد بن علي بن علوية بن عبد الله الجرجاني الفقيه الشافعي تلميذ المزني.
ذكره ابن الاثير.
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين فيها جرت وقعة عظيمة بين القرامطة وجند الخليفة فهزموا القرامطة وأسروا رئيسهم الحسن بن زكروية، ذا الشامة، فلما أسر حمل إلى الخليفة في جماعة كثيرة من أصحابه من رؤوسهم وأدخل بغداد على فيل مشهور، وأمر الخليفة بعمل دفة مرتفعة فأجلس عليها وجئ بأصحابه فجعل يضرب أعناقهم بين يديه وهو ينظر، وقد جعل في فمه خشبة معترضة مشدودة إلى قفاه، ثم أنزل فضرب مائتي سوط ثم قطعت يداه ورجلاه، وكوي، ثم أحرق وحمل رأسه على خشبة وطيف به في أرجاء بغداد، وذلك في ربيع الاول منها.
وفيها قصدت الاتراك بلاد ما وراء النهر في جحافل عظيمة، فبيتهم المسلمون فقتلوا منهم خلقا كثيروا وسبوا منهم ما لا يحصون (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لما ينالوا خيرا) [ الاحزاب: 25 ].
وفيها بعث ملك الروم عشرة صلبان مع كل صليب عشرة آلاف، فغاروا على أطراف البلاد وقتلوا خلقا وسبوا نساء وذرية.
وفيها دخل نائب طرسوس بلاد الروم ففتح مدينة أنطاكية - وهي مدينة عظيمة على ساحل البحر تعادل عندهم القسطنطينية - وخلص من أسارى المسلمين خمسة (1) آلاف أسير، وأخذ للروم ستين مركبا وغنم شيئا كثيرا، فبلغ نصيب كل واحد من الغزاة ألف دينار.
وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمي.
وفيها توفي من الاعيان: أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار أبو العباس الشيباني مولاهم، الملقب بثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغة، مولده في سنة مائتين، سمع محمد بن زياد الاعرابي والزبير بن بكار والقواريري وغيرهم، وعنه ابن الانباري وابن عرفة وأبو عمرو الزاهد، وكان ثقة حجة دينا صالحا مشهورا بالصدق والحفظ، وذكر أنه سمع من
القواريري مائة الف حديث.
توفي يوم السبت لثلاث عشرة بقيت من جمادى الاولى منها، عن إحدى وتسعين سنة.
قال ابن خلكان: وكان سبب موته أنه خرج من الجامع وفي يده كتاب ينظر فيه وكان قد
__________
(1) في الطبري 11 / 391: أربعة آلاف .
أصابه صمم شديد فصدمته فرس فألقته في هوة فاضطرب دماغه فمات في اليوم الثاني رحمه الله.
وهو مصنف كتاب الفصيح، وهو صغير الحجم كثير الفائدة، وله كتاب المصون، واختلاف النحويين ومعاني القرآن وكتاب القراءات ومعاني الشعر وما يلحن فيه العامة وغير ذلك.
وقد نسب إليه من الشعر قوله: إذا كنت قوت السنف ثم هجرتها * فكم تلبث النفس التي أنت قوتها سيبقى بقاء النبت في الماء أو كما * أقام لدى ديمومة الماء صوتها (1) أغرك أني قد تصبرت جاهدا * وفي النفس مني منك ما سيميتها فلو كان ما بي بالصخور لهدها * وبالريح ما هبت وطال حفوفها (2) فصبرا لعل الله يجمع بيننا * فأشكو هموما منك فيك لقيتها وفيها توفي القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير، تولى بعد أبيه الوزارة في آخر أيام المعتضد، ثم تولى لولده المكتفي، فلما كان رمضان من هذه السنة مرض فبعث إلى السجون فأطلق من فيها من المطلبيين، ثم توفي في ذي القعدة (3) منها، وقد قارب ثلاثا وثلاثين سنة، وقد كان حظيا عند الخليفة، وخلف من الاموال ما يعدل سبعمائة ألف دينار.
ومحمد بن محمد بن إسماعيل بن شداد أبو عبد الله البصري القاضي بواسط، المعروف بالجبروعي، حدث عن مسدد وعن علي بن المديني وابن نمير وغيرهم، وكان من الثقات والقضاة الاجواد العدول الامناء.
ومحمد بن إبراهيم البوشنجي (4).
ومحمد بن علي الصايغ (5).
وقنبل (6) أحد مشاهير القراء.
وأئمة العلماء.
ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين ومائتين
فيها دخل محمد بن سليمان في نحو عشرة آلاف مقاتل من جهة الخليفة المكتفي إلى الديار
__________
(1) في وفيات الاعيان 1 / 103: يعيش ببيداء المهامه حوتها.
(2) في الوفيات: خفوتها.
(3) في مروج الذهب 4 / 316: يوم الاربعاء لعشر خلون من ربيع الآخر.
عن نيف وثلاثين سنة.
(4) وهو محمد بن إبراهيم بن سعيد بن عبد الرحمن، أبو عبد الله، ثقة حافظ فقيه.
عاش بضعا وثمانين سنة.
(تقريب التهذيب).
قال ابن الاثير: الفقيه بنيسابور.
(5) محدث مكة، روى عن القعنبي وسعيد بن منصور مات في ذي القعدة.
(6) وهو أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن المخزومي، مولاهم المكي قارئ أهل مكة.
قرأ على أبي الحسن القواس مات وله 96 سنة .
المصرية لقتال هارون بن خمارويه، فبرز إليه هارون فاقتتلا فقهره (1) محمد بن سليمان وجمع آل طولون وكانوا سبعة عشر (2) رجلا فقتلهم واستحوذ على أموالهم وأملاكهم.
وانقضت دولة الطولونية على الديار المصرية وكتب بالفتح إلى المكتفي.
وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي القائم بأمر الحجاج في السنين المتقدمة.
وممن توفي فيها من الاعيان: إبراهيم بن عبد الله بن مسلم الكجي أحد المشايخ المعمرين، كان يحضر مجلسه خمسون ألفا ممن معه محبرة، سوى النظارة، ويستملي عليه سبعة مستملين كل يبلغ صاحبه، ويكتب بعض الناس وهم قيام وكان كلما حدث بعشرة آلاف حديث تصدق بصدقة.
ولما فرغ من قراءة السنن عليه عمل مأدبة غرم عليها ألف دينار، وقال: شهدت اليوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلت شهادتي وحدي، أفلا أعمل شكرا لله عز وجل ؟.
وروى ابن الجوزي والخطيب عن أبي مسلم الكجي قال: خرجت ذات ليلة من المنزل فمررت بحمام وعلي جنابة فدخلته فقلت للحمامي: أدخل حمامك أحد بعد ؟ فقال: لا، فدخلت فلما فتحت باب الحمام الداخل إذا قائل يقول: أبا مسلم أسلم تسلم.
ثم أنشأ يقول:
لك الحمد إما على نعمة * وإما على نقمة تدفع تشاء فتفعل ما شئته * وتسمع من حيث لا يسمع قال: فبادرت فخرجت فقلت للحمامي: أنت زعمت أنه لم يدخل حمامك أحد.
فقال: نعم ! وما ذاك ؟ فقلت: إني سمعت قائلا يقول كذا وكذا.
قال: وسمعته ؟ قلت: نعم.
فقال: يا سيدي هذا رجل من الجان يتبدى لنا في بعض الاحيان فينشد الاشعار ويتكلم بكلام حسن فيه مواعظ.
فقلت: هل حفظت من شعره شيئا ؟ فقال: نعم.
ثم أنشدني من شعره فقال هذه الابيات أيها المذنب المفرط مهلا * كم تمادى تكسب الذنب جهلا كم وكم تسخط الجليل بفعل * سمج وهو يحسن الصنع فعلا كيف تهدا جفون من ليس يدري * أرضي عنه من على العرش أم لا عبد الحميد بن عبد العزيز أبو حاتم القاضي الحنفي، كان من خيار القضاة وأعيان الفقهاء ومن أئمة العلماء، ورعا نزها كثير الصيانة والديانة والامانة.
وقد ذكر له ابن الجوزي في المنتظم آثارا حسنة وأفعال جميلة، رحمه الله.
__________
(1) في ابن الاثير 7 / 536: اقتتل أصحاب هارون فخرج إليهم هارون لتهدئتهم فأصابه أحد المغاربة بمزراق قتله.
أما الكندي في ولاة مصر ص 256 فقال: إن عماه شيبان وعدي أجمعا على قتله فدخلا عليه وهو ثمل فقتلاه.
وقام عمه شيبان بالامر...ثم طلب الامان من محمد بن سليمان فأجابه.
(2) في الطبري: بضعة عشر.
وفي الكندي ولاة مصر 257: عشرون نفسا.
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائتين فيها التف على أخي الحسين القرمطي المعروف بذي الشامة الذي قتل في التي قبلها خلائق من القرامطة بطريق الفرات، فعاث بهم في الارض فسادا، ثم قصد طبرية فامتنعوا منه فدخلها قهرا فقتل بها خلقا كثيرا من الرجال، وأخذ شيئا كثيرا من الاموال، ثم كر راجعا إلى البادية، ودخلت فرقة أخرى منهم إلى هيت فقتلوا أهلها إلا القليل، وأخذوا منها أموالا جزيلة حملوها على ثلاثة آلاف بعير،
فبعث إليهم المكتفي جيشا فقاتلوهم وأخذوا رئيسهم فضربت عنقه.
ونبغ رجل من القرامطة يقال له الداعية باليمن، فحاصر صنعاء فدخلها قهرا وقتل خلقا من أهلها، ثم سار إلى بقية مدن اليمن فأكثر الفساد وقتل خلقا من العباد، ثم قاتله أهل صنعاء فظفروا به وهزموه، فأغار على بعض مدنها، وبعث الخليفة إليها مظفر بن حجاج نائبا، فسار إليها فلم يزل بها حتى مات.
وفي يوم عيد الاضحى دخلت طائفة من القرامطة إلى الكوفة فنادوا يا ثارات الحسين - يعنون المصلوب في التي قبلها ببغداد - وشعارهم: يا أحمد يا محمد - يعنون الذين قتلوا معه - فبادر الناس الدخول من المصلى إلى الكوفة فدخلوا خلفهم فرمتهم العامة بالحجارة فقتلوا منهم نحو العشرين رجلا، ورجع الباقون خاسئين.
وفيها ظهر رجل بمصر يقال له الخليجي (1) فخلع الطاعة واجتمع إليه طائفة من الجند فأمر الخليفة أحمد بن كنغلغ (2) نائب دمشق وأعمالها فركب إليه فاقتتلا بظاهر مصر فهزمه الخليجي هزيمة منكرة، فبعث إليه الخليفة جيشا آخر فهزموا الخليجي وأخذوه فسلم إلى الامير الخليفة وانطفأ خبره واشتغل الجيش بأمر الديار المصرية، فبعث القرامطة جيشا إلى بصرى صحبة رجل يقال له عبد الله بن سعيد كان يعلم الصبيان، فقصد بصرى وأذرعات والبثنية فحاربه أهلها ثم أمنهم فلما أن تمكن منهم قتل المقاتلة وسبى الذرية، ورام الدخول إلى دمشق فحاربه نائب دمشق أحمد بن كنغلغ (2)، وهو صالح بن الفضل، فهزمه القرمطي وقتل صالح فيمن قتل وحاصر دمشق فلم يمكنه فتحها، فانصرف إلى طبرية فقتلوا أكثر أهلها ونهبوا منها شيئا كثيرا كما ذكرنا، ثم ساروا إلى هيت ففعلوا بها ذلك كما تقدم، ثم ساروا إلى الكوفة في يوم عيد الاضحى كما ذكرنا.
كل ذلك بإشارة زكرويه بن مهرويه وهو مختف في بلده بين ظهراني قوم من القرامطة، فإذا جاءه الطلب نزل بئرا قد اتخذها ليختفي فيها وعلى بابه تنور فتقوم امرأة فتسجره وتخبز فيه فلا يشعر به أصلا، ولا يدري أحد أين هو، فبعث الخليفة إليه جيشا فقاتلهم زكرويه بنفسه ومن أطاعه فهزم جيش الخليفة وغنم من أموالهم شيئا كثيرا جدا فتقوى به واشتد أمره، فندب الخليفة إليه جيشا آخر كثيفا فكان من أمره وأمرهم ما سنذكره.
وفيها خرب إسماعيل بن أحمد الساماني نائب خراسان وما وراء النهر طائفة كبيرة من بلاد الاتراك.
وفيها أغارت
__________
(1) في مروج الذهب 4 / 321: ابن الخليجي.
وفي ابن الاثير 7 / 536: الخلنجي.
وهو من قواد محمد بن
سليمان.
وفي ولاة مصر ص 279: ابن الخليج.
(2) في الطبري 11 / 394: كيغلغ (ابن الاثير - مروج الذهب) .
الروم على بعض أعمال حلب فقتلوا ونهبوا وسبوا.
وفيها حج بالناس الفضل (1) بن عبد الملك الهاشمي.
وفيها توفي من الاعيان: أبو العباس الناشي الشاعر واسمه عبد الله بن محمد أبو العباس المعتزلي، أصله من الانبار وأقام بغداد مدة ثم انتقل إلى مصر فمات بها، وكان جيد الذهن يعاكس الشعراء ويرد على المنطقيين والفروضيين، وكان شاعرا مطيقا إلا أنه كان فيه هوس وله قصيدة حسنة في نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرناها في السيرة.
قال ابن خلكان: كان عالما في عدة علوم من جملتها علم المنطق، وله قصيدة في فنون من العلم على روي واحد تبلغ أربعة آلاف بيت، وله عدة تصانيف وأشعار كثيرة.
عبيد بن محمد بن خلف أبو محمد البزار أحد الفقهاء من أصحاب أبي ثور، وكان عنده فقه أبي ثور، وكان من الثقات النبلاء.
نصر بن أحمد بن عبد العزيز أبو محمد الكندي الحافظ المعروف بنصرك، كان أحد حفاظ الحديث المشهورين، وكان الامير خالد بن أحمد الذهلي نائب بخارى قد ضمه إليه وصنف له المسند.
توفي ببخارى في هذه السنة.
ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائتين في المحرم من هذه السنة اعترض زكرويه في أصحابه إلى الحجاج من أهل خراسان وهم قافلون من مكة فقتلهم عن آخرهم وأخذ أموالهم وسبى نساءهم فكان قيمة ما أخذه منهم ألفي ألف دينار، وعدة من قتل عشرين ألف إنسان، وكانت نساء القرامطة يطفن بين القتلى من الحجاج وفي أيديهم الآنية من الماء يزعمن أنهن يسقين الجريح العطشان، فمن كلمهن من الجرحى قتلنه وأجهزن عليه لعنهن الله ولعن أزواجهن.
ذكر مقتل زكرويه لعنه الله
لما بلغ الخليفة خبرا الحجيج وما أوقع بهم الخبيث جهز إليه جيشا كثيفا فالتقوا معه فاقتتلوا قتالا شديدا جدا، قتل من القرامطة خلق كثير ولم يبق منهم إلا القليل، وذلك في أول ربيع الاول منها.
وضرب رجل زكرويه بالسيف في رأسه فوصلت الضربة إلى دماغه، وأخذ أسيرا فمات بعد خمسة أيام، فشقوا بطنه وصبروه وحملوه في جماعة من رؤس أصحابه إلى بغداد، واحتوى عسكر الخليفة على ما كان بأيدي القرامطة من الاموال والحواصل، وأمر الخليفة بقتل أصحاب القرمطي، وأن يطاف
__________
(1) في ابن الاثير 7 / 547: محمد، والصواب ما اثبتناه وفي الطبري ومروج الذهب فكالاصل .
برأسه في سائر بلاد خراسان، لئلا يمتنع الناس عن الحج.
وأطلق من كان بأيدي القرامطة من النساء والصبيان الذين أسروهم.
وفيها غزا أحمد بن كنغلغ (1) نائب دمشق بلاد الروم من ناحية طرسوس فقتل منهم نحوا من أربعة آلاف وأسر من ذراريهم نحوا من خمسين ألفا، وأسلم بعض البطارقة وصحبته نحو من مائتي أسير كانوا في حبسه من المسلمين، فأرسل ملك الروم جيشا في طلب ذلك البطريق، فركب في جماعة من المسلمين فكبس جيش الروم فقتل منهم مقتلة عظيمة وغنم منهم غنيمة كثيرة جدا، ولما قدم على الخليفة أكرمه وأحسن إليه وأعطاه ما تمناه عليه.
وفيها ظهر بالشام رجل فادعى أنه السفياني فأخذ وبعث به إلى بغداد فادعى أنه موسوس فترك.
وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي.
وفيها توفي من الاعيان الحسين بن محمد بن حاتم بن يزيد بن علي بن مروان أبو علي المعروف بعبيد العجلي، كان حافظا مكثرا متقنا مقدما في حفظ المسندات، توفي في صفر منها.
صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب أبو علي الاسدي - أسد خزيمة - المعروف بجزرة (2) لانه قرأ على بعض المشايخ كانت له خرزة يرقأ بها المريض فقرأها هو جزرة (2) تصحيفا منه فغلب عليه ذلك فلقب به، وقد كان حافظا مكثرا جوالا رحالا، طاف الشام ومصر وخراسان، وسكن بغداد ثم انتقل منها إلى بخارى فسكنها، وكان ثقة صدوقا أمينا، وله رواية كثيرة عن يحيى بن معين وسؤالات كثيرة كان مولده بالرقة سنة عشر ومائتين.
وتوفي في هذه السنة محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس المعروف بالبياضي لانه حضر مجلس الخليفة وعليه ثياب البياض، فقال الخليفة: من ذاك البياضي ؟ فعرف به.
وكان ثقة، روى عن ابن الانباري وابن مقسم.
قتلته القرامطة في هذه السنة.
محمد بن الامام إسحاق بن راهويه، سمع أباه وأحمد بن حنبل وغيرهما، وكان عالما بالفقه والحديث، جميل الطريقة حميد السيرة قتلته القرامطة في هذه السنة في جملة من قتلوا من الحجيج.
محمد بن نصر أبو عبد الله المروزي ولد ببغداد (3) ونشأ بنيسابور واستوطن سمرقند، وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة الاسلام، وكان عالما بالاحكام، وقد رحل إلى الآفاق وسمع من
__________
(1) انظر الحاشية 2 ص 112.
(2) من تذكرة الحفاظ 1 / 642.
وفي الاصل حرزة تحريف.
(3) سنة 202 ه (تذكرة الحفاظ 1 / 650 صفوة الصفوة 4 / 148 النجوم الزاهرة 3 / 161 مفتاح السعادة 2 / 310) .
المشايخ الكثير النافع وصنف الكتب المفيدة الحافلة النافعة، وكان من أحسن الناس صلاة وأكثرهم خشوعا فيها، وقد صنف كتابا عظيما في الصلاة.
وقد روى الخطيب عنه أنه قال: خرجت من مصر قاصدا مكة فركبت البحر ومعي جارية فغرقت السفينة فذهب لي في الماء ألفا جزء وسلمت أنا والجارية فلجأنا إلى جزيرة فطلبنا بها ماء فلم نجد، فوضعت رأسي على فخذ الجارية ويئست من الحياة، فبينا أنا كذلك إذا رجل قد أقبل وفي يده كوز فقال: هاه، فأخذته فشربت منه وسقيت الجارية ثم ذهب فلم أدر من أين أقبل ولا إلى أين ذهب.
ثم إن الله سبحانه أغاثنا فنجانا من ذلك الغم.
وقد كان من أكرم الناس وأسخاهم نفسا.
وكان إسماعيل بن أحمد يصله في كل سنة بأربعة آلاف، ويصله أخوه إسحاق بن أحمد بأربعة آلاف، ويصله أهل سمرقند بأربعة آلاف، فينفق ذلك كله، فقيل له: لو ادخرت شيئا لنائبة، فقال: سبحان الله أنا كنت بمصر أنفق فيها في كل سنة عشرين درهما فرأيت إذا لم
يحصل لي شئ من هذا المال لا يتهيأ لي في السنة عشرون درهما.
وكان محمد بن نصر المروزي إذا دخل على إسماعيل بن أحمد الساماني ينهض له ويكرمه، فعاتبه يوما أخوه إسحاق، فقال له: تقوم لرجل في مجلس حكمك وأنت ملك خراسان ؟ قال إسماعيل: فبت تلك الليلة وأنا مشتت القلب من قول أخي وكانوا هم ملوك خراسان وما وراء النهر قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول: " يا إسماعيل ثبت ملكك وملك بنيك بتعظيمك محمد بن نصر، وذهب ملك أخيك باستخفافه بمحمد بن نصر ".
وقد اجتمع بالديار المصرية محمد بن نصر.
ومحمد بن جرير الطبري.
ومحمد بن المنذر، فجلسوا في بيت يكتبون الحديث ولم يكن عندهم في ذلك اليوم شئ يقتاتونه، فاقترعوا فيما بينهم أيهم يخرج يسعى لهم في شئ يأكلونه، فوقعت القرعة على محمد بن نصر هذا فقام إلى الصلاة فجعل يصلي ويدعو الله عز وجل، وذلك وقت القائلة، فرأى نائب مصر وهو طولون وقيل أحمد بن طولون في منامه في ذلك الوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: " أدرك المحدثين فإنهم ليس عندهم ما يقتاتونه ".
فانتبه من ساعته فسأل: من ها هنا من المحدثين ؟ فذكر له هؤلاء الثلاثة، فأرسل إليهم في الساعة الراهنة بألف دينار، فدخل الرسول بها عليهم وأزال الله ضررهم ويسر أمرهم.
واشترى طولون تلك الدار وبناها مسجدا وجعلها على أهل الحديث وأوقف عليها أوقافا جزيلة.
وقد بلغ محمد بن نصر سنا عالية وكان يسأل الله ولدا فأتاه يوما إنسان فبشره بولد ذكر، فرفع يديه فحمد الله وأثنى عليه وقال: الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل، فاستفاد الحاضرون من ذلك عدة فوائد: منها أنه قد ولد له على الكبر ولد ذكر بعد ما كان يسأل الله عز وجل، ومنها أنه سمي يوم مولده كما سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولده إبراهيم يوم مولده قبل السابع، ومنها اقتداؤه بالخليل أول ولد له بإسماعيل.
موسى بن هارون بن عبد الله أبو عمران المعروف والده بالحمال، ولد سنة أربع عشرة ومائتين وسمع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما، وكان إمام عصره في حفظ الحديث ومعرفة الرجال، وكان ثقة متقنا شديد الورع عظيم الهيبة، قال عبد الغني بن سعيد الحافظ المصري: كان أحسن
الناس كلاما على الحديث، أثنى عليه علي بن المديني ثم موسى بن هارون ثم الدار قطني.
ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين فيها كانت المفاداة بين المسلمين والروم، وكان من جملة من استنقذ من أيدي الروم من نساء ورجال نحوا من ثلاثة آلاف نسمة، وفي المنتصف من صفر منها كانت وفاة إسماعيل بن أحمد الساماني أمير خراسان وما وراء النهر، وقد كان عاقلا عادلا حسن السيرة في رعيته حليما كريما.
وهو الذي كان يحسن إلى محمد بن نصر المروزي ويعظمه ويكرمه ويحترمه ويقوم له في مجلس ملكه، فلما مات تولى بعده ولده أحمد بن إسماعيل بن أحمد الساماني وبعث إليه الخليفة تشريفة.
وقد ذكر الناس يوما عند إسماعيل بن أحمد هذا الفخر بالانساب فقال: إنما الفخر بالاعمال وينبغي أن يكون الانسان عصاميا لا عظاميا - أي ينبغي أن يفتخر بنفسه لا بنسبه وبلده وجده - كما قال بعضهم: * وبحدي سموت لا بجدودي * وقال آخر: حسبي فخار وشيمتي أدبي * ولست من هاشم ولا العرب إن الفتى من يقول ها أنا ذا * وليس الفتى من يقول كان أبي وفي ذي القعدة منها كانت: وفاة الخليفة المكتفي بالله أبو محمد بن المعتضد وهذه ترجمته وذكر وفاته وهو أمير المؤمنين المكتفي بالله بن المعتضد بن الامير أبي أحمد الموفق بن المتوكل على الله، وقد ذكرنا أنه ليس من الخلفاء من اسمه علي سواه بعد علي بن أبي طالب، وليس من الخلفاء من يكنى بأبي محمد سوى الحسن بن علي بن أبي طالب وهو، وكان مولده في رجب سنة أربع وستين ومائتين، وبويع له بالخلافة بعد أبيه وفي حياته يوم الجمعة لاحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة ستع وثمانين ومائتين، وعمره نحوا من خمس وعشرين سنة، وكان ربعة من الرجال جميلا رقيق الوجه حسن الشعر، وافر اللحية عريضها.
ولما مات أبوه المعتضد وولي هو الخلافة دخل عليه بعض الشعراء فأنشده:
أجل الرازيا أن يموت إمام * وأسنى العطايا أن يقوم أمام فأسقى الذي مات الغمام وجوده * ودامت تحات له وسلام وأبقى الذي قام الآله وزاده * مواهب لا يفنى لهن دوام وتمت له الآمال واتصلت بها * فوائد موصول بهن تمام
هو المكتفي بالله يكفيه كلما * عناه بركن منه ليس يرام فأمر له بجائزة سنية وقد كان يقول الشعر، فمن ذلك قوله: من لي بأن أعلم ما ألقى * فتعرف مني الصبابة والعشقا (1) ما زال لي عبدا وحبي له * صيرني عبدا له رقا العتق (2) من شأني ولكني * من حبه لا أملك العتقا وكان نقش خاتمه: علي المتوكل على ربه.
(3) وكان له من الولد محمد وجعفر وعبد الصمد وموسى وعبد الله وهارون والفضل وعيسى والعباس وعبد الملك.
وفي أيامه فتحت انطاكية وكان فيها من أسارى المسلمين بشر كثير وجم غفير، ولما حضرته الوفاة سأل عن أخيه أبي الفضل جعفر بن المعتصد وقع صح عنده أنه بالغ، فأحضره في يوم الجمعة لاحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة منها وأحضر القضاة وأشهدهم على نفسه بأنه قد فوض أمر الخلافة إليه من بعده، ولقبه بالمقتدر بالله.
وتوفي بعد ثلاثة أيام وقيل في آخر يوم السبت بعد المغرب، وقيل بين الظهر والعصر، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، ودفن في دار محمد بن عبد الله بن طاهر، عن ثنتين وقيل ثلاث وثلاثين سنة (4)، وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما (5).
وأوصى بصدقة من خالص ماله ستمائة ألف دينار، وكان قد جمعها وهو صغير، وكان مرضه بداء الخنازير رحمه الله.
خلافة المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد جددت له البيعة بعد موت أخيه وقت السحر لاربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة - أعني سنة خمس وتسعين ومائتين - وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وإحدى
وعشرون يوما، ولم يل الخلافة أحد قبله أصغر منه، ولما جلس في منصب الخلافة صلى أربع ركعات ثم سلم ورفع صوته بالدعاء والاستخارة، ثم بايعه الناس بيعة العامة، وكتب اسمه على الرقوم وغيرها: المقتدر بالله، وكان في بيت مال الخاصة خمسة عشر ألف ألف دينار، وفي بيت مال العامة ستمائة ألف دينار ونيف، وكان الجواهر الثمينة في الحواصل من لدن بني أمية وأيام بني العباس، قد تناهى
__________
(1) في فوات الوفيات 3 / 5: بأن تعلم...* فتعرف الصبوة والعشقا (2) في الفوات: أعتق من رقي...* من حبه لا آمن العتقا (3) في فوات الوفيات 3 / 5: اعتمادي على الذي خلقني.
(4) في مروج الذهب 4 / 309: احدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر.
(5) في مروج الذهب: ست سنين وسبعة أشهر واثنين وعشرين يوما.
جمعها، فما زال يفرقها في حظاياه وأصحابه حتى أنفدها، وهذا حال الصبيان وسفهاء الولاة، وقد استوزر جماعة من الكتاب يكثر تعدادهم، منهم أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات، ولاه ثم عزله بغيره، ثم أعاده ثم عزله ثم قتله، وقد استقصى ذكرهم ابن الجوزي.
وكان له من الخدم والحشمة التامة والحجاب شئ كثير جدا، وكان كريما وفيه عبادة مع هذا كله كان كثير الصلاة كثير الصيام تطوعا، وفي يوم عرفة في أول ولايته فرق من الاغنام والابقار ثلاثين ألف رأس، ومن الابل ألفي بعير، ورد الرسوم والارزاق والكلف إلى ما كانت عليه في زمن الاوائل من بني العباس، وأطلق أهل الحبوس الذين يجوز إطلاقهم، فوكل أمر ذلك إلى القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، وكان قد بنيت له أبنية في الرحبة صرف عليها في كل شهر ألف دينار، فأمر بهدمها ليوسع على المسلمين الطرقات، وسيأتي ذكر شئ من أيامه في ترجمته.
وفيها توفي من الاعيان:
أبو إسحاق المزكي إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سختويه بن عبد الله أبو إسحاق المزكي (1) الحافظ الزاهد، إمام أهل عصره بنيسابور، في معرفة الحديث والرجال والعلل، وقد سمع خلقا من المشايخ الكبار ودخل على الامام أحمد وذاكره، وكان مجلسه مهيبا، ويقال إنه كان مجاب الدعوة، وكان لا يملك إلا داره التي يسكنها وحانوتا يستغله كل شهر سبعة عشر درهما ينفقها على نفسه وعياله، وكان لا يقبل من أحد شيئا، وكان يطبخ له الجزر بالخل فيأتدم به طول الشتاء، وقد قال أبو علي الحسين بن علي الحافظ: لم تر عيناي مثله.
أبو الحسن النوري أحد أئمة الصوفية اسمه أحمد بن محمد، ويقال محمد بن محمد والاول أصح يعرف بابن البغوي، أصله من خراسان (2) وحدث عن سري السقطي (3) ثم صار هو من أكابر أئمة القوم، قال أبو أحمد المغازلي: ما رأيت أحدا قط أعبد من أبي الحسين (4) النوري، قيل له: ولا الجنيد ؟ قال: ولا الجنيد ولا غيره.
وقال
__________
(1) ذكره الذهبي في تذكرة الحفاظ 1 / 638: إبراهيم بن أبي طالب - محمد بن نوح بن عبد الله - أبو إسحاق النيسابوري (انظر شذرات الذهب 2 / 218).
(2) من قرية بغشور بين هراة ومرو الروذ، ولذلك سمي بابن البغوي.
(صفة الصفوة 2 / 439).
(3) قال ابن الجوزي: اسند النوري عن سري حديثا واحدا، وقال في طبقات الصوفية للسلمي: هو ما رواه أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قضى لاخيه المسلم حاجة: كان له من الاجر كمن خدم الله عمره.
(4) في تذكرة الحفاظ 1 / 639: أبو الحسن .
غيره: صام عشرين سنة لا يعلم به أحدى لا من أهله ولا من غيره.
وتوفي في مسجد وهو مقنع فلم يعلم به أحد إلا بعد أربعة أيام.
إسماعيل بن أحمد بن سامان أحد ملوك خراسان وهو الذي قتل عمرو بن الليث الصفار الخارجي، وكتب بذلك إلى
المعتضد فولاه خراسان ثم ولاه المكتفي الري وما وراء النهر وبلاد الترك، وقد غزا بلادهم وأوقع بهم بأسا شديدا، بنى الربط في الطرقات يسع الرباط منها ألف فارس، وأوقف عليهم أوقافا جزيلة، وقد أهدى إليه طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث هدايا جزيلة منها ثلاث عشرة جوهرة زنة كل جوهرة منها ما بين السبع مثاقيل إلى العشرة، وبعضها أحمر وبعضها أزرق قيمتها مائة ألف دينار، فبعث بها إلى الخليفة المعتضد وشفع في طاهر فشفعه فيه.
ولما مات إسماعيل بن أحمد وبلغ المكتفي موته تمثل بقول أبي نواس: لن يخلف الدهر مثلهم أبدا * هيهات هيهات شأنه عجب المعمري الحافظ صاحب عمل اليوم والليلة وهو الحسن بن علي بن شبيب أبو علي المعمري (1) الحافظ، رحل وسمع من الشيوخ وأدرك خلقا منهم علي بن المديني ويحيى بن معين، وعنه ابن صاعد والنجاد والجلدي، وكان من بحور العلم وحفاظ الحديث، صدوقا ثبتا، وقد كان يشبك أسنانه بالذهب من الكبر، لانه جاوز الثمانين، وكان يكنى أولا بأبي القاسم، ثم بأبي علي، وقد ولي القضاء للبرتي على القصر وأعمالها وإنما قيل له المعمري بأمه أم الحسن بنت أبي سفيان صاحب معمر بن راشد.
وقد صنف المعمري كتابا جيدا في عمل يوم وليلة، واسمه الحسن بن علي بن شبيب أبو علي المعمري، توفي ليلة الجمعة لاحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم.
عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب واسم أبي شعيب عبد الله بن مسلم أبو شعيب الاموي الحراني المؤدب المحدث ابن المحدث.
ولد سنة ست وثمانين ومائتين، سمع أباه وجده وعفان بن مسلم وأبا خيثمة، كان صدوقا ثقة مأمونا.
توفي في ذي الحجة منها.
علي بن أحمد المكتفي بالله تقدم ذكره.
أبو جعفر الترمذي محمد بن أحمد (2) بن نصر أبو جعفر الترمذي الفقيه الشافعي، كان من أهل العلم والزهد، ووثقه الدار قطني، كان مأمونا ناسكا، وقال
__________
(4) قيل له المعمري نسبة إلى جده لامه محمد بن سفيان بن حميد المعمري، وكان صاحب معمر ببغداد.
(1) من تذكرة الحفاظ 1 / 639 وفي الاصل: محمد .
القاضي أحمد بن كامل: لم يكن لاصحاب الشافعي بالعراق أرأس منه، ولا أورع: كان متقللا في المطعم على حالة عظيمة فقرا وورعا وصبرا، وكان ينفق في كل شهر أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحدا شيئا، وكان قد اختلط في آخر عمره.
توفي في المحرم منها.
ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائتين في ربيع الاول منها اجتمع جماعة من القواد والجند والامراء على خلع المقتدر وتولية عبد الله بن المعتز الخلافة، فأجابهم على أنه لا يسفك بسببه دم، وكان المقتدر قد خرج يلعب بالصولجان فقصد إليه الحسين (1) بن حمدان يريد أن يفتك به، فلما سمع المقتدر الصيحة بادر إلى دار الخلافة فأغلقها دون الجيش، واجتمع الامراء والاعيان والقضاة في دار المخرمي فبايعوا عبد الله بن المعتز وخوطب بالخلافة، ولقب بالمرتضى (2) بالله.
وقال الصولي: إنما لقبوه المنتصف بالله، واستوزر أبا عبيد الله محمد بن داود وبعث إلى المقتدر يأمره بالتحول من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر لينتقل إليها، فأجابه بالسمع والطاعة، فركب الحسين (1) بن حمدان من الغد إلى دار الخلافة ليتسلمها فقاتله الخدم ومن فيها، ولم يسلموها إليه، وهزموه فلم يقدر على تخليص أهله وماله إلا بالجهد.
ثم ارتحل من فوره إلى الموصل وتفرق نظام ابن المعتز وجماعته، فأراد ابن المعتز أن يتحول إلى سامرا لينزلها فلم يتبعه أحد من الامراء، فدخل دار ابن الجصاص فاستجار به فأجاره، ووقع النهب في البلد واختبط الناس وبعث المقتدر إلى أصحاب ابن المعتز فقبض عليهم وقتل أكثرهم وأعاد ابن الفرات إلى الوزارة فجدد البيعة إلى المقتدر وأرسل إلى دار ابن الجصاص فتسلمها وأحضر ابن المعتز وابن الجصاص فصادر ابن الجصاص بمال جزيل جدا، نحو ستة عشر ألف ألف درهم، ثم أطلقه واعتقل ابن المعتز، فلما دخل في ربيع الآخر ليلتان ظهر للناس موته (3) وأخرجت جثته فسلمت إلى أهله فدفن، وصفح المقتدر عن بقية من سعى في هذه الفتنة حتى لا تفسد نيات الناس.
قال ابن الجوزي: ولا يعرف خليفة خلع ثم أعيد إلا الامين والمقتدر.
وفي يوم السبت لاربع بقين من ربيع الاول سقط ببغداد ثلج عظيم حتى اجتمع على الاسطحة منه نحو من أربعة أصابع
وهذا غريب في بغداد جدا، ولم تخرج السنة حتى خرج الناس يستسقون لاجل تأخر المطر عن إبانه.
وفي شعبان منها خلع على مونس (4) الخادم وأمر بالمسير إلى طرسوس لاجل غزو الروم.
وفيها أمر
__________
(1) في نسخ البداية المطبوعة: الحسن وهو تحريف.
(2) في الطبري 11 / 405: الراضي.
(3) قال ابن الاثير 8 / 18: عصرت خصيتاه حتى مات، وذلك ليلة أخذ من دار ابن الجصاص.
وفي الفخري ص 264: مكث المعتز يوما واحدا في الخلافة ثم استظهر عليه المقتدر فأخذه وقتله.
(4) من الطبري 11 / 406 وابن الاثير 8 / 54، وفي الاصل: يونس، وهو تحريف .
المقتدر بأن لا يستخدم أحد من اليهود والنصارى في الدواوين، وألزموا بلزومهم بيوتهم، وأن يلبسوا المساحي ويضعوان بين أكتافهم رقاعا ليعرفوا بها، وألزموا بالذل حيث كانوا.
وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمي، ورجع كثير من الناس من قلة الماء بالطريق.
وفيها توفي من الاعيان أحمد بن محمد بن زكريا بن أبي عتاب أبو بكر البغدادي الحافظ، ويعرف بأخي ميمون.
روى عن نصر بن علي الجهضمي وغيره، وروى عنه الطبراني، وكان يمتنع من أن يحدث وإنما يسمع منه في المذاكرة.
توفي في شوال منها.
أبو بكر الاثرم أحمد بن محمد بن هاني الطائي الاثرم تلميذ الامام أحمد، سمع عفان وأبا الوليد والقعنبي وأبا نعيم وخلقا كثيرا، وكان حافظا صادقا قوي الذاكرة، كان ابن معين يقول عنه: كان أحد أبويه جنيا لسرعة فهمه وحفظه، وله كتب مصنفة في العلل والنساخ والمنسوخ، وكان من بحور العلم خلف بن عمرو بن عبد الرحمن بن عيسى أبو محمد العكبري، سمع الحديث وكان ظريفا وكان له ثلاثون خاتما وثلاثون عكازا، يلبس في كل يوم من الشهر خاتما ويأخذ في يده عكازا، ثم يستأنف ذلك في الشهر الثاني، وكان له سوط معلق في منزله، فإذا سئل عن ذلك قال: ليرهب العيال منه.
ابن المعتز الشاعر والخليفة عبد الله بن المعتزل بالله محمد بن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بالله محمد بن الرشيد يكنى أبو العباس الهاشمي العباسي، كان شاعرا مطيقا فصيحا بليغا مطبقا، وقريش قادة الناس في الخير ودفع الشر.
وقد سمع المبرد وثعلبا.
وقد روي عنه من الحكم والآداب شئ كثير، فمن ذلك قوله: أنفاس الحي خطايا.
أهل الدنيا ركب يساربهم وهم نيام، وربما أورد الطمع ولم يصدر، ربما شرق شارب الماء قبل ريه، من تجاوز الكفاف لم يغنه الاكثار، كلما عظم قدر المتنافس فيه عظمت الفجيعة به، من ارتحله الحرص أضناه الطلب.
وروي انضاه الطلب أي أضعفه، والاول معناه أمرضه.
الحرص نقص من قدر الانسان ولا يزيد في حظه شيئا، أشقى الناس أقربهم من السلطان، كما أن أقرب الاشياء إلى النار أقربها حريقا.
من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة، يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك.
الفرصة سريعة الفوت بعيدة العود، الاسرار إذا كثرت خزانها ازدادت ضياعا، العزل نصحك من تيه الولاة.
الجزع أتعب من الصبر، لا تشن وجه العفو بالتقريع، تركة الميت عز للورثة ودل له.
إلى غير ذلك من كلامه وحكمه.
ومن شعره مما يناسب المعنى قوله:
بادر إلى مالك ورثه * ما المرء في الدنيا بلباث كم جامع يخنق أكياسه * قد صار في ميزان ميراث وله أيضا: يا ذا الغنى والسطوة القاهرة * والدولة الناهية الآمرة ويا شياطين بني آدم * ويا عبيد الشهوة الفاجرة انتظروا الدنيا وقد أدبرت * وعن قليل تلد الآخرة وله أيضا: ابك يا نفس وهاتي * توبة قبل الممات قبل أن يفجعنا الده * ر ببين وشتات
لا تخونيني إذا مت * وقامت بي نعاتي إنما الوفي بعهدي * من وفى بعد وفاتي قال الصولي.
نظر ابن المعتز في حياة أبيه الخليفة إلى جارية فأعجبته فمرض من حبها، فدخل أبوه عليه عائدا فقال له: كيف تجدك ؟ فأنشأ يقول: أيها العاذلون لا تعذلوني * وانظروا حسن وجهها تعذروني وانظروا هل ترون أحسن منها * إن رأيتم شبيهها فاعذلوني قال: ففحص الخليفة عن القصة واستعلم خبر الجارية ثم بعث إلى سيدها فاشتراها منه بسبعة آلاف دينار، وبعث بها إلى ولده.
وقد تقدم أن في ربيع الاول من هذه السنة اجتمع الامراء والقضاة على خلع المقتدر وتولية عبد الله بن المعتز هذا ولقب بالمرتضى والمنتصف بالله، فما مكث بالخلافة إلا يوما أو بعض يوم، ثم انتصر المقتدر وقتل غالب من خرج عليه واعتقل ابن المعتز عنده في الدار ووكل به مونس (1) الخادم فقتل في أوائل ربيع الآخر لليلتين خلتا منه، ويقال إنه أنشد في آخر يوم من حياته وهو معتل: يا نفس صبرا لعل الخير عقباك * خانتك من بعد طول الامن دنياك مرت بنا سحرا طير فقلت لها * طوباك يا ليتني إياك طوباك إن كان قصدك شرقا فالسلام على * شاطي الصراة ابلغي إن كان مسراك من موثق بالمنايا لا فكاك له * يبكي الدماء على إلف له باكي فرب آمنة جاءت منيتها * ورب مفلتة من بين أشراك أظنه آخر الايام من عمري * وأوشك اليوم أن يبكي لي الباكي
__________
(1) انظر الحاشية 4 صفحة 121 .
ولما قدم ليقتل أنشأ يقول: فقل للشامتين بنا رويدا * أمامكم المصائب والخطوب
هو الدهر لا بد من أن * يكون إليكم منه ذنوب ثم كان ظهور قتله لليلتين من ربيع الآخر منها.
وقد ذكر له ابن خلكان مصنفات كثيرة، منها طبقات الشعراء، وكتاب أشعار الملوك، وكتاب الآداب وكتاب البديع، وكتاب في الغناء وغير ذلك.
وذكر أن طائفة من الامراء خلعوا المقتدر وبايعوه بالخلافة يوما وليلة، ثم تمزق شمله واختفى في بيت ابن الجصاص الجوهري ثم ظهر عليه فقتل وصودر ابن الجصاص بألفي دينار، وبقي معه ستمائة ألف دينار.
وكان ابن المعتز أسمر اللون مدور الوجه يخضب بالسواد، عاش خمسين سنة، وذكر شيئا من كلامه وأشعاره رحمه الله.
محمد بن الحسين بن حيب أبو حصين الوادعي القاضي، صاب المسند، من أهالي الكوفة، قدم بغداد وحدث بها عن أحمد بن يونس اليربوعي ويحيى بن عبد الحميد، وجندل بن والق، وعنه ابن صاعد والنجاد والمحاملي، قال الدار قطني: كان ثقة، توفي بالكوفة: محمد بن داود بن الجراح أبو عبد الله الكاتب عم الوزير علي بن عيسى، كان من أعلم الناس بالاخبار وأيام الخلفاء، له مصنفات في ذلك روى عن عمر بن شيبة وغيره، كانت وفاته في ربيع الاول منها عن ثلاث وخمسين سنة.
ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائتين فيها غزا القاسم بن سيما الصائفة (1)، وفادى مونس (2) الخادم الاسارى الذين بأيدي الروم، وحكى ابن الجوزي عن ثابت بن سنان أنه رأى في أيام المقتدر ببغداد امرأة بلا ذراعين ولا عضدين، وإنما كفاها ملصقان بكتفيها، لا تستطيع أن تعمل بهما شيئا، وإنما كانت تعمل برجليها ما تعمله النساء بأيديهن: الغزل والفتل ومشط الرأس وغير ذلك.
وفيها تأخرت الامطار عن بغداد وارتفعت الاسعار بها، وجاءت الاخبار بأن مكة جاءها سيل عظيم غرق أركان البيت، وفاضت زمزم، ولم ير ذلك قبل هذه السنة.
وحج بالناس الفضل الهاشمي.
وفيها توفي من الاعيان...
__________
(1) في الطبري 11 / 406: مونس الخادم غزا الصائفة في المحرم ثم وجه المقتدر القاسم على الصائفة في شوال
منها.
(2) انظر الحاشية السابقة .
محمد بن داود بن علي أبو بكر الفقيه ابن الفقيه الظاهري، كان عالما بارعا أديبا شاعرا فقيها ماهرا، له كتاب الزهرة اشتغل على أبيه وتبعه في مذهبه ومسلكه وما اختاره من الطرائق وارتضاه، وكان أبوه يحبه ويقربه ويدنيه.
قال رويم بن محمد: كنا يوما عند داود إذ جاء ابنه هذا باكيا فقال: ما لك ؟ فقال: إن الصبيان يلقبونني عصفور الشوك.
فضحك أبوه فاشتد غضب الصبي وقال لابيه: أنت أضر علي منهم، فضمه أبوه إليه وقال: لا إله إلا الله، ما الالقاب إلا من السماء ما أنت يا بني إلا عصفور الشوك.
ولما توفي أبوه أجلس في مكانه في الحلقة فاستصغره الناس عن ذلك، فسأله سائل يوما عن حد السكر فقال: إذا غربت (1) عنه الفهوم وباح بسره المكتوم.
فاستحسن الحاضرون منه ذلك وعظم في أعين الناس.
قال ابن الجوزي في المنتظم: وقد ابتلي بحب صبي اسمه محمد بن جامع ويقال محمد بن زحرف فاستعمل العفاف والدين في حبه، ولم يزل ذلك دأبه فيه حتى كان سبب وفاته في ذلك.
قلت: فدخل في الحديث المروي عن ابن عباس موقوفا عليه ومرفوعا عنه: " من عشق فكتم فعف فمات مات شهيدا ".
وقد قيل عنه إنه كان يبيح العشق بشرط العفاف.
وحكى هو عن نفسه أنه لم يزل يتعشق منذ كان في الكتاب وأنه صنف كتاب الزهرة في ذلك في صغره، ورد ما وقف أبوه داود على بعض ذلك، وكان يتناظر هو وأبو العباس بن شريح (2) كثيرا بحضرة القاضي أبي عمر محمد بن يوسف فيعجب الناس من مناظرتهما وحسنها، وقد قال له ابن شريح (2) يوما في مناظرته: أنت بكتاب الزهرة أشهر منك بهذا.
فقال له: تعيرني بكتاب الزهرة وأنت لا تحسن تشتم قراءته، وهو كتاب جمعناه هزلا فاجمع أنت مثله جدا.
وقال القاضي أبو عمر: كنت يوما أنا وأبو بكر بن داود راكبين فإذا جارية تغني بشئ من شعره: أشكو إليك فؤادا أنت متلفه * شكوى عليل إلى إلف يعلله
سقمي تزيد على الايام كثرته * وأنت في عظم ما ألقى تقلله الله حرم قتلي في الهوى أسفا * وأنت يا قاتلي ظلما تحلله فقال أبو بكر: كيف السبيل إلى استرجاع هذا ؟ فقلت: هيهات سار به الركبان.
كانت وفاة محمد بن داود رحمه الله في رمضان من هذه السنة، وجلس ابن شريح (2) لعزاه وقال: ما أثني إلا على التراب الذي أكل لسان محمد بن داود رحمه الله.
محمد بن عثمان بن أبي شيبه أبو جعفر، حدث عن يحيى بن معين وعلي بن المديني وخلق، وعنه ابن صاعد والخلدي
__________
(1) في وفيات الاعيان 4 / 259: عزبت عنه الهموم.
(2) في الوفيات: سريج .
والباغندي وغيرهم، وله كتاب في التاريخ وغيره من المصنفات، وقد وثقه صالح بن محمد جزرة وغيره، وكذبه عبد الله بن الامام أحمد وقال: وهو كذاب بين الامر، وتعجب ممن يروي عنه.
توفي في ربيع الاول منها.
محمد بن طاهر بن عبد الله بن الحسن بن مصعب من بيت الامارة والحشمة، باشر نيابة العراق مدة ثم خراسان ثم ظفر به يعقوب بن الليث في سنة ثمان وخسمين فأسره وبقي معه يطوف به الآفاق أربع سنين، ثم تخلص منه في بعض الوقعات ونجا بنفسه، ولم يزل مقيما ببغداد إلى أن توفي هذه السنة.
موسى بن إسحاق ابن موسى بن عبد الله أبو بكر الانصاري الخطمي (1)، مولده سنة عشر ومائتين، سمع أباه وأحمد بن حنبل وعلي بن الجعد وغيرهم، وحدث عنه الناس وهو شاب وقرأوا عليه القرآن، وكان ينتحل مذهب الشافعي، وولي قضاء الاهواز، وكان ثقة فاضلا عفيفا فصيحا كثير الحديث.
توفي في المحرم منها.
يوسف بن يعقوب ابن إسماعيل بن حماد بن زيد والد القاضي أبي عمر، وهو الذي قتل الحلاج (2)، كان يوسف هذا من أكابر العلماء وأعيانهم، ولد سنة ثمان ومائتين، وسمع سليمان بن حرب وعمرو بن مرزوق وهدبة ومسددا، وكان ثقة، ولي قضاء البصرة وواسط والجانب الشرقي من بغداد، وكان عفيفا شديد الحرمة نزها، جاءه يوما بعض خدم الخليفة المعتصد فترفع في المجلس على خصمه فأمره حاجب القاضي أن يساوي خصمه فامتنع إدلالا بجاهه عند الخليفة، فزبره القاضي وقال: أئتوني بدلال النخس حتى أبيع هذا العبد وأبعث بثمنه إلى الخليفة، وجاء حاجب القاضي فأخذه بيده وأجلسه مع خصمه، فلما انقضت الحكومة رجع الخادم إلى المعتضد فبكى بين يديه فقال له: ما لك ؟ فأخبره بالخبر، وما أراد القاضي من بيعه، فقال: والله لو باعك لاجزت بيعه ولما استرجعتك أبدا، فليس خصوصيتك عندي تزيل مرتبة الشرع فإنه عمود السلطان وقوام الاديان، كانت وفاته في رمضان منها.
__________
(1) الخطمي: نسبة إلى بني خطمة بطن من الانصار.
(2) وهو الحسين بن منصور ويكنى أبا الغيث أصله مجوسي من أهل فارس ونشأ بواسط وقيل بتستر وتتلمذ لسهل التستري الصوفي اختلفت اراء الناس واعتقادتهم فيه وظهر منه تخليط واستغوى العامة بمخاريق كان يعتمدها قتل سنة 309 وأحرقت جثته (انظر الفخري ص 260 - 261) .
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائتين فيها قدم القاسم بن سيما من بلاد الروم فدخل بغداد ومعه الاسارى والعلوج بأيديهم أعلام عليها صلبان من الذهب، وخلق من الاسارى.
وفيها قدمت هدايا نائب خراسان أحمد بن إسماعيل بن أحمد الساماني، من ذلك مائة وعشرون غلاما بحرابهم وأسلحتهم وما يحتاجون إليه، وخمسون بازا وخمسون جملا تحمل من مرتفع الثياب، وخمسون رطلا من المسك وغير ذلك.
وفيها فلج القاضي عبد الله بن علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، فقلد مكانه على الجانب الشرقي
والكرخ ابنه محمد.
وفيها في شعبان أخذ رجلان يقال لاحدهما: أبو كبيرة والآخر يعرف بالسمري.
فذكروا أنهما من أصحاب رجل يقال له محمد بن بشر، وأنه يدعي الربوبية.
وفيها وردت الاخبار بأن الروم قصدت اللاذقية.
وفيها وردت الاخبار بأن ريحا صفراء هبت بمدينة الموصل فمات من حرها بشر كثير.
وفيها حج بالناس الفضل الهاشمي.
وفيها توفي من الاعيان: ابن الراوندي (1) أحد مشاهير الزنادقة، كان أبوه يهوديا فأظهر الاسلام، ويقال إنه حرف التوراة كما عادى ابنه القرآن بالقرآن وألحد فيه، وصنف كتابا في الرد على القرآن سماه الدامغ.
وكتابا في الرد على الشريعة والاعتراض عليها سماه الزمردة.
وكتابا يقال له التاج في معنى ذلك، وله كتاب الفريد وكتاب إمامة المفضول الفاضل.
وقد انتصب للرد على كتبه هذه جماعة منهم الشيخ أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي شيخ المعتزلة في زمانه، وقد أجاد في ذلك.
وكذلك ولده أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي، قال الشيخ أبو علي: قرأت كتاب هذا الملحد الجاهل السفيه ابن الراوندي فلم أجد فيه إلا السفه والكذب والافتراء، قال: وقد وضع كتابا في قدم العالم ونفي الصانع وتصحيح مذهب الدهرية والرد على أهل التوحيد، ووضع كتابا في الرد على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعة عشر موضعا، ونسبه إلى الكذب - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - وطعن على القرآن، ووضع كتابا لليهود والنصارى وفضل دينهم على المسلمين والاسلام، يحتج لهم فيها على إبطال نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من الكتب التي تبين خروجه عن الاسلام.
نقل ذلك ابن الجوزي عنه.
وقد أورد ابن الجوزي في منتظمه طرفا من كلامه وزندقته وطعنه على الآيات والشريعة.
ورد عليه ذلك، وهو أقل وأخس وأذل من أن يلتفت إليه وإلى جهله وكلامه وهذيانه وسفهه وتمويهه.
وقد أسند إليه حكايات من المسخرة والاستهتار والكفر والكبائر، منها ما هو صحيح عنه ومنها ما هو مفتعل عليه ممن هو مثله، وعلى طريقه ومسلكه في الكفر والتستر في المسخرة، يخرجونها في قوالب مسخرة وقلوبهم مشحونة بالكفر والزندقة، وهذا كثير موجود
__________
(1) وهو أبو الحسين، أحمد بن يحيى بن اسحاق الرواندي.
والراوندي نسبة إلى راوند: وهي قرية من قرى قاسان بنواحي اصبهان، وقيل راوند: ناحية بظاهر نيسابور .
فيمن يدعي الاسلام وهو منافق، يتمسخرون بالرسول ودينه وكتابه، وهؤلاء ممن قال الله تعالى فيهم (ولئن سألتهم ليقولون إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون.
لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) الآية [ التوبة: 65 ].
وقد كان أبو عيسى الوراق مصاحبا لابن الراوندي قبحهما الله، فلما علم الناس بأمرهما طلب السلطان أبا عيسى فأودع السجن حتى مات.
وأما ابن الراوندي فهرب فلجأ إلى ابن لاوي اليهودي، وصنف له في مدة مقامه عنده كتابه الذي سماه " الدامغ للقرآن " فلم يلبث بعده إلا أياما يسيرة حتى مات لعنه الله.
ويقال: إنه أخذ وصلب.
قال أبو الوفاء بن عقيل: ورأيت في كتاب محقق أنه عاش ستا وثلاثين سنة مع ما انتهى إليه من التوغل في المخازي في هذا العمر القصير لعنه الله وقبحه ولا رحم عظامه.
وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات وقلس عليه ولم يخرجه بشئ، ولا كأن الكلب أكل له عجينا، على عادته في العلماء والشعراء، فالشعراء يطيل تراجمهم، والعلماء يذكر لهم ترجمة يسيرة، والزنادقة يترك ذكر زندقتهم.
وأرخ ابن خلكان تاريخ وفاته في سنة خمس وأربعين ومائتين، وقد وهم وهما فاحشا، والصحيح أنه توفي في هذه السنة كما أرخه ابن الجوزي وغيره.
وفيها توفي: الجنيد بن محمد بن الجنيد أبو القاسم الخزاز، ويقال له القواريري، أصله من نهاوند، ولد ببغداد ونشأ بها.
وسمع الحديث من الحسين بن عرفة.
وتفقه بأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وكان يفتي بحضرته وعمره عشرون سنة، وقد ذكرناه في طبقات الشافعية، واشتهر بصحبة الحارث المحاسبي، وخاله سري السقطي، ولازم التعبد، ففتح الله عليه بسبب ذلك علوما كثيرة، وتكلم على طريقة الصوفية.
وكان ودده في كل يوم ثلثمائة ركعة، وثلاثين ألف تسبيحة.
ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى فراش، ففتح عليه من العلم النافع والعمل الصالح بأمور لم تحصل لغيره في زمانه، وكان يعرف سائر فنون العلم،
وإذا أخذ فيها لم يكن له فيها وقفة ولا كبوة، حتى كان يقول في المسألة الواحدة وجوها كثيرة لم تخطر للعلماء ببال، وكذلك في التصوف وغيره.
ولما حضرته الوفاة جعل يصلى ويتلوا القرآن، فقيل له: لو رفقت بنفسك في مثل هذا الحال ؟ فقال: لا أحد أحوج إلى ذلك مني الآن، وهذا أوان طي صحيفتي.
قال ابن خلكان: أخذ الفقه عن أبي ثور ويقال: كان يتفقه على مذهب سفيان الثوري، وكان ابن سريح يصحبه ويلازمه، وربما استفاد منه أشياء في الفقه لم تخطر له ببال، ويقال: إنه سأله مرة عن مسألة.
فأجابه فيها بجوابات كثيرة، فقال: يا أبا القاسم ألم أكن أعرف فيها سوى ثلاثة أجوبة مما ذكرت، فأعدها علي.
فأعادها بجوابات أخرى كثيرة.
فقال: والله ما سمعت هذا قبل اليوم، فأعده
فاعاده بجوابات أخرى غير ذلك، فقال له: لم أسمع بمثل هذا فأمله علي حتى أكتبه.
فقال الجنيد: لئن كنت أجريه فأنا أميله، أي إن الله هو الذي يجري ذلك على قلبي وينطق به لساني، وليس هذا مستفاد من كتب ولا من تعلم، إنما هذا من فضل الله عز وجل يلهمنيه ويجريه على لساني.
فقال: فمن أين استفدت هذا العلم ؟ قال: من جلوسي بين يدي الله اربعين سنة.
والصحيح أنه كان على مذهب سفيان الثوري وطريقه والله أعلم.
وسئل الجنيد عن العارف ؟ فقال: من نطق عن سرك وأنت ساكت.
وقال: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في مذهبنا وطريقتنا.
ورأى بعضهم معه مسبحة فقال له: أنت مع شرفك تتخذ مسبحة ؟ فقال: طريق وصلت به إلى الله لا أفارقه.
وقال له خاله السري: تكلم على الناس.
فلم ير نفسه موضعا.
فرأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: تكلم على الناس.
فغدا على خاله، فقال له: لم تسمع مني حتى قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فتكلم على الناس، فجاءه يوما شاب نصراني في صورة مسلم، فقال له: يا أبا القاسم ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " (1) ؟ فأطرق الجنيد، ثم رفع رأسه إليه وقال: أسلم فقد آن لك أن تسلم: قال فأسلم الغلام.
وقال الجنيد: ما انتفعت بشئ انتفاعي بأبيات سمعتها من جارية تغني بها في غرفة وهي تقول:
إذا قلت: أهدى الهجر لي حلل البلى * تقولين: لولا الهجر لم يطب الحب وإن قلت: هذا القلب أحرقه الجوى (2) * تقولين لي: إن الجوى شرف القلب وإن قلت: ما أذنبت، قالت (3) مجيبة: حياتك ذنب لا يقاس به ذنب قال: فصعقت وصحت، فخرج صاحب الدار فقال: يا سيدي مالك ؟ قلت: مما سمعت.
قال: هي هبة مني إليك.
فقلت: قد قبلتها وهي حرة لوجه الله.
ثم زوجتها لرجل، فأولدها ولدا صالحا حج على قدميه ثلاثين حجة.
وفيها توفي: سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور أبو عثمان الواعظ ولد بالري، ونشأ بها، ثم انتقل إلى نيسابور (4) فسكنها إلى أن مات بها، وقد دخل بغداد.
وكان
__________
(1) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، تفسير سورة (15) باب (6).
(2) في وفيات الاعيان 1 / 374: الهوى تقولي بنيران الهوى..(3) في الوفيات: قلت.
(4) ويعرف بأبي عثمان الحيري، (نسبة إلى الحيرة: بكسر الحاء - محلة كبيرة كانت بنيسابور وهي غير الحيرة التي =
يقال إنه مجاب الدعوة.
قال الخطيب: أخبرنا عبد الكريم بن هوازن قال: سمعت أبا عثمان يقول: منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حالة فكرهتها، ولانقلني إلى غيرها فسخطتها.
وكان أبو عثمان ينشد: أسأت ولم أحسن، وجئتك هاربا * وأين لعبد عن مواليه مهرب ؟ يؤمل غفرانا، فإن خاب ظنه * فما أحد منه على الارض أخيب وروى الخطيب أنه سئل: أي أعمالك أرجى عندك ؟ فقال: إني لما ترعرعت وأنا بالري وكانوا يريدونني على التزويج فامتنع، فجاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان قد أحببتك حبا أذهب نومي وقراري، وأنا أسألك بمقلب القلوب وأتوسل به إليك لما تزوجتني.
فقلت: ألك والد ؟ فقالت: نعم.
فأحضرته فاستدعى بالشهود فتزوجتها، فلما خلوت بها إذا هي عوراء عرجاء شوهاء - مشوهة الخلق - فقلت: اللهم لك الحمد على ما قدرته لي، وكان أهل بيتي يلومونني على تزويجي بها، فكنت أزيدها برا وإكراما، وربما احتبستني عندها ومنعتني من الحضور إلى بعض المجالس، وكأني كنت في بعض أوقاتي على الجمر وأنا لا أبدي لها من ذلك شيئا.
فمكثت كذلك خمس عشرة سنة، فما شئ أرجى عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي.
وفيها توفي: سمنون بن حمزة ويقال ابن عبد الله، أحد مشايخ الصوفية، كان ورده في كل يوم وليلة خمسمائة ركعة، وسمى نفسه سمنونا الكذاب لقوله: فليس لي في سواك حظ * فكيفما شئت فامتحني فابتلي بعسر البول فكان يطوف على المكاتب ويقول للصبيان: ادعوا لعمكم الكذاب.
وله كلام متين في المحبة، ووسوس في آخر عمره، وله كلام في المحبة مستقيم.
وفيها توفي: صافي الحربي كان من أكابر أمراء الدولة العباسية.
أوصى في مرضه أن ليس له عند غلامه القاسم شئ فلما
__________
= بالعراق) تزوج بابنة أبي حفص النيسابوري وتوطن نيسابور ومات بها.
(1) زيد في صفة الصفوة 4 / 105: فتركت حضور المجالس إيثارا لرضاها وحفظا لقلبها..
مات حمل غلامه القاسم إلى الوزير ألف دينار وسبعمائة وعشرين منطقة من الذهب مكللة، فاستمروا به على إمرته ومنزلته.
إسحاق بن حنين بن إسحاق أبو يعقوب العبادي (1) - نسبة إلى قبائل الجزيرة - الطبيب ابن الطبيب، له ولابيه مصنفات كثيرة
في هذا الفن، وكان أبوه يعرب كلام إرسططاليس وغيره من حكماء اليونان.
توفي في هذه السنة.
الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا أبو عبد الله الشيعي (2)، الذي أقام الدعوة للمهدي، وهو عبد الله بن ميمون (3) الذي يزعم أنه فاطمي وقد زعم غير واحد من أهل التاريخ أنه كان يهوديا صباغا بسلمية، والمقصود الآن: أن أبا عبد الله الشيعي دخل بلاد إفريقية وحده فقيرا لا مال له ولا رجال، فلم يزل يعمل الحيلة حتى انتزع الملك من يد أبي مضر (4) زيادة الله، آخر ملوك بني الاغلب على بلاد إفريقية، واستدعى حينئذ مخدومه المهدي من بلاد المشرق، فقدم فلم يخلص إليه إلا بعد شدائد طوال، وحبس في أثناء الطريق فاستنقذه هذا الشيعي وسلمه من الهلكة، فندمه أخوه أحمد وقال له: ماذا صنعت ؟ وهلا كنت استبددت بالامر دون هذا ؟ فندم وشرع يعمل الحيلة في المهدي، فاستشعر المهدي بذلك فدس إليهما من قتلهما في هذه السنة بمدينة رقادة من بلاد القيروان، من إقليم إفريقية.
هذا ملخص ما ذكره ابن خلكان.
ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائتين قال ابن الجوزي: وفيها ظهرت ثلاث كواكب مذنبة.
أحدها في رمضان، واثنان في ذى القعدة تبقى أياما ثم تضمحل.
وفيها وقع طاعون بأرض فارس مات فيه سبعة الاف إنسان.
وفيها غضب
__________
(1) العبادي: نسبة إلى عباد الحيرة وهم عدة بطون من قبائل شتى نزلوا الحيرة، وكانوا نصارى ينسب إليهم خلق كثير (وفيات الاعيان 1 / 206).
ذكره ابن الاثير فيمن توفي سنة 299 ه.
(2) من أهل صنعاء انتقل إلى مكة ثم إلى أرض كتامة حيث استقامت له الامور وأذعنت لسلطته قبائل البربر (ابن الاثير 8 / 33 ووفيات الاعيان 2 / 192).
(3) تمام نسبه في ابن الاثير: ابن محمد بن اسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو الذي ينسب إليه القداحية.
(4) من ابن الاثير.
وفي الاصل: نصر وهو تحريف وهو زيادة الله بن أبي العباس عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن الاغلب (ابن عذارى 1 / 134) .
الخليفة على الوزير علي بن محمد بن الفرات وعزله عن الوزارة وأمر بنهب داره فنهبت أقبح نهب، واستوزر أبا علي محمد (1) بن عبد الله بن يحيى بن خاقان، وكان قد التزم لام ولد المعتضد بمائة ألف دينار، حتى سعت في ولايته.
وفيها وردت هدايا كثيرة من الاقاليم من ديار مصر وخراسان وغيرها، من ذلك خمسمائة ألف دينار من مصر استخرجت من كنز وجد هناك من غير موانع كما يدعيه كثير من جهلة العوام وغيرهم من ضعيفي الاحلام، مكرا وخديعة ليأكلوا أموال الطغام والعوام أهل الطمع والآثام، وقد وجد في هذا الكنز ضلع إنسان طوله أربعة أشبار وعرضه شبر، وذكر أنه من قوم عاد فالله أعلم.
وكان من جملة هدية مصر تيس له ضرع يحلب لبنا.
ومن ذلك بساط أرسله ابن أبي الساج في جملة هداياه، طوله سبعون ذراعا وعرضه ستون ذراعا، عمل في عشر سنين لا قيمة له، وهدايا فاخرة أرسلها أحمد بن إسماعيل بن أحمد الساماني من بلاد خراسان كثيرة جدا وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك العباسي أمير الحجيج من مدة طويلة.
وفيها توفي من الاعيان: أحمد بن نصر بن إبراهيم: أبو عمرو الخفاف الحافظ.
كان يذاكر بمائة ألف حديث، سمع إسحاق بن راهويه وطبقته، وكان كثير الصيام سرده نيفا وثلاثين سنة، وكان كثير الصدقة، سأله سائل فأعطاه درهمين فحمد الله فجعلها خمسة، فحمد الله فجعلها عشرة، ثم ما زال يزيده ويحمد السائل الله حتى جعلها مائة.
فقال: جعل الله عليك واقية باقية فقال للسائل: والله لو لزمت الحمد لازيدنك ولو إلى عشرة آلاف درهم.
البهلول بن إسحاق بن البهلول ابن حسان بن سنان أبو محمد التنوخي، سمع إسماعيل بن أبي أويس، وسعيد بن منصور ومصعبا الزبيري وغيرهم، وعنه جماعة آخرهم أبو بكر الاسماعيلي الجرجاني الحافظ، وكان ثقة حافظا ضابطا بليغا فصيحا في خطبه.
توفي فيها عن خمس وتسعين سنة.
الحسين بن عبد الله بن أحمد: أبو علي الخرقي صاحب المختصر في الفقه على مذهب الامام أحمد بن حنبل.
كان خليفة للمروذي.
توفي يوم عيد الفطر ودفن عند قبر الامام أحمد بن حنبل.
__________
(1) في ابن الاثير 8 / 63: محمد بن يحيى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان.
وفي الطبري ومروج الذهب والفخري: محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان .
محمد بن إسماعيل: أبو عبد الله المغربي حج على قدميه سبعا وتسعين حجة، وكان يمشي في الليل المظلم حافيا كما يمشي الرجل في ضوء النهار، وكان المشاة يأتمون به فيرشدهم إلى الطريق، وقال: ما رأيت ظلمة منذ سنين كثيرة، وكانت قدماه مع كثرة مشيه كأنهما قدما عروس مترفة، وله كلام مليح نافع، ولما مات أوصى أن يدفن إلى جانب شيخه علي بن رزين، فهما على جبل الطور.
قال أبو نعيم: كان أبو عبد الله المغربي من المعمرين، توفي عن مائة وعشرين سنة، وقبره بجبل طور سينا عند قبر أستاذه على بن رزين.
قال أبو عبد الله: أفضل الاعمال عمارة الاوقاف (1).
وقال: الفقير هو الذي لا يرجع إلى مستند في الكون غير الالتجاء إلى من إليه فقره ليعينه بالاستعانة كما عزره بالافتقار إليه.
وقال: أعظم الناس ذلا فقير داهن غنيا وتواضع له، وأعظم الناس عزا غني تذلل لفقير أو حفظ حرمته.
محمد بن أبي بكر بن أبي خيثمة أبو عبد الله الحافظ ابن الحافظ كان أبوه يستعين به في جمع التاريخ، وكان فهما حاذقا حافظا، توفي في ذي القعدة منها..محمد بن أحمد بن كيسان النحوي أحد حفاظه والمكثرين منه، كان يحفظ طريقة البصريين والكوفيين معا.
قال ابن مجاهد: كان ابن كيسان أنحى من الشيخين المبرد وثعلب.
محمد بن يحيى أبو سعيد، سكن دمشق، روى عن إبراهيم بن سعد الجوهري، وأحمد بن منيع، وابن أبي شيبة وغيرهم، روى عنه أبو بكر النقاش وغيره، وكان محمد بن يحيى هذا يدعى بحامل كفنه، وذلك
ما ذكره الخطيب قال: بلغني أنه توفي فغسل وكفن وصلي عليه ودفن، فلما كان الليل جاء نباش ليسرق كفنه ففتح عليه قبره.
فلما حل عنه كفنه استوى جالسا وفر النباش هاربا من الفزع، ونهض محمد بن يحيى هذا فأخذ كفنه معه وخرج من القبر وقصد منزله فوجد أهله يبكون عليه، فدق عليهم الباب فقالوا: من هذا ؟ فقال: أنا فلان.
فقالوا: يا هذا لا يحل لك أن تزيدنا حزنا إلى حزننا.
فقال: افتحوا
__________
(1) في صفة الصفوة 4 / 336: أفضل الاعمال عمارة الاوقات في الموافقات .
والله أنا فلان، فعرفوا صوته فلما رأوه فرحوا به فرحا شديدا وأبدل الله حزنهم سرورا.
ثم ذكر لهم ما كان من أمره وأمر النباش.
وكأنه قد أصابته سكتة ولم يكن قد مات حقيقة فقدر الله بحوله وقوته أن بعث له هذا النباش ففتح عليه قبره، فكان ذلك سبب حياته، فعاش بعد ذلك عدة سنين، ثم كانت وفاته في هذه السنة.
فاطمة القهرمانة غضب عليها المقتدر مرة فصادرها، وكان في جملة ما أخذ منها مائتي ألف دينار ثم غرقت في طيارة لها في هذه السنة.
ثم دخلت سنة ثلثمائة من الهجرة فيها كثر ماء دجلة وتراكمت الامطار ببغداد، وتناثرت نجوم كثيرة في ليلة الاربعاء لسبع بقين من جمادى الآخرة.
وفيها كثرت الامراض ببغداد والاسقام وكلبت الكلاب حتى الذئاب بالبادية.
وكانت تقصد الناس بالنهار فمن عضته أكلبته (1).
وفيها انحسر جبل بالدينور يعرف بالتل فخرج من تحته ماء عظيم غرق عدة من القرى.
وفيها سقطت شرذمة - أي قطعة - من جبل لبنان إلى البحر.
وفيها حملت بغلة ووضعت مهرة، وفيها صلب الحسين بن منصور الحلاج وهو حي أربعة أيام، يومين في الجانب الشرقي، ويومين في الجانب الغربي، وذلك في ربيع الاول منها.
وحج بالناس أمير الحجيج المتقدم ذكره في السنين قبلها وهو الفضل بن عبد الملك الهاشمي العباسي أثابه الله وتقبل منه.
وفيها توفي من الاعيان:
الاحوص بن الفضل ابن معاوية بن خالد بن غسان أبو أمية الغلابي القاضي بالبصرة وغيرها، روى عن أبيه التاريخ، استتر مرة عنده ابن الفرات فلما أعيد إلى الوزارة ولاه قضاء البصرة والاهواز وواسط.
وكان عفيفا نزها، فلما نكب ابن الفرات قبض عليه نائب البصرة فأودعه السجن فلم يزل به حتى مات فيه فيها.
قال ابن الجوزي: ولا نعلم قاضيا مات في السجن سواه.
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ابن الحسين بن مصعب أبو أحمد الخزاعي، ولي إمرة بغداد.
وحدث عن الزبير بن بكار وعنه
__________
(1) في الطبري 11 / 407 وابن الاثير 8 / 74: أهلكته .
الصولي والطبراني، وكان أديبا فاضلا، ومن شعره: حق التنائي بين أهل الهوى * تكاتب يسخن عين النوى وفي التداني لا انقضى عمره * تزاور يشفي غليل الجوى واتفق له مرة أن جارية له مرضت فاشتهت ثلجا، وكانت حظية عنده، فلم يوجد الثلج إلا عند رجل، فساومه وكيله على رطل منه فامتنع من بيع إلا كل رطل بالعراقي بخمسة إلاف درهم - وذلك لعلم صاحب الثلج بحاجتهم إليه - فرجع الوكيل ليشاوره فقال: ويحك ! اشتره ولو بما عساه أن يكون، فرجع إلى صاحب الثلج فقال: لا أبيعه إلا بعشرة آلاف.
فأشتراه بعشرة آلاف ثم اشتهت الجارية ثلجا أيضا - وذلك لموافقته لها - فرجع فاشترى منه رطلا آخر بعشرة آلاف.
ثم آخر بعشرة آلاف وبقي عند صاحب الثلج رطلان فنطفت نفسه إلى أكل رطل منه ليقول: أكلت رطلا من الثلج بعشرة آلاف، فأكله وبقي عنده رطل فجاءه الوكيل فامتنع أن يبيعه الرطل إلا بثلاثين ألفا فاشتراه منه فشفيت الجارية وتصدقت بمال جزيل فاستدعى سيدها صاحب الثلج فأعطاه من تلك الصدقة مالا جزيلا فصار من أكثر الناس مالا بعد ذلك، واستخدمه ابن طاهر عنده والله أعلم.
وممن توفي في حدود الثلثمائة من الهجرة:
الصنوبري الشاعر وهو محمد بن أحمد بن محمد بن مراد أبو بكر الضبي الصنوبري الحنبلي.
قال الحافظ ابن عساكر: كان شاعرا محسنا.
وقد حكى عن علي بن سليمان الاخفش، ثم ذكر أشياء من لطائف شعره فمن ذلك قوله: لا النوم أدرى به ولا الارق * يدري بهذين من به رمق إن دموعي من طول ما استبقت * كلت فما تستطيع تستبق ولي ملك لم تبد صورته * مذ كان إلا صلت له الحدق نويت تقبيل نار وجنته * وخفت أدنو منها فأحترق وله أيضا: شمس غدا يشبه شمسا غدت * وخدها في النور من خده تغيب في فيه ولكنها * من بعد ذا تطلع في خده وقد روى الحافظ البيهقي عن شيخه الحاكم عن أبي الفضل نصر بن محمد الطوسي قال: أنشدنا أبو بكر الصنوبري فقال:
هدم الشيب ما بناه الشباب * والغواني ما عصين خضاب قلب الآبنوس عاجا * فللاعين منه والقلوب انقلاب وضلال في الرأي أن يشنأ ال * بازي على حسنه ويهوى الغراب وله أيضا وقد أورده ابن عساكر في ابن له فطم فجعل يبكي على ثديه: منعوه أحب شئ إليه * من جميع الورى ومن والديه منعوه غذاه ولقد كان * مباحا له وبين يديه عجبا له على صغر السن * هوى فاهتدى الفراق إليه إبراهيم بن أحمد بن محمد
ابن المولد، أبو إسحاق الصوفي الواعظ الرقي أحد مشايخها، روى الحديث وصحب أبا عبد الله بن الجلاء الدمشقي، والجنيد وغير واحد.
وروى عنه تمام بن محمد وأبو عبد الرحمن السلمي.
وقد أورد ابن عساكر من شعره قوله: لك مني على البعاد نصيب * لم ينله على الدنو حبيب وعلى الطرف من سواك حجاب * وعلى القلب من هواك رقيب زين في ناظري هواك وقلبي * والهوى فيه رائع ومشوب كيف يغنى قرب الطبيب عليلا * أنت أسقمته وأنت الطبيب وقوله: الصمت آمن من كل نازلة * من ناله نال أفضل الغنم ما نزلت بالرجال نازلة * أعظم ضرا من لفظة نعم عثرة هذا اللسان مهلكة * ليست لدينا كعثرة القدم احفظ لسانا يلقيك في تلف * فرب قول أذل ذا كرم ثم دخلت سنة إحدى وثلثمائة فيها غزا الحسين بن حمدان الصائفة ففتح حصونا كثيرة من بلاد الروم وقتل منها أمما لا يحصون كثرة.
وفيها عزل المقتدر محمد بن عبيد الله عن وزارته وقلدها عيسى بن علي (1) وكان من خيار الوزراء
__________
(1) في الطبري 11 / 407 والفخري ص 267 ومروج الذهب 4 / 342: علي بن عيسى بن داود بن الجراح.
ولخص الفخري وزارته بقوله: وكانت أيامه أحسن أيام وزير، وقال الصولي فيه: وما أعلم أنه وزر لبني =
وأقصدهم للعدل والاحسان، واتباع الحق.
وفيها كثرت الامراض الدموية ببغداد في تموز وآب، فمات من ذلك خلق كثير من أهلها.
وفيها وصلت هدايا صاحب عمان ومن جملتها بغلة بيضاء وغزال أسود.
وفي شعبان منها ركب المقتدر إلى باب الشماسية على الخيل ثم انحدر إلى داره في دجلة - وكانت أول ركبة ركبها جهرة للعامة - وفيها استأذن الوزير علي بن عيسى الخليفة المقتدر في مكاتبة رأس
القرامطة أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي فأذن له، فكتب كتابا طويلا يدعوه فيه إلى السمع والطاعة، ويوبخه على ما يتعاطاه من ترك الصلاة والزكاة وارتكاب المنكرات، وإنكارهم على من يذكر الله ويسبحه ويحمده، واستهزائهم بالدين واسترقاقهم الحرائر، ثم توعده الحرب وتهدده بالقتل، فلما سار بالكتاب نحوه قتل أبو سعيد قبل أن يصله، قتله بعض خدمه.
وعهد بالامر من بعده لولده سعيد، فغلبه على ذلك أخوه أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد، فلما قرأ كتاب الوزير أجابه بما حاصله: إن هذا الذي تنسب إلينا مما ذكرتم لم يثبت عندكم إلا من طريق من يشنع علينا، وإذا كان الخليفة ينسبنا إلى الكفر بالله فكيف يدعونا إلى السمع والطاعة له ؟ وفيها جئ الحسين بن منصور الحلاج إلى بغداد وهو مشهور على جمل وغلام له راكب جملا آخر، ينادي عليه: أحد دعاة القرامطة فاعرفوه، ثم حبس ثم جئ به إلى مجلس الوزير فناظره فإذا هو لا يقرأ القرآن ولا يعرف في الحديث ولا الفقه شيئا، ولا في اللغة ولا في الاخبار ولا في الشعر شيئا، وكان الذي نقم عليه: أنه وجدت له رقاع يدعو فيها الناس إلى الضلالة والجهالة بأنواع من الرموز، يقول في مكاتباته كثيرا: تبارك ذو النور الشعشعاني.
فقال له الوزير: تعلمك الطهور والفروض أجدى عليك من رسائل لا تدري ما تقول فيها، وما أحوجك إلى الادب.
ثم أمر به فصلب حيا صلب الاشتهار لا القتل، ثم أنزل فأجلس في دار الخلافة، فجعل يظهر لهم أنه على السنة، وأنه زاهد، حتى اغتر به كثير من الخدام وغيرهم من أهل دار الخلافة من الجهلة، حتى صاروا يتبركون به ويتمسحون بثيابه.
وسيأتي ما صار إليه أمره حين قتل بإجماع الفقهاء وأكثر الصوفية.
ووقع في هذه السنة في آخرها ببغداد وباء شديد جدا مات بسببه بشر كثير، ولا سيما بالحربية غلقت عامة دورها.
وحج بالناس فيها الامير المتقدم ذكره.
وفيها توفي من الاعيان: إبراهيم بن خالد الشافعي جمع العلم والزهد، وهو من تلاميذ أبي بكر الاسماعيلي.
جعفر بن محمد ابن الحسين (1) بن المستفاض أبو بكر الفريابي قاضي الدينور، طاف البلاد في طلب العلم،
__________
= العباس وزير يشبه علي بن عيسى..(1) في ابن الاثير 8 / 85 وتذكرة الحفاظ 1 / 692: الحسن .
وسمع الكثير من المشايخ الكثيرين، مثل قتيبة وأبي كريب وعلي بن المديني، وعنه أبو الحسين بن المنادي والنجاد وأبو بكر الشافعي وخلق، واستوطن بغداد وكان ثقة حافظا حجة، وكان عدة من يحضر مجلسه نحوا من ثلاثين ألفا، والمستملون عليه منهم فوق الثلاثمائة (1)، وأصحاب المحابر نحوا من عشرة آلاف.
توفي في المحرم منها عن أربع وتسعين سنة، وكان قد حفر لنفسه قبرا قبل وفاته بخمس سنين، وكان يأتيه فيقف عنده.
ثم لم يقض له الدفن فيه بل دفن بمكان آخر.
رحمه الله حيث كان.
أبو سعيد الجنابي القرمطي وهو الحسن بن بهرام قبحه الله رأس القرامطة، والذي يعول عليه في بلاد البحرين وما والاها (علي بن أحمد الراسبي) كان يلي بلاد واسط إلى شهرزور وغير ذلك، وقد خلف من الاموال شيئا كثيرا، فمن ذلك ألف ألف دينار، ومن آنية الذهب والفضة نحو مائة ألف دينار، ومن البقر ألف ثور، ومن الخيل والبغال والجمال ألف رأس.
محمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن أبي الشوارب يعرف بالاحنف.
كان قد ولي قضاء مدينة المنصور نيابة عن أبيه حين فلج، مات في جمادى الاولى منها.
وتوفي أبوه في رجب منها، بينهما ثلاث وسبعون يوما، ودفنا في موضع واحد.
وأبو بكر محمد بن هارون البردعي.
الحافظ بن ناجية (2) والله سبحانه وتعالى أعلم.
ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثمائة فيها ورد كتاب مؤنس الخادم بأنه قد أوقع بالروم بأسا شديدا، وقد أسر منهم مائة وخمسين بطريقا - أي أميرا - ففرح المسلمون بذلك.
وفيها ختن المقتدر خمسة من أولاده فغرم على ختانهم
ستمائة ألف دينار، وقد ختن قبلهم ومعهم خلقا من اليتامى وأحسن إليهم بالمال والكساوى، وهذا
__________
(1) في تذكرة الحفاظ: ثلاثمائة وستة عشر.
(2) أبو محمد عبد الله بن محمد بن ناجية بن نجبة البربري ثم البغدادي سمع سويد بن سعيد وعبد الواحد بن غياث وطبقتهما.
حدث عنه ابن الجعابي واسحاق النعالي ومحمد بن المظفر.
ثقة ثبت.
مات في رمضان (تذكرة الحفاظ 1 / 696) .
صنيع حسن إن شاء الله.
وفيها صادر المقتدر أبا علي بن الجصاص بستة عشر ألف ألف دينار (1) غير الآنية والثياب الثمينة.
وفيها أدخل الخليفة أولاده إلى المكتب وكان يوما مشهودا.
وفيها بنى الوزير المارستان بالحربية من بغداد، وأنفق عليه أموالا جزيلة، جزاه الله خيرا.
وحج بالناس فيها الفضل الهاشمي.
وقطعت الاعراب (2) وطائفة من القرامطة الطريقين على الراجعين من الحجيج، وأخذوا منهم أمولا كثيرة، وقتلوا منهم خلقا وأسروا أكثر من مائتي (3) امرأة حرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفيها توفي من الاعيان..بشر بن نصر بن منصور أبو القاسم الفقيه الشافعي، من أهل مصر يعرف بغلام عرق، وعرق خادم من خدام السلطان كان يلي البريد، فقدم معه بهذا الرجل مصر فأقام بها حتى مات بها.
بدعة جارية عريب المغنية، بذل لسيدتها فيها مائة ألف دينار وعشرون ألفا دينار من بعض من رغب فيها من الخلفاء فعرض ذلك عليها فكرهت مفارقة سيدتها، فأعتقتها سيدتها في موتها، وتأخرت وفاتها إلى هذه السنة، وقد تركت من المال العين والاملاك ما لم يملكه رجل.
القاضي أبو زرعه محمد بن عثمان الشافعي قاضي مصر ثم دمشق، وهو أول من حكم بمذهب الشافعي بالشام وأشاعه بها وقد كان أهل الشام على مذهب الاوزاعي من حين مات إلى هذه السنة.
وثبت على مذهب الاوزاعي بقايا كثيرون لم يفارقوه، وكان ثقة عدلا من سادات القضاة، وكان أصله من أهل الكتاب من اليهود، ثم أسلم
وصار إلى ما صار إليه.
وقد ذكرنا ترجمته في طبقات الشافعية.
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثمائة فيها وقف المقتدر بالله أموالا جزيلة وضياعا على الحرمين الشريفين، واستدعى بالقضاة والاعيان، وأشهدهم على نفسه بما وقفه من ذلك.
وفيها قدم إليه بجماعة من الاسرى من الاعراب الذين كانوا قد اعتدوا على الحجيج، فلم يتمالك العامة أن اعتدوا عليهم فقتلوهم، فأخذ بعضهم فعوقب لكونه افتات على السلطان.
وفيها وقع حريق شديد في سوق النجارين ببغداد فأحرق السوق
__________
(1) في ابن الاثير 8 / 86 ونهاية الارب 23 / 40: أربعة آلاف ألف دينار، وفي الطبري 12 / 25: ستة آلاف ألف دينار، وفي مروج الذهب 4 / 348: خمسة آلاف ألف وخمسمائة ألف دينار.
(2) في الطبري وابن الاثير: اعراب من الحاجر.
(3) في الطبري 11 / 409: مائتين وثمانين، وفي ابن الاثير 8 / 90: مائتين وخمسين .
بكماله، وفي ذي الحجة منها مرض المقتدر ثلاث عشر يوما، ولم يمرض في خلافته مع طولها إلا هذه المرضة.
وحج بالناس فيها الفضل الهاشمي، ولما خاف الوزير على الحجاج القرامطة كتب إليهم رسالة ليشغلهم بها، فاتهمه بعض الكتاب بمراسلته القرامطة، فلما انكشف أمره وما قصده حظي بذلك عند الناس جدا.
وممن توفي من الاعيان..النسائي أحمد بن علي ابن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار، أبو عبد الرحمن النسائي صاحب السنن، الامام في عصره والمقدم على أضرابه وأشكاله وفضلاء دهره، رحل إلى الآفاق، واشتغل بسماع الحديث والاجتماع بالائمة الحذاق، ومشايخه الذين روى عنهم مشافهة.
قد ذكرناهم في كتابنا التكميل وترجمناه أيضا هنالك، وروى عنه خلق كثير، وقد جمع السنن الكبير، وانتخب منه ما هو أقل حجما منه بمرات.
وقد وقع لي سماعهما.
وقد أبان في تصنيفه عن حفظ وإتقان وصدق وإيمان
وعلم وعرفان.
قال الحاكم عن الدار قطني: أبو عبد الرحمن النسائي مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره، وكان يسمي كتابه الصحيح.
وقال أبو علي الحافظ: للنسائي شرط في الرجل أشد من شرط مسلم بن الحجاج، وكان من أئمة المسلمين.
وقال أيضا: هو الامام في الحديث بلا مدافعة.
وقال أبو الحسين محمد بن مظفر الحافظ: سمعت مشايخنا بمصر يعترفون له بالتقدم والامامة، ويصفون من اجتهاده في العبادة بالليل والنهار ومواظبته على الحج والجهاد.
وقال غيره: كان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان له أربع زوجات وسريتان، وكان كثير الجماع، حسن الوجه مشرق اللون.
قالوا: وكان يقسم للاماء كما يقسم للحرائر.
وقال الدار قطني: كان أبو بكر بن الحداد كثير الحديث ولم يرو عن أحد سوى النسائي وقال: رضيت به حجة فيما بيني وبين الله عز وجل.
وقال ابن يونس: كان النسائي إماما في الحديث ثقة ثبتا حافظا، كان خروجه من مصر في سنة ثنتين وثلاثمائة.
وقال ابن عدي: سمعت منصورا الفقيه وأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي يقولان: أبو عبد الرحمن النسائي إمام من أئمة المسلمين، وكذلك أثنى عليه غير واحد من الائمة وشهدوا له بالفضل والتقدم في هذا الشأن.
وقد ولي الحكم بمدينة حمص.
سمعته من شيخنا المزي عن رواية الطبراني في معجمه الاوسط حيث قال: حدثنا أحمد بن شعيب الحاكم بحمص.
وذكروا أنه كان له من النساء أربع نسوة، وكان في غاية الحسن، وجهه كأنه قنديل، وكان يأكل في كل يوم ديكا ويشرب عليه نقيع الزبيب الحلال، وقد قيل عنه: إنه كان ينسب إليه شئ من التشيع.
قالوا: ودخل إلى دمشق فسأله أهلها أن يحدثهم بشئ من فضائل معاوية فقال: أما يكفي معاوية أن يذهب رأسا برأس حتى يروى له فضائل ؟ فقاموا إليه فجعلوا يطعنون في خصيتيه (1) حتى أخرج من
__________
(1) في رواية 1 / 77: يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد .
المسجد الجامع، فسار من عندهم إلى مكة فمات بها في هذه السنة، وقبره بها هكذا حكاه الحاكم عن محمد بن إسحاق الاصبهاني عن مشايخه.
وقال الدار قطني: كان أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح من السقيم من الآثار، وأعرفهم بالرجال، فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه فخرج إلى
الرملة، فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه فضربوه في الجامع، فقال: أخرجوني إلى مكة، فأخرجوه وهو عليل، فتوفي بمكة مقتولا شهيدا، مع ما رزق من الفضائل رزق الشهادة في آخر عمره، مات بمكة سنة ثلاث وثلاثمائة.
قال الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الغني بن نقطة في تقييده ومن خطه نقلت ومن خط أبي عامر محمد بن سعدون العبدري الحافظ: مات أبو عبد الرحمن النسائي بالرملة مدينة فلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة، ودفن ببيت المقدس.
وحكى ابن خلكان: أنه توفي في شعبان من هذه السنة، وأنه إنما صنف الخصائص في فضل علي وأهل البيت، لانه رأى أهل دمشق حين قدمها في سنة ثنتين وثلاثمائة عندهم نفرة من علي، وسألوه عن معاوية فقال ما قال، فدققوه في خصيتيه فمات.
وهكذا ذكر ابن يونس وأبو جعفر الطحاوي: إنه توفي بفلسطين في صفر من هذه السنة، وكان مولده في (1) سنة خمس عشرة أو أربع عشرة ومائتين تقريبا عن قوله، فكان عمره ثمانيا وثمانين سنة.
الحسن بن سفيان ابن عامر بن عبد العزيز بن النعمان بن عطاء، أبو العباس الشيباني النسوي، محدث خراسان، وقد كان يضرب إليه آباط الابل في معرفة الحديث والفقه.
رحل إلى الآفاق وتفقه على أبي ثور، وكان يفتي بمذهبه، وأخذ الادب عن أصحاب النضر بن شميل، وكانت إليه الرحلة بخراسان.
ومن غريب ما اتفق له: أنه كان هو وجماعة من أصحابه بمصر في رحلتهم إلى الحديث، فضاق عليهم الحال حتى مكثوا ثلاثة أيام لا يأكلون فيها شيئا، ولا يجدون ما يبيعونه للقوت، واضطرهم الحال إلى تجشم السؤال، وأنفت أنفسهم من ذلك وعزت عليهم وامتنعت كل الامتناع، والحاجة تضطرهم إلى تعاطي ذلك، فاقترعوا فيما بينهم أيهم يقوم بأعباء هذا الامر، فوقعت القرعة على الحسن بن سفيان هذا، فقام عنهم فاختلى في زاوية المسجد الذي هم فيه فصلى ركعتين أطال فيهما واستغاث بالله عز وجل، وسأله بأسمائه العظام، فما انصرف من الصلاة حتى دخل عليهم المسجد شاب حسن الهيئة مليح الوجه فقال: أين الحسن بن سفيان ؟ فقلت: أنا.
فقال: الامير طولون يقرأ عليكم السلام ويعتذر إليكم في تقصيره عنكم، وهذه مائة دينار لكل واحد منكم.
فقلنا
له: ما الحامل له على ذلك ؟ فقال: إنه أحب أن يختلي اليوم بنفسه، فبينما هو الآن نائم إذ جاءه فارس في الهواء بيده رمح فدخل عليه منزله ووضع عقب الرمح في خاصرته فوكزه وقال: قم فأدرك
__________
(1) ولد في نسأ وهي مدينة بخراسان خرج منها جماعة من الاعيان .
الحسن بن سفيان وأصحابه، قم فأدركهم، قم فأدركهم، فإنهم منذ ثلاث جياع في المسجد الفلاني.
فقال له: من أنت ؟ فقال أنا رضوان خازن الجنة.
فاستيقظ الامير وخاصرته تؤلمه ألما شديدا، فبعث بالنفقة في الحال إليكم.
ثم جاء لزيارتهم واشترى ما حول ذلك المجلس ووقفه على الواردين عليه من أهل الحديث، جزاه الله خيرا.
وقد كان الحسن بن سفيان رحمه الله من أئمة هذا الشأن وفرسانه وحفاظه، وقد اجتمع عنده جماعة من الحفاظ منهم ابن جرير الطبري وغيره، فقرأوا عليه شيئا من الحديث وجعلوا يقلبون الاسانيد ليستعلموا ما عنده من العلم فما قلبوا شيئا من الاسناد إلا ردهم فيه إلى الصواب، وعمره إذ ذاك سبعون سنة، وهو في هذا السن حافظ ضابط لا يشذ عنه شئ من حديثه.
ومن فوائده العبسي كوفي، والعيشي بصري، والعنسي مصري (1).
رويم بن أحمد ويقال ابن محمد بن رويم بن يزيد، أبو الحسن، ويقال أبو محمد، أحد أئمة الصوفية، كان عالما بالقرآن ومعانيه، وكان يتفقه على مذهب داود بن علي الظاهري، قال بعضهم: كان رويم يكتم حب الدنيا أربعين سنة، ومعناه أنه تصوف أربعين سنة، ثم لما ولي إسماعيل بن إسحاق القضاء ببغداد جعله وكيلا في بابه، فترك التصوف ولبس الخز والقصب والديبقي وركب الخيل وأكل الطيبات وبنى الدور.
زهير بن صالح بن الامام أحمد بن حنبل روى عن أبيه وعنه أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد، كان ثقة، مات وهو شاب، قاله الدار قطني.
أبو علي الجبائي
شيخ المعتزلة، واسمه محمد بن عبد الوهاب أبو علي الجبائي شيخ طائفة الاعتزال في زمانه، وعليه اشتغل أبو الحسن الاشعري ثم رجع عنه، وللجبائي تفسير حافل مطول، له فيه اختيارات غريبة في التفسير، وقد رد عليه الاشعري فيه وقال: وكأن القرآن نزل في لغة أهل جباء (2).
كان مولده في سنة خمس وثلاثين ومائتين، ومات في هذه السنة.
__________
(1) مات في رمضان بقرية بالور وهي على ثلاثة فراسخ من نسأ - إحدى مدن خراسان.
(2) كذا بالاصل، وفي معجم البلدان جبى بالضم والتشديد والقصر: بلد أو كورة من عمل خوزستان.
وفي ابن خلكان عن ابن حوقل: جبى: مدينة ورستاق عريض مشتبك العمائر بالنخل وقصب السكر وغيرهما .
أبو الحسن بن بسام الشاعر واسمه علي بن أحمد (1) بن منصور (2) بن نصر بن بسام البسامي الشاعر المطبق للهجاء، فلم يترك أحدا حتى هجاه، حتى أباه وأمه أمامة بنت حمدون النديم.
وقد أورد له ابن خلكان أشياء كثيرة من شعره، فمن ذلك قوله في تخريب المتوكل قبر الحسين بن علي وأمره بأن يزرع ويمحى رسمه، وكان شديد التحامل على علي وولده.
فلما وقع ما ذكرناه في سنة ست وثلاثين ومائتين.
قال ابن بسام هذا في ذلك: تالله إن كانت أمية قد أتت * قتل ابن بنت نبيها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه بمثله * هذا لعمرك قبره مهدوما أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا * في قتله فتتبعوه رميما ثم دخلت سنة أربع وثلاثمائة فيها (3) عزل المقتدر وزيره أبا الحسن علي بن عيسى بن الجراح، وذلك لانه وقعت بينه وبين أم موسى القهرمانة نفرة شديدة، فسأل الوزير أن يعفى من الوزارة فعزل ولم يتعرضوا لشئ من أملاكه.
وطلب أبو الحسن بن الفرات فأعيد إلى الوزارة بعد عزله عنها خمس سنين، وخلع عليه
الخليفة يوم التروية سبع خلع، وأطلق إليه ثلاثمائة ألف درهم، وعشرة تخوت ثياب، ومن الخيل والبغال والجمال شئ كثير، وأقطع الدار التي بالحريم فسكنها، وعمل فيها ضيافة تلك الليلة فسقى فيها أربعين ألف رطل من الثلج، وفي نصف هذه السنة اشتهر ببغداد أن حيوانا يقال له الزرنب (4) يطوف بالليل يأكل الاطفال من الاسرة ويعدو على النيام فربما قطع يد الرجل وثدي المرأة وهو نائم.
فجعل الناس يضربون على أسطحتهم على النحاس من الهواوين وغيرها ينفرونه عنهم، حتى كانت بغداد بالليل ترتج من شرقها وغربها، واصطنع الناس لاولادهم مكبات من السعف وغيرها، واغتنمت اللصوص هذه الشوشة فكثرت النقوب وأخذت الاموال، فأمر الخليفة بأن يؤخذ حيوان من كلاب الماء فيصلب على الجسر ليسكن الناس عن ذلك، ففعلوا فسكن الناس ورجعوا إلى أنفسهم، واستراح الناس من ذلك.
وفيها قلد ثابت بن سنان الطبيب أمر المارستان ببغداد في هذه السنة، وكانت خمسا، وكان هذا الطبيب مؤرخا.
وفيها ورد كتاب من خراسان بأنهم وجدوا قبور
__________
(1) في مروج الذهب 4 / 333 ووفيات الاعيان 3 / 363: محمد.
(2) سقطت من سلسلة نسبه في مروج الذهب.
(3) في مروج الذهب 4 / 342: يوم الاثنين لثمان خلون من ذي الحجة، وفي ابن الاثير 8 / 98: في ذي الحجة.
(4) في ابن الاثير 8 / 105: زبزب.
والزبزب دابة كالسنور قاله في العباب .
شهداء قد قتلوا في سنة سبعين من الهجرة مكتوبة أسماؤهم في رقاع مربوطة في آذانهم، وأجسادهم طرية كما هي، رضي الله عنهم.
وفيها توفي من الاعيان..لبيد بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن صالح ابن عبد الله بن الحصين بن علقمة بن نعيم بن عطارد بن حاجب، أبو الحسن التميمي الملقب فروجة، قدم بغداد وحدث بها، وكان ثقة حافظا.
يوسف بن الحسين بن علي أبو يعقوب الرازي، سمع أحمد بن حنبل وصحب ذا النون، وكان قد بلغه أن ذا النون يحفظ اسم الله الاعظم فقصده ليعلمه إياه، قال: فلما وردت عليه استهان بي وكانت لي لحية طويلة ومعي ركوة طويلة.
فجاء رجل يوما فناظر ذا النون فأسكت ذا النون، فقلت له: دع الشيخ وأقبل علي.
فأقبل فناظرته فأسكته، فقام ذو النون فجلس بين يدي وهو شيخ وأنا شاب، ثم اعتذر إلي.
فخدمته سنة ثم سألته أن يعلمني الاسم الاعظم، فلم يبعد مني ووعدني، فمكثت عنده بعد ذلك ستة أشهر، ثم أخرج إلى طبقا عليه مكبة مستورا بمنديل، فقال لي: اذهب بهذا الطبق إلى صاحبنا فلان، قال: فجعلت أفكر في الطريق ما هذا الذي أرسلني به ؟ فلما وصلت الجسر فتحته فإذا فأرة ففرت وذهبت، فأغتظت غيظا شديدا، وقلت: ذو النون سخر بي، فرجعت إليه وأنا حنق فقال لي: ويحك إنما أختبرتك، فإذا لم تكن أمينا على فأرة فأن لا تكون أمينا على الاسم الاعظم بطريق الاولى، اذهب عني فلا أراك بعدها.
وقد رئي أبو الحسين الرازي هذا في المنام بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك ؟ فقال: غفر لي بقولي عند الموت: اللهم إني نصحت الناس قولا وخنت نفسي فعلا.
فهب خيانة فعلي لنصح قولي (1).
يموت بن المزرع بن يموت أبو بكر العبدي بن عبد القيس، وهو ثوري، وهو ابن أخت الجاحظ.
قدم بغداد وحدث بها عن أبي عثمان المازني وأبي حاتم السجستاني، وأبي الفضل الرياشي (2)، وكان صاحب أخبار وآداب
__________
(1) في رواية لابن الجوزي: قيل له وهو يجود بنفسه يا أبا يعقوب قل شيئا.
فقال: اللهم إني نصحت خلقك ظاهرا وغششت نفسي باطنا، فهب لي غشي لنفسي، لنصحي لخلقك.
ثم خرجت روحه.
(2) روى عنه أبو بكر الخرائطي وأبو الميمون بن راشد والعباس بن محمد الرقي وأبو بكر بن مجاهد .
وملح وقد غير اسمه بمحمد فلم يغلب عليه إلا الأول، وكان إذا ذهب يعود مريضا فدق الباب فقالوا: من ؟ فيقول ابن المزرع ولا يذكر اسمه لئلا يتفاءلوا به (1).
ثم دخلت سنة خمس وثلاثمائة فيها قدم رسول (2) ملك الروم في طلب المفاداة والهدنة، وهو شاب حدث السن، ومعه شيخ منهم وعشرون غلاما، فلما قدم بغداد شاهد أمرا عظيما جدا، وذلك أن الخليفة أمر الجيش والناس بالاحتفال بذلك ليشاهد ما فيه إرهاب الاعداء، فركب الجيش بكماله وكان مائة ألف وستين ألفا، ما بين فارس وراجل، غير العساكر الخارجة في سائر البلاد مع نوابها، فركبوا في الاسلحة والعدد التامة، وغلمان الخليفة سبعة آلاف، أربعة آلاف بيض، وثلاثة آلاف سود، وهم في غاية الملابس والعدد والحلي، والحجبة يومئذ سبعمائة حاجب، وأما الطيارات التي بدجلة والزيارب والسمريات فشئ كثير مزينة، فحين دخل الرسول دار الخلافة انبهر وشاهد أمرا أدهشه، ورأى من الحشمة والزينة والحرمة ما يبهر الابصار، وحين اجتاز بالحاجب ظن أنه الخليفة فقيل له: هذا الحاجب، فمر بالوزير في أبهته فظنه الخليفة فقيل له: هذا الوزير.
وقد زينت دار الخلافة بزينة لم يسمع بمثلها، كان فيها من الستور يومئذ ثمانية وثلاثون ألف ستر، منها عشرة آلاف وخمسمائة ستر مذهبة، وقد بسط فيها اثنان وعشرون ألف بساط لم ير مثلها، وفيها من الوحوش قطعان متآنسة بالناس، تأكل من أيديهم ومائة سبع من السباعة، ثم أدخل إلى دار الشجرة، وهي عبارة عن بركة فيها ماء صاف وفي وسط ذلك الماء شجرة من ذهب وفضة لها ثمانية عشر غصنا أكثرها من ذهب، وفي الاغصان الشماريخ والاوراق الملونة من الذهب والفضة والآلي واليواقيت، وهي تصوت بأنواع الاصوات من الماء المسلط عليها، والشجرة بكمالها تتمايل كما تتمايل الاشجار بحركات عجيبة تدهش من يراها، ثم أدخل إلى مكان يسمونه الفردوس، فيه من أنواع المفارش والآلات ما لا يحد ولا يوصف كثرة وحسنا.
وفي دهاليزه ثمانية عشر ألف جوشن مذهبة.
فما زال كلما مر على مكان أدهشه وأخذ ببصره حتى انتهى إلى المكان الذي فيه الخليفة المقتدر بالله، وهو جالس على سرير من آبنوس، قد فرش بالديبقى المطرز بالذهب، وعن يمين السرير سبعة عشر عنقود معلقة، وعن يساره مثلها وهي جوهر من أفخر الجواهر، كل جوهرة يعلو ضوؤها على ضوء النهار، ليس لواحدة منها قيمة ولا يستطاع ثمنها، فأوقف الرسول الذين معه بين يدي الخليفة على نحو من مائة ذراع، والوزير علي بن
محمد بن الفرات واقف بين يدي الخليفة، والترجمان دون الوزير، والوزير يخاطب الترجمان والترجمان
__________
(1) مات بدمشق وهو في عشر الثمانين، وقيل بطبرية الشام (وفيات الاعيان 7 / 58).
(2) في ابن الاثير 8 / 107: رسولان.
قال ابن العبري في تاريخ الزمان ص 51: سفيران أحدهما شيخ وثانيهما فتى.
يخاطبهما، فلما فرغ منهما خلع عليهما وأطلق لهما خمسين سقرقا في كل سقرق خمسة آلاف درهم، وأخرجا من بين يديه وطيف بهما في بقية دار الخلافة، وعلى حافات دجلة الفيلة والزرافات والسباع والفهود وغير ذلك، ودجلة داخلة في دار الخلافة، وهذا من أغرب ما وقع من الحوادث في هذه السنة.
وحج بالناس فيها الفضل الهاشمي.
وفيها توفي من الاعيان..محمد بن أحمد أبو موسى النحوي الكوفي المعروف بالجاحظ، صحب ثعلبا أربعين سنة خلفه في حلقته، وصنف غريب الحديث، وخلق الانسان، والوحوش والنبات، وكان دينا صالحا، روى عنه أبو عمر الزاهد.
توفي ببغداد في ذي الحجة منها، ودفن بباب التين.
وعبد الله شيرويه (1) الحافظ، وعمران بن مجاشع (2)، وأبو خليفة الفضل بن الحباب (3).
وقاسم بن زكريا بن يحيى المطرز المقري أحد الثقات الاثبات، سمع أبا كريب، وسويد بن سعيد، وعنه الخلدي وأبو الجعابي توفي ببغداد...ثم دخلت سنة ست وثلاثمائة في أول يوم من المحرم فتح المارستان الذي بنته السيدة أم المقتدر وجلس فيه سنان بن ثابت ورتبت فيه الاطباء والخدم والقومة، وكانت نفقته في كل شهر ستمائة دينار، وأشار سنان على الخليفة ببناء مارستان، فقبل منه وبناه وسماه المقتدري.
وفيها وردت الاخبار عن أمراء الصوائف بما فتح الله عليهم من الحصون في بلاد الروم.
وفيها رجفت العامة وشنعوا بموت المقتدر، فركب في الجحافل حتى بلغ الثريا ورجع من باب العامة ووقف كثيرا ليراه الناس، ثم ركب إلى الشماسية وانحدر إلى
دار الخلافة في دجلة فسكنت الفتن.
وفيها قلد المقتدر حامد بن العباس الوزارة وخلع عليه وخرج من عنده وخلفه أربعمائة غلام لنفسه، فمكث أياما (4) ثم تبين عجزه عن القيام بالامور فأضيف إليه
__________
(1) من تذكرة الحفاظ 1 / 705، وفي الاصل بشرويه.
وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن شيرويه بن أسد القرشي المطلبي النيسابوري، أبو محمد الحافظ الفقيه.
سمع إسحاق بن راهويه وأحمد بن منيع وطبقتهما صنف التصانيف.
وهو ثقة باتفاق مات وهو في عشر التسعين.
(2) وهو عمران بن موسى بن مجاشع الجرجاني، أبو إسحاق الحافظ الثقة.
محدث جرجان.
سمع هدبة بن خالد وإبراهيم بن المنذر الحزامي وغيرهما.
توفي في رجب وهو في عشر المائة.
(3) أبو خليفة، الجمحي البصري، كان محدثا متقنا ثبتا إخباريا عالما مات وله مائة سنة إلا شهورا (4) في مروج الذهب 4 / 342: في اليوم الثاني من وزارته اطلق علي بن عيسى وفوضت إليه الامور، وقبض على =
علي بن عيسى لينفذ الامور وينظر معه في الاعمال، وكان أبو علي بن مقلة ممن يكتب أيضا بحضرة حامد بن العباس الوزير، ثم صارت المنزلة كلها لعلي بن عيسى، واستقل بالوزارة في السنة الآتية (1).
وفيها أمرت السيدة أم المقتدر قهرمانة لها تعرف بتملي (2) أن تجلس بالتربة التي بنتها بالرصافة في كل يوم جمعة وأن تنظر في المظالم التي ترفع إليها في القصص، ويحضر في مجلسها القضاة والفقهاء.
وحج بالناس فيها الفضل الهاشمي (3).
وفيها توفي: إبراهيم بن أحمد بن الحارث أبو القاسم الكلابي الشافعي، سمع الحارث بن مسكين وغيره، وكان رجلا صالحا، تفقه على مذهب الشافعي وكان يحب الخلوة والانقباض، توفي في شعبان منها.
أحمد بن الحسن الصوفي أحد مشايخ الحديث المكثرين المعمرين (4) أحمد بن عمر بن سريج (5) أبو العباس القاضي بشيراز، صنف نحو أربعمائة مصنف، وكان أحد أئمة الشافعية،
ويلقب بالباز الاشهب، أخذ الفقه عن أبي قاسم الانماطي وعن أصحاب الشافعي، كالمزني وغيره، وعنه انتشر مذهب الشافعي في الآفاق، وقد ذكرنا ترجمته في الطبقات.
توفي في جمادي الاولى منها عن سبع وخمسين سنة وستة أشهر.
قال ابن خلكان: توفي يوم الاثنين الخامس والعشرين من ربيع الاول وعمره سبع وخمسون سنة وثلاث أشهر، وقبره يزار.
أحمد بن يحيى أبو عبد الله الجلاء بغدادي، سكن الشام وصحب أبا تراب النخشبي، وذا النون المصري،
__________
= حامد بن العباس.
وقال الفخري ص 268: ضمه إليه وجعله كالنائب له - وكان اسم الوزارة لحامد وحقيقتها لعلي بن عيسى.
(1) انظر الحاشية السابقة، وفي الفخري: كان علي بن عيسى هو الوزير على الحقيقة، ثم عزل حامد واستوزر المقتدر بعده علي بن الفرات.
(2) في الوزراء للصابئ ص 48: ثمل، وفي مآثر الاناقة 1 / 276: شمل.
(3) في مروج الذهب 4 / 459: أحمد بن العباس بن محمد بن عيسى بن سليمان بن محمد بن إبراهيم الامام.
(4) روى عن علي بن الجعد ويحيى بن معين وجماعة وكان ثقة.
مات عن نيف وتسعين سنة.
(5) في ابن الاثير 8 / 115: شريح .
روى أبو نعيم بسنده عنه قال: قلت لابوي وأنا شاب: إني أحب أن تهباني لله عز وجل.
فقالا: قد وهبناك لله.
فغبت عنهما مدة طويلة ثم رجعت إلى بلدنا عشاء في ليلة مطيرة، فانتهيت إلى الباب فدفعته فقالا: من هذا ؟ فقلت: أنا ولدكما فلان، فقالا: إنه قد كان لنا ولد ووهبناه لله عز وجل، ونحن من العرب لا نرجع فيما وهبنا.
ولم يفتحا لي الباب.
الحسن بن يوسف بن إسماعيل بن حماد بن زيد القاضي أبو يعلى، وهو أخو القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، كان إليه ولاية القضاء بالاردن.
عبد الله بن أحمد بن موسى بن زياد أبو محمد الجواليقي القاضي، المعروف بعبدان، الاهوازي، ولد سنة ست عشرة ومائتين، كان أحد الحفاظ الاثبات، يحفظ مائة ألف حديث، جمع المشايخ والابواب، روى عن هدبة وكامل بن طلحة وغيرهم، وعنه ابن صاعد والمحاملي وغيرهم.
محمد بن بابشاذ أبو عبيد الله البصري سكن بغداد وحدث بها عن عبيد الله بن معاذ العنبري وبشر بن معاذ العقدي وغيرهما، وفي حديثه غرائب ومناكير.
توفي في شوال منها.
محمد بن الحسين بن شهريار أبو بكر القطان البلخي الاصل، روى عن الفلاس وبشر بن معاذ.
وعنه أبو بكر الشافعي ومحمد بن عمر بن الجعابي.
كذبه ابن ناجية.
وقال الدار قطني: ليس به بأس.
محمد بن خلف بن حيان بن صدقة بن زياد أبو بكر الضبي القاضي المعروف بوكيع، كان عالما فاضلا عارفا بأيام الناس، فقيها قارئا نحويا، له مصنفات منها كتاب عدد آي القرآن ولي القضاء بالاهواز.
وحدث عن الحسن بن عرفة والزبير بن بكار وغيرهما، وعنه أحمد بن كامل وأبو علي الصواف وغيرهما.
ومن شعره الجيد إذا ما غدت طلابة العلم تبتغي * من العلم يوما ما يخلد في الكتب غدوت بتشمير وجد عليهم * ومحبرتي أذني ودفترها قلبي
منصور بن إسماعيل بن عمر أبو الحسن الفقير، أحد أئمة الشافعية، وله مصنفات في المذهب، وله الشعر الحسن.
قال ابن الجوزي: ويظهر في شعره التشيع، وكان جنديا ثم كف بصره وسكن الرملة، ثم قدم مصر ومات بها.
أبو نصر المحب
أحد مشايخ الصوفية، كان له كرم وسخاء ومروءة، ومر بسائل سأل وهو يقول: شفيعي إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشق أبو نصر إزاره وأعطاه نصفه، ثم مشى خطوتين ثم رجع إليه فأعطاه النصف الاخر وقال: هذا نذالة.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثمائة في صفر منها وقع حريك بالكرخ في الباقلانتين، هلك فيه خلق كثير من الناس.
وفي ربيع الآخر منها دخل بأسارى من الكرخ نحو مائة وخمسين أسيرا أنقذهم الامير بدر الحماني.
وفي ذي القعدة منها انقض كوكب عظيم غالب الضوء وتقطع ثلاث قطع (1)، وسمع بعد انقضاضه صوت رعد شديد هائل من غير غيم.
ذكره ابن الجوزي.
وفيها دخلت القرامطة إلى البصرة فأكثروا فيها الفساد.
وفيها عزل حامد بن العباس عن الوزارة وأعيد إليها أبو الحسن بن الفرات المرة الثالثة.
وفيها كسرت العامة أبواب السجون فأخرجوا من كان بها وأدركت الشرطة من أخرجوا من السجن فلم يفتهم أحد منهم بل ردوا إلى السجون.
وحج بالناس فيها أحمد بن العباس أخو أم موسى القهرمانة (2).
وفيها توفي من الاعيان..أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي صاحب المسند المشهور، سمع الامام أحمد بن حنبل وطبقته، وكان حافظا خيرا حسن التصنيف عدلا فيما يرويه، ضابطا لما يحدث به.
__________
(1) في ابن الاثير 8 / 121: تفرق ثلاث فرق.
(2) وهي أم موسى الهاشمية قهرمانة شغب أم المقتدر بالله .
إسحاق بن عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله بن سلمة أبو يعقوب البزار الكوفي، رحل إلى الشام ومصر، وكتب الكثير وصنف المسند، واستوطن بغداد، وكان من الثقات، روى عنه ابن المظفر الحافظ، قدم بغداد روى عنه الطبراني والازدي
وغيرهما من الحفاظ، وكان ثقة حافظا عارفا.
توفي بحلب في هذه السنة.
زكريا بن يحيى الساجي الفقيه المحدث شيخ أبي الحسن الاشعري في السنة والحديث.
علي بن سهل بن الازهر أبو الحسن الاصبهاني، كان أولا مترفا ثم صار زاهدا عابدا يبقى الايام لا يأكل فيها شيئا، وكان يقول: ألهاني الشوق إلى الله عن الطعام والشراب.
وكان يقول: أنا لا أموت كما يموتون بالاعلال والاسقام، إنما هو دعاء وإجابة، أدعى فأجيب.
فكان كما قال، بينما هو جالس في جماعة إذ قال: لبيك ووقع ميتا.
محمد بن هارون الروياني (1) صاحب المسند.
وابن دريج (2) العكبري.
والهيثم بن خلف (3).
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثمائة فيها غلت الاسعار في هذه السنة ببغداد فاضطربت العامة وقصدوا دار حامد بن العباس الذي ضمن براثى من الخليفة فغلت الاسعار بسبب ذلك، وعدوا في ذلك اليوم - وكان يوم الجمعة - على الخطيب، فمنعوه الخطبة وكسروا المنابر وقتلوا الشرطة وحرقوا جسورا كثيرة، فأمر الخليفة بقتال العامة ثم نقض الضمان الذي كان حامد بن العباس ضمنه فانحطت الاسعار، وبيع الكر بناقص خسمة دنانير، فطابت أنفس الناس بذلك وسكنوا (4).
وفي تموز منها وقع برد شديد جدا حتى نزل الناس عن الاسطحة وتدثروا باللحف والاكسية، ووقع في شتاء هذه السنة بلغم عظيم، وكان فيها
__________
(1) الحافظ الامام أبو بكر حدث عن أبي كريب وطبقته وله تصانيف في الفقه وكان من الثقات.
(2) في تاريخ بغداد ذريح، وهو أبو جعفر محمد بن صالح بن ذريح المحدث روى عن جبارة بن المغلس وطائفة.
(3) أبو محمد روى عن عبيد الله بن عمر القواريري وطبقته وجمع وصنف وكان ثقة.
(4) في ابن الاثير 8 / 116 - 117 ذكر الخبر في حوادث سنة 307 ه.
وقال: وكان أصحاب حامد يقولون إن ذلك الشغب كان بوضع من علي بن عيسى .
برد شديد جدا بحيث أضر ذلك ببعض النخيل.
وحج بالناس فيها أحمد بن العباس أخو القهرمانة.
وفيها توفي من الاعيان.
إبراهيم بن سفيان الفقيه راوي صحيح مسلم عنه.
أحمد بن الصلت ابن المغلس أبو العباس الحماني أحد الوضاعين للاحاديث، روى عن خاله جبارة بن المغلس وأبي نعيم ومسلم بن إبراهيم، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي عبيد القاسم بن سلام وغيرهم: أحاديث كلها وضعها هو في مناقب أبي حنيفة وغير ذلك.
وحكى عن يحيى بن معين وعلي بن المديني وبشر بن الحارث أخبارا كلها كذب.
قال أبو الفرج بن الجوزي: قال لي محمد بن أبي الفوارس: كان أحمد بن الصلت يضع الحديث.
إسحاق بن أحمد الخزاعي (1).
والمفضل الجندي (2).
وعبد الله بن محمد بن وهب الدينوري (3).
و عبد الله بن ثابت بن يعقوب أبو عبد الله المقري النحوي التوزي، سكن بغداد، وروى عن عمرو بن شبة، وعنه أبو عمرو بن السماك.
ومن شعره الجيد: إذا لم تكن حافظا واعيا * فعلمك في البيت لا ينفع وتحضر بالجهل في مجلس * وعلمك في الكتب مستودع ومن يك في دهره هكذا * يكن دهره القهقرى يرجع
__________
(1) أبو محمد، مقرئ أهل مكة وصاحب البزي توفي في رمضان وهو في عشر التسعين.
(2) أبو سعيد الجندي محدث مكة روى عن إبراهيم بن محمد الشافعي وجماعة ووثقه أبو علي النيسابوري.
(3) أبو محمد، الحافظ العلامة الجوال، سمع يعقوب الدورقي وأبا سعيد الاشج، قال الدر اقطني متروك
الحديث.
قال ابن عدي: قد قبل ابن وهب الدينوري قوم وصدقوه.
(تذكرة الحفاظ 1 / 754) .
ثم دخلت سنة تسع وثلاثمائة فيها وقع حريق كثير في نواحي بغداد (1) بسبب زنديق قتل فألقى من كان من جهته الحريق في أماكن كثيرة، فهلك سبب ذلك خلق كثير من الناس.
وفي جمادى الاولى منها قلد المقتدر مؤنس الخادم بلاد مصر والشام ولقبه المظفر.
وأمر بكتب ذلك في المراسلات إلى الآفاق.
وفي ذي القعدة منها أحضر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري إلى دار الوزير عيسى بن علي لمناظرة الحنابلة في أشياء نقموها عليه، فلم يحضروا ولا واحد منهم.
وفيها قدم الوزير حامد بن العباس للخليفة بستانا بناه وسماه الناعورة قيمته مائة ألف دينار، وفرش مساكنه بأنواع المفارش المفتخرة.
وفيها كان مقتل الحسين بن منصور الحلاج، ولنذكر شيئا من ترجمته وسيرته، وكيفية قتله على وجه الايجاز وبيان المقصود بطريق الانصاف والعدل، من غير تحمل ولا هوى ولا جور.
ترجمة الحلاج ونحن نعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يكن قاله، أو نتحمل عليه في أقواله وأفعاله، فنقول: هو الحسين بن منصور بن محمى الحلاج أبو مغيث، ويقال أبو عبد الله، كان جده مجوسيا اسمه محمى من أهل فارس من بلدة يقال لها البيضاء، ونشأ بواسط، ويقال بتستر، ودخل بغداد وتردد إلى مكة وجاور بها في وسط المسجد في البرد والحر، مكث على ذلك سنوات متفرقة، وكان يصابر نفسه ويجاهدها، ولا يجلس إلا تحت السماء في وسط المسجد الحرام، ولا يأكل إلا بعض قرص ويشرب قليلا من الماء معه وقت الفطور مدة سنة كاملة، وكان يجلس على صخرة في شدة الحر في جبل أبي قبيس، وقد صحب جماعة من سادات المشايخ الصوفية، كالجنيد بن محمد، وعمرو بن عثمان المكي، وأبي الحسين النوري.
قال الخطيب البغدادي: والصوفية مختلفون فيه، فأكثرهم نفى أن يكون الحلاج منهم، وأبى أن يعده فيهم، وقبله من متقدميهم أبو العباس بن عطاء البغدادي، ومحمد بن خفيف الشيرازي، وإبراهيم بن محمد النصراباذي النيسابوري، وصححوا له حاله،
ودونوا كلامه، حتى قال ابن خفيف: الحسين بن منصور عالم رباني.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي - واسمه محمد بن الحسين - سمعت إبراهيم بن محمد النصراباذي وعوتب في شئ حكي عن الحلاج في الروح فقال للذي عاتبه: إن كان بعد النبيين والصديقين موحد فهو الحلاج.
قال أبو عبد الرحمن: وسمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت الشبلي يقول: كنت أنا والحسين بن منصور شيئا واحدا، إلا أنه أظهر وكتمت.
وقد روي عن الشبلي من وجه آخر أنه قال، وقد رأى الحلاج مصلوبا: ألم أنهك عن العالمين ؟ قال الخطيب: والذين نفوه من الصوفية نسبوه إلى الشعبذة في
__________
(1) في ابن الاثير 8 / 129: في الكرخ .
فعله، وإلى الزندقة في عقيدته وعقده.
قال: وله إلى الآن أصحاب ينسبون إليه ويغالون فيه ويغلون.
وقد كان الحلاج في عبارته حلو المنطق، وله شعر على طريقة الصوفية.
قلت: لم يزل الناس منذ قتل الحلاج مختلفين في أمره.
فأما الفقهاء فحكي عن غير واحد من العلماء والائمة إجماعهم على قتله، وأنه قتل كافرا، وكان كافرا ممخرقا مموها مشعبذا، وبهذا قال أكثر الصوفية فيه.
ومنهم طائفة كما تقدم أجملوا القول فيه، وغرهم ظاهره ولم يطلعوا على باطنه ولا باطن قوله، فإنه كان في ابتداء أمره فيه تعبد وتأله وسلوك، ولكن لم يكن له علم ولا بنى أمره وحاله على تقوى من الله ورضوان.
فلهذا كان ما يفسده أكثر مما يصلحه.
وقال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى، ولهذا دخل على الحلاج الحلول والاتحاد (1)، فصار من أهل الانحلال والانحراف.
وقد روي من وجه أنه تقلبت به الاحوال وتردد إلى البلدان، وهو في ذلك كله يظهر للناس أنه من الدعاة إلى الله عز وجل.
وصح أنه دخل إلى الهند وتعلم بها السحر وقال: أدعو به إلى الله، وكان أهل الهند يكاتبونه بالمغيث - أي أنه من رجال المغيث - ويكاتبه أهل سركسان بالمقيت.
ويكاتبه أهل خراسان بالمميز، وأهل فارس بأبي عبد الله الزاهد.
وأهل خوزستان بأبي عبد الله الزاهد حلاج الاسرار.
وكان بعض البغاددة حين كان عندهم يقولون له: المصطلم وأهل البصرة يقولون له: المحير، ويقال إنما سماه الحلاج أهل الاهواز لانه كان يكاشفهم عن ما في ضمائرهم، وقيل لانه مرة قال لحلاج:
أذهب لي في حاجة كذا وكذا، فقال: إني مشغول بالحلج، فقال: اذهب فأنا أحلج عنك، فذهب ورجع سريعا فإذا جميع ما في ذلك المخزن قد حلجه، يقال إنه أشار بالمرود فامتاز الحب عن القطن، وفي صحة هذا ونسبته إليه نظر، وإن كان قد جرى مثل هذا، فالشياطين تعين أصحابها ويستخد مونهم.
وقيل لان أباه كان حلاجا.
ومما يدل على أنه كان ذا حلول في بدء أمره أشياء كثيرة، منها شعره في ذلك فمن ذلك قوله: جبلت روحك في روحي كما * يجبل العنبر بالمسك الفنق فإذا مسك شئ مسني * وإذا أنت أنا لا نفترق وقوله: مزجت روحك في روحي كما * تمزج الخمرة بالماء الزلال فإذا مسك شئ مسني * فإذا أنت أنا في كل حال وقوله أيضا: قد تحققتك في سر * ي فخاطبك لساني
__________
(1) الحلولية والاتحاد قالوا: من هذب نفسه في الطاعة، وصبر على اللذات والشهوات ارتقى إلى مقام المقربين، ثم لا يزال صفو ويرتقي في درجات المصافاة حتى يصفو عن البشرية، فإذا لم يبق فيه من البشرية حظ حل فيه روح الاله الذي حل في عيسى بن مريم، ولم يرد حينئذ إلا كان كما أراد وكان جميع فعله فعل الله تعالى.
(الفرق بين الفرق ص 198) .
فاجتمعنا لمعان * وافترقنا لمعان إن يكن غيبك التعظي * م عن لحظ العيان فلقد صيرك الوج * د من الاحشاء دان وقد أنشد لابن عطاء قول الحلاج: أريدك لا أريدك للثواب * ولكني اريدك للعقاب وكل مأربي قد نلت منها * سوى ملذوذ وجدي بالعذاب
فقال ابن عطاء: قال هذا ما تزايد به عذاب الشغف وهيام الكلف، واحترق الاسف، فإذا صفا ووفا علا إلى مشرب عذب وهاطل من الحق دائم سكب.
وقد أنشد لابي عبد الله بن خفيف قول الحلاج: سبحان من أظهر نا سوته * سرسنا لا هوته الثاقب ثم بدا في خلقه ظاهرا * في صورة الآكل والشارب حتى قد عاينه خلقه * كلحظة الحاجب بالحالجب فقال ابن خفيف: علا من يقول هذا لعنه الله ؟ فقيل له: إن هذا من شعر الحلاج، فقال: قد يكون مقولا عليه.
وينسب إليه أيضا: أوشكت (1) تسأل عني كيف كنت * وما لاقيت بعدك من هم وحزن لا كنت إن كنت أدري كيف كنت * ولا لا كنت أدري كيف لم أكن قال ابن خلكان: ويروى لسمنون لا للحلاج.
ومن شعره أيضا قوله: متى سهرت عيني لغيرك أو بكت * فلا اعطيت (2) ما أملت وتمنت وإن أضمرت نفسي سواك فلا زكت (3) * رياض المنى من وجنتيك وجنت ومن شعره أيضا: دنيا تغالطني كأن * ني لست أعرف حالها حظر المليك حرامها * وأن احتميت حلالها فوجدتها محتاجة * فوهبت لذتها لها وقد كان الحلاج يتلون في ملابسه، فتارة يلبس لباس الصوفية وتارة يتجرد في ملابس زرية،
__________
(1) في الوفيات 2 / 144: أرسلت.
والبيتان في ديوانه ص 118.
(2) في الوفيات: بلغت.
(3) في الوفيات: رعت .
وتارة يلبس لباس الاجناد ويعاشر أبناء الاغنياء والملوك والاجناد.
وقد رآه بعض أصحابه في ثياب رثة وبيده ركوة وعكازة وهو سائح فقال له: ما هذه الحالة يا حلاج ؟ فأنشأ يقول: لئن أمسيت في ثوبي عديم * لقد بليا على حر كريم فلا يغررك أن أبصرت حالا * مغيرة عن الحال القديم فلي نفس ستتلف أو سترقى * لعمرك بي إلى أمر جسيم ومن مستجاد كلامه وقد سأله رجل أن يوصيه بشئ ينفعه الله به.
فقال: عليك نفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك عن الحق.
وقال له رجل: عظني.
فقال: كن مع الحق بحكم ما أوجب.
وروى الخطيب بسنده إليه أنه قال: علم الاولين والآخرين مرجعه إلى أربع كلمات: حب الجليل وبغض القليل، واتباع التنزيل، وخوف التحويل.
قلت: وقد أخطأ الحلاج في المقامين الاخيرين، فلم يتبع التنزيل ولم يبق على الاستقامة بل تحول عنها إلى الاعوجاج والبدعة والضلالة، نسأل الله العافية.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي عن عمرو بن عثمان المكي: أنه قال: كنت أماشي الحلاج في بعض أزقة مكة وكنت أقرأ القرآن فسمع قراءتي فقال: يمكنني أن أقول مثل هذا، ففارقته.
قال الخطيب: وحدثني مسعود بن ناصر أنبأنا ابن باكوا الشيرازي سمعت أبا زرعة الطبري يقول: الناس فيه - يعني حسين بن منصور الحلاج - بين قبول ورد ولكن سمعت محمد بن يحيى الرازي يقول: سمعت عمرو بن عثمان يلعنه ويقول: لو قدرت عليه لقتلته بيدي.
فقلت له: إيش الذي وجد الشيخ عليه ؟ قال قرأت آية من كتاب الله فقال: يمكنني أن أؤلف مثله وأتكلم به.
قال أبو زرعة الطبري: وسمعت أبا يعقوب الاقطع يقول: زوجت ابنتي من الحسين الحلاج لما رأيت من حسن طريقته واجتهاده، فبان لي منه بعد مدة يسيرة أنه ساحر محتال، خبيث كافر.
قلت: كان تزويجه آياها بمكة، وهي أم الحسين بنت أبي يعقوب الاقطع فأولدها ولده أحمد بن الحسين بن منصور، وقد ذكر سيرة أبيه كما ساقها من طريق الخطيب.
وذكر أبو القاسم القشيري في رسالته في باب حفظ قلوب المشايخ: أن عمرو بن عثمان دخل على الحلاج وهو بمكة وهو يكتب شيئا في أوراق فقال له: ما
هذا ؟ فقال: هو ذا أعارض القرآن.
قال: فدعا عليه فلم يفلح بعدها، وأنكر على أبي يعقوب الاقطع تزويجه إياه ابنته.
وكتب عمرو بن عثمان إلى الآفاق كتابا كثيرة يلعنه فيها ويحذر الناس منه، فشرد الحلاج في البلاد فعاث يمينا وشمالا، وجعل يظهر أنه يدعو إلى الله ويستعين بأنواع من الحيل، ولم يزل ذلك دأبه وشأنه حتى أحل الله به بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، فقتله بسيف الشرع الذي لا يقع إلا بين كتفي زنديق، والله أعدل من أن يسلطه على صديق.
كيف وقد تهجم على القرآن العظيم، وقد أراد معارضته في البلد الحرام حيث نزل به جبريل، وقد قال تعالى (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) [ الحج: 25 ] ولا إلحاد أعظم من هذا.
وقد أشبه الحلاج كفار قريش
في معاندتهم، كما قال تعالى عنهم (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الاولين) [ الانفال: 31 ].
أشياء من حيل الحلاج روى الخطيب البغدادي: أن الحلاج بعث رجلا من خاصة أصحابه وأمره أن يذهب بين يديه إلى بلد من بلاد الجبل، وأن يظهر لهم العبادة والصلاح والزهد، فإذا رآهم قد أقبلوا عليه وأحبوه واعتقدوه أظهر لهم أنه قد عمي، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد تكسح، فإذا سعوا في مداواته، قال لهم: يا جماعة الخير، إنه لا ينفعني شئ مما تفعلون، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول له: إن شفاءك لا يكون إلا على يدي القطب، وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني، وصفته كذا وكذا، وقال له الحلاج: إني سأقدم عليك في ذلك الوقت.
فذهب ذلك الرجل إلى تلك البلاد فأقام بها يتعبد ويظهر الصلاح والتنسك ويقرأ القرآن.
فأقام مدة على ذلك فاعتقدوه وأحبوه، ثم أظهر لهم أنه قد عمي فمكث حينا على ذلك، ثم أظهر لهم أنه قد زمن، فسعوا بمداواته بكل ممكن فلم ينتج فيه شئ، فقال لهم: يا جماعة الخير هذا الذي تفعلونه معي لا ينتج بشيئا وأنا قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول لي: إن عافيتك وشفاءك إنما هو على يدي القطب، وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني، وكانوا أولا يقودونه إلى المسجد ثم
صاروا يحملونه ويكرمونه كان في الوقت الذي ذكر لهم، واتفق هو والحلاج عليه، أقبل الحلاج حتى دخل البلد مختفيا وعليه ثياب صوف بيض، فدخل المسجد ولزم سارية يتعبد فيه لا يلتفت إلى أحد، فعرفه الناس بالصفات التي وصف لهم ذلك العليل، فابتدروا إليه يسلمون عليه وتمسحون به، ثم جاؤوا إلى ذلك الزمن المتعافى فأخبره بخبره، فقال: صفوه لي، فوصفوه له فقال: هذا الذي أخبرني عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وأن شفائي على يديه، اذهبوا بي إليه.
فحملوه حتى وضعوه بين يديه فكلمه فعرفه فقال: يا أبا عبد الله إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام.
ثم ذكر له رؤياه، فرفع الحلاج يديه فدعا له ثم تفل من ريقه في كفيه ثم مسح بهما على عينيه ففتحهما كأن لم يكن بهما داء قط فأبصر، ثم أخذ من ريقه فمسح على رجليه فقام من ساعته فمشى كأنه لم يكن به شئ والناس حضور، وأمراء تلك البلاد وكبراؤهم عنده، فضج الناس ضجة عظيمة وكبروا الله وسبحوه وعظموا الحلاج تعظيما زائدا على ما أظهر لهم من الباطل والزور.
ثم أقام عندهم مدة يكرمونه ويعظمونه ويودون لو طلب منهم ما عساه أن يطلب من أموالهم.
فلما أراد الخروج عنهم أرادوا أن يجمعوا له مالا كثيرا فقال: أما أنا فلا حاجة لي بالدنيا، وإنما وصلنا إلى ما وصلنا إليه بترك الدنيا، ولعل صاحبكم هذا أن يكون له إخوان وأصحاب من الابدال الذين يجاهدون بثغر طرسوس، ويحجون ويتصدقون، محتاجين إلى ما يعينهم على ذلك، فقال ذلك الرجل المتزامن المتعافى.
صدق الشيخ، قد رد الله علي بصري ومن الله علي بالعافية، لاجعلن بقية عمري في الجهاد في سبيل الله، والحج إلى بيت الله مع إخواننا الابدال
والصالحين الذين نعرفهم، ثم حثهم على إعطائه من المال ما طابت به أنفسهم.
ثم إن الحلاج خرج عنهم ومكث ذلك الرجل بين أظهرهم مدة إلى أن جمعوا له مالا كثيرا ألوفا من الذهب والفضة، فلما اجتمع له ما أراد ودعهم وخرج عنهم فذهب إلى الحلاج فاقتسما ذلك المال.
وروي عن بعظهم قال: كنت أسمع أن الحلاج له أحوال وكرامات فأحببت أن أختبر ذلك فجئته فسلمت عليه فقال لي: تشتهي على الساعة شيئا ؟ فقلت: أشتهي سمكا طريا.
فدخل منزله فغاب ساعة ثم خرج علي ومعه سمكة تضطرب ورجلاه عليهما الطين.
فقال: دعوت الله فأمرني أن
آتي البطائح لآتيك بهذه السمكة، فخضت الاهواز وهذا الطين منها فقلت: إن شئت أدخلتني منزلك حتى أنظر ليقوى يقيني بذلك، فإن ظهرت على شئ وإلا آمنت بك.
فقال: ادخل، فدخلت فأغلق علي الباب وجلس يراني.
فدرت البيت فلم أجد فيه منفذا إلى غيره، فتحيرت في أمره ثم نظرت فإذا أنا بتأزيرة - وكان مؤزرا بإزار ساج - فحركتها فانفلقت فإذا هي باب منذ فدخلته فأفضى بي إلى بستان هائل، فيه من سائر الثمار الجديدة والعتيقة، قد أحسن إبقاءها.
وإذا أشياء كثيرة معدودة للاكل، وإذا هناك بركة كبيرة فيها سمك كثير صغار وكبار، فدخلتها فأخرجت منها واحدة فنال رجلي من الطين مثل الذي نال رجليه، فجئت إلى الباب فقلت: افتح قد آمنت بك فلما رآني على مثل حاله أسرع خلفي جريا يريد أن يقتلني.
فضربته بالسمكة في وجهه وقلت: يا عدو الله أتعبتني في هذا اليوم.
ولما خلصت منه لقيني بعد أيام فضاحكني وقال: لا تفش ما رأيت لاحد وإلا بعثت إليك من يقتلك على فراشك.
قال: فعرفت أنه يفعل إن أفشيت عليه فلم أحدث به أحدا حتى صلب.
وقال الحلاج يوما لرجل: آمن بي حتى أبعث لك بعصفورة تأخذ من ذرقها وزن حبة فتضعه على كذا منا من نحاس فيصير ذهبا.
فقال له الرجل: آمن أنت بي حتى أبعث إليك بفيل إذا استلقى على قفاه بلغت قوائمه إلى السماء، وإذا أردت أن تخفيه وضعته في إحدى عينيك.
قال: فبهت وسكت.
ولما ورد بغداد جعل يدعو إلى نفسه ويظهر أشياء من المخاريق والشعوذة وغيرها من الاحوال الشيطانية، وأكثر ما كان يروج على الرافضة لقلة عقولهم وضعف تمييزهم بين الحق والباطل.
وقد استدعى يوما برئيس من الرافضة فدعاه إلى الايمان به فقال له الرافضي: إني رجل أحب النساء وإني أصلع الرأس، وقد شبت، فإن أنت أذهبت عني هذا وهذا آمنت بك وأنك الامام المعصوم، وإن شئت قلت إنك نبي، وإن شئت قلت إنك أنت الله.
قال: فبهت الحلاج ولم يحر إليه جوابا.
قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي: كان الحلاج متلونا تارة يلبس المسوح، وتارة يلبس الدراعة، وتارة يلبس القباء، وهو مع كل قوم على مذهبهم: إن كانوا أهل سنة أو رافضة أو معتزلة أو صوفية أو فساقا أو غيرهم، ولما أقام بالاهواز جعل ينفق من دراهم يخرجها يسميها دراهم القدرة،
فسئل الشيخ أبو علي الجبائي عن ذلك فقال: إن هذا كله مما يناهل البشر بالحيلة، ولكن أدخلوه بيتا لا منفذ له ثم سلوه أن يخرج لكم جرزتين من شوك.
فلما بلغ ذلك الحلاج تحول من الاهواز.
قال
الخطيب: أنبأ إبراهيم بن مخلد أنبأ إسماعيل بن علي الخطيب في تاريخه قال: وظهر أمر رجل يقال له الحلاج الحسين بن منصور، وكان في حبس السلطان بسعاية وقعت به، وذلك في وزارة علي بن عيسى الاولى، وذكر عنه ضروب من الزندقة ووضع الحيل على تضليل الناس، من جهات تشبه الشعوذة والسحر، وادعاء النبوة، فكشفه علي بن عيسى عند قبضه عليه وأنهى خبره إلى السلطان - يعني الخليفة المقتدر بالله - فلم يقر بما رمي به من ذلك فعاقبه وصلبه حيا وأياما متوالية في رحبة الجسر، في كل يوم غدوة، وينادى عليه بما ذكر عنه، ثم ينزل به ثم يحبس، فأقام في الحبس سنين كثيرة ينقل من حبس إلى حبس، خوفا من إضلاله أهل كل حبس إذا طالت مدته عندهم، إلى أن حبس آخر حسبة في دار السلطان، فاستغوى جماعة من غلمان السلطان وموه عليهم واستمالهم بضروب من الحيل، حتى صاروا يحمونه ويدفعون عنه ويرفهونه بالمآكل المطيبة، ثم راسل جماعة من الكتاب وغيرهم ببغداد وغيرها، فاستجابوا له وترقى به الامرا إلى أن دعى الربوبية، وسعى بجماعة من أصحابه إلى السلطان فقبض عليهم ووجد عند بعضهم كتب تدل على تصديق ما ذكر عنه، وأقر بعضهم بذلك بلسانه، وانتشر خبره وتكلم الناس في قتله، فأمل الخليفة بتسليمه إلى حامد بن العباس، وأمره أن يكشفه بحضرة القضاة والعلماء ويجمع بينه وبين أصحابه، فجرى في ذلك خطوب طوال، ثم استيقن السلطان أمره ووقف على ما ذكر عنه، وثبت ذلك على يد القضاة وأفتى به العلماء فأمر بقتله وإحراقه بالنار، فأحضر مجلس الشرطة بالجانب الغربي في يوم الثلاثاء لتسع (1) بقين من ذي القعدة سنة تسع وثلثمائة، فضرب بالسياط نحوا من ألف سوط، ثم قطعت يداده ورجلاه، ثم ضربت عنقه، وأحرقت جثته بالنار، ونصب رأسه للناس على سور الجسر الجديد وعلقت يداه ورجلاه.
وقال أبو عبد الرحمن بن الحسن السلمي: سمعت إبراهيم بن محمد الواعظ يقول قال أبو
القاسم الرازي، قال أبو بكر بن ممشاذ: حضر عندنا بالدينور رجل ومعه مخلاة فما كان يفارقها ليلا ولا نهارا، فأنكروا ذلك من حاله ففتشوا مخلاته فوجدوا فيها كتاب للحلاج عنوانه: من الرحمن الرحيم إلى فلان ابن فلان - يدعوه إلى الضلالة والايمان به - فبعث بالكتاب إلى بغداد فسئل الحلاج عن ذلك فأقر انه كتبه فقالوا له: كنت تدعي النبوة فصرت تدعي الالوهية والربوبية ؟ فقال: لا ولكن هذا عين الجمع عندنا.
هل الكتاب إلا الله وأنا واليد آلة ؟ فقيل له: معك على ذلك أحد ؟ قال: نعم ابن عطاء وأبو محمد الحريري وأبو بكر الشبلي.
فسئل الحريري عن ذلك فقال: من يقول بهذا كافر.
وسئل الشبلي عن ذلك فقال: من يقول بهذا يمنع.
وسئل ابن عطاء عن ذلك فقال: القول ما يقول الحلاج في ذلك.
فعوقب حتى كان سبب هلاكه.
ثم روى أبو عبد الرحمن السلمي عن محمد بن عبد الرحمن الرازي أن الوزير حامد بن العباس لما أحضر الحلاج سأله عن اعتقاده فأقر به فكتبه، فسأل عن ذلك فقهاء بغداد فأنكروا ذلك وكفرورا من اعتقده، فكتبه.
فقال الوزير: إن
__________
(1) في الفرق بين الفرق للبغدادي ص 199: لست (انظر الطبري 12 / 54)
أبا العباس بن عطاء يقول بهذا.
فقالوا: من قال بهذا فهو كافر.
ثم طلب الوزير ابن عطاء إلى منزله فجاء فجلس في صدر المجلس فسأله عن قول الحلاج فقال: من لا يقول بهذا القول فهو بلا اعتقاد.
فقال الوزير لابن عطاء: ويحك تصوب مثل هذا القول وهذا الاعتقاد ؟ فقال ابن عطاء: مالك ولهذا، عليك بما نصبت له من أخذ أموال الناس وظلمهم وقتلهم فما لك ولكلام هؤلاء السادة من الاولياء.
فأمر الوزير عند ذلك بضرب شدقيه ونزع خفيه وأن يضرب بهما على رأسه، فما زال يفعل به ذلك حتى سال الدم من منخريه، وأمر بسجنه.
فقالوا له: إن العامة تستوحش من هذا ولا يعجبها.
فحمل إلى منزله، فقال ابن عطاء: اللهم اقتله واقطع يديه ورجليه.
ثم مات ابن عطاء بعد سبعة أيام، ثم بعد مدة قتل الوزير شر قتلة، وقطعت يداه ورجلاه وأحرقت داره.
وكان العوام يرون ذلك بدعوة ابن عطاء على عادتهم في مرائيهم فمن أوذي ممن لهم معه هوى: بل قد قال ذلك جماعة ممن ينسب إلى العلم فيمن يؤذي ابن عربي أو يحط على حسين الحلاج أو غيره.
هذا بخطيئة
فلان.
وقد اتفق علماء بغداد على كفر الحلاج وزندقته.
وأجمعوا على قتله وصلبه، وكان علماء بغداد إذ ذاك هم الدنيا.
قال أبو بكر محمد بن داود الظاهري حين أحضر الحلاج في المرة الاولى قبل وفاة أبي بكر (1) هذا وسئل عنه فقال: إن كان ما أنزل الله عليه نبيه صلى الله عليه وسلم حقا فما يقوله الحلاج باطل.
وكان شديدا عليه.
وقال أبو بكر الصولي: قد رأيت الحلاج وخاطبته فرأيته جاهلا يتعاقل، وغبيا يتبالغ، وخبيثا مدعيا، وراغبا يتزهد، وفاجرا يتعبد.
ولما صلب في أول مرة ونودي عليه أربعة أيام سمعه بعضهم وقد جئ به ليصلب وهو راكب على بقرة يقول: ما أنا بالحلاج، ولكن ألقي علي شبهه وغاب عنكم فلما ادني إلى الخشبة ليصلب عليها سمعته وهو مصلوب يقول: يا معين الفنا علي أعني على الفنا.
وقال بعضهم سمعته وهو مصلوب يقول: إلهي أصبحت في دار الرغائب، أنظر إلى العجائب، إلهي إنك تتودد إلى من يؤذيك فكيف بمن يؤذى فيك.
صفة مقتل الحلاج قال الخطيب البغدادي وغيره: كان الحلاج قد قدم آخر قدمة إلى بغداد فصحب الصوفية وانتسب إليهم، وكان الوزير إذ ذاك حامد بن العباس، فبلغه أن الحلاج قد أضل خلقا من الحشم والحجاب في دار السلطان، ومن غلمان نصر القشوري الحاجب، وجعل لهم في جملة ما ادعاه أنه يحيى الموتى، وأن الجن يخدمونه ويحضرون له ما شاء ويختار ويشتهيه.
قال: إنه أحيا عدة من
__________
(1) في الفرق بين الفرق ص 197: ان أبا بكر محمد بن داود أفتى بجواز قتله (وانظر الاسفرائيني في التبصير والذهبي في العبر 1 / 139).
والمعروف أن أبا بكر توفي سنة 297 أي قبل قتل الحلاج باثنتي عشرة سنة، فمن المحتمل ان فتواه هذه كانت قبل هذا التاريخ .
الطير.
وذكر لعلي بن عيسى أن رجلا يقال له محمد بن علي القنائي الكاتب يعبد الحلاج ويدعوا الناس إلى طاعته فطلبه فكبس منزله فأخذه فأقر أنه من أصحاب الحلاج، ووجد في منزله أشياء بخط الحلاج مكتوبة بماء الذهب في ورق الحرير مجلدة بأفخر الجلود.
ووجد عنده سفطا فيه من رجيع الحلاج وعذرته
وبوله وأشياء من آثاره، وبقية خبز من زاده.
فطلب الوزير من المقتدر أن يتكلم في أمر الحلاج ففوض أمره إليه، فاستدعى بجماعة من أصحاب الحلاج فتهددهم فاعترفوا له أنه قد صح عندهم أنه إله مع الله، وأنه يحيي الموتى، وأنهم كاشفوا الحلاج بذلك ورموه به في وجهه، فجحد ذلك وكذبهم وقال: أعوذ بالله أن أدعي الربوبية أو النبوة، وإنما أنا رجل أ عبد الله وأكثر له الصوم والصلاة وفعل الخير، لا أعرف غير ذلك.
وجعل لا يزيد على الشهادتين والتوحيد، ويكثر أن يقول: سبحنك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
وكانت عليه مدرعة سوداء وفي رجليه ثلاثة عشر قيدا، والمدرعة واصلة إلى ركبتيه، والقيود واصلة إلى ركبتيه أيضا، وكان مع ذلك يصلي في كل يوم واليلة ألف ركعة.
وكان قبل احتياط الوزير حامد بن العباس عليه في حجرة من دار نصر القشوري الحاجب، مأذونا لمن يدخل إليه، وكان يسمى نفسه تارة بالحسين بن منصور، وتارة محمد بن أحمد الفارسي، وكان نصر الحاجب هذا قد افتتن به وظن أنه رجل صالح، وكان قد أدخله على المقتدر بالله فرقاه من وجع حصل له فاتفق زواله عنه، وكذلك وقع لوالدة المقتدر السيدة رقاها فزالت عنها، فنفق سوقه وحظي في دار السلطان فلما انتشر الكلام فيه سلم إلى الوزير حامد بن العبساس فحبسه في قيود كثيرة في رجليه، وجمع له الفقهاء فأجمعوا على كفره وزندقته، وأنه ساحر ممخرق.
ورجع عنه رجلان صالحان ممن كان اتبعه أحدهما أبو علي هارون بن عبد العزيز الاوارجي، والآخر يقال له الدباس، فذكرا من فضائحه وما كان يدعو الناس إليه من الكذب والفجور والمخرقة والسحر شيئا كثيرا، وكذلك أحضرت زوجة ابنه سليمان فذكرت عنه فضائح كثيرة.
من ذلك أنه أراد أن يغشاها وهي نائمة فانتبهت فقال: قومي إلى الصلاة ؟ وإنما كان يريد أن يطأها.
وأمر ابنتها بالسجود له فقالت: أو يسجد البشر لبشر ؟ فقال: نعم إله في السماء وإله في الارض.
ثم أمرها أن تأخذ من تحت بارية هنالك ما أرادت، فوجدت تحتها دنانير كثيرة مبدورة.
ولما كان معتقلا في دار حامد بن العباس الوزير دخل عليه بعض الغلمان ومعه طبق فيه طعام ليأكل منه، فوجده قد ملا البيت من سقفه إلى أرضه، فذعر ذلك الغلام وفزع فزعا شديدا، وألقى ما كان في يده من ذلك الطبق والطعام، ورجع
محموما فمرض عدة أيام.
ولما كان آخر مجلس من مجالسه أحضر القاضي أبو عمر محمد بن يوسف وجئ بالحلاج وقد أحضر له كتاب من دور بعض أصحابه وفيه: من أراد الحج ولم يتيسر له فليبن في داره بيتا لا يناله شئ من النجاسة ولا يمكن أحدا من دخوله، فإذا كان في أيام الحج فليصم ثلاثة أيام وليطف به كما يطاف
بالكعبة ثم يفعل في داره ما يفعله الحجيج بمكة، ثم يستدعي بثلاثين يتيما فيطعمهم من طعامه، ويتولى خدمتهم بنفسه، ثم يكسوهم قميصا قميصا، ويعطي كل واحد منهم سبعة دراهم - أو قال ثلاثة دراهم - فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج، وإن من صام ثلاثة أيام لا يفطر إلا في اليوم الرابع على ورقات هندبا أجزأه ذلك عن صيام رمضان.
ومن صلى في ليلة ركعتين من أول الليل إلى آخره أجزأه ذلك عن الصلاة بعد ذلك.
وأن من جاور بمقابر الشهداء وبمقابر قريش عشرة أيام يصلي ويدعو ويصوم ثم لا يفطر إلا على شئ من خبز الشعير والملح الجريش أغناه ذلك عن العبادة في بقية عمره.
فقال له القاضي أبو عمر: من أين لك هذا ؟ فقال: من كتاب الاخلاص للحسن البصري.
فقال له: كذبت يا حلال الدم، قد سمعنا كتاب الاخلاص للحسن بمكة ليس فيه شئ من هذا.
فأقبل الوزير على القاضي فقال له: قد قلت يا حلال الدم فاكتب ذلك في هذه الورقة، وألح عليه وقدم له الدواة فكتب ذلك في تلك الورقة، وكتب من حضر خطوطهم فيها وأنفذها الوزير إلى المقتدر، وجعل الحلاج يقول لهم: ظهري حمى ودمي حرام، وما يحل لكم أن تتأولوا علي ما يبيحه، واعتقادي الاسلام، ومذهبي السنة، وتفضيل أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبي عبيدة بن الجراح، ولي كتب في السنة موجودة في الوارقين فالله الله في دمي.
فلا يلتفتون إليه ولا إلى شئ مما يقول.
وجعل يكرر ذلك وهم يكتبون خطوطهم بما كان من الامر.
ورد الحلاج إلى محبسه وتأخر جواب المقتدر ثلاثة أيام حتى ساء ظن الوزير حامد بن العباس، فكتب إلى الخليفة يقول له: إن أمر الحلاج قد اشتهر ولم يختلف فيه اثنان وقد افتتن كثير من الناس به.
فجاء الجواب بأن يسلم إلى محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة.
وليضربه ألف سوط، فإن
مات وإلا ضربت عنقه ففرح الوزير بذلك وطلب صاحب الشرطة فسلمه إليه وبعث معه طائفة من غلمانه يصلونه معه إلى محل الشرطة من الجانب الغربي خوفا من أن يستنقذ من أيديهم.
وذلك بعد عشاء الآخرة في ليلة الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة من هذه السنة، وهو راكب على بغل عليه إكاف وحوله جماعة من أعوان السياسة، على مثل شكله، فاستقر منزله بدار الشرطة في هذه الليلة، فدكر أنه بات يصلي تلك الليلة ويدعو دعاء كثيرا.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت أبا بكر الشاشي يقول قال أبو الحديد - يعني المصري -: لما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها الحلاج قام يصلي من الليل فصلى ما شاء الله، فلما كان آخر الليل قام قائما فتغطى بكسائه ومد يده نحو القبلة فتكلم بكلام جائز الحفظ، فكان مما حفظت منه قوله: نحن شواهدك فلو دلتنا عزتك لتبدى ما شئت من شأنك ومشيئتك، وأنت الذي في السماء إله وفي الارض إله، تتجلى لما تشاء مثل تجليك في مشيئتك كأحسن الصورة، والصورة فيها الورح الناطقة بالعلم والبيان والقدرة، ثم إني أوعزت إلى شاهدك لاني في ذاتك الهوى كيف أنت إذا مثلت بذاتي عند حلول لذاتي، ودعوت إلى ذاتي بذاتي، وأبديت حقائق علومي ومعجزاتي، صاعدا في معارجي إلى عروش أزلياتي عند التولي عن برياتي، إني اختصرت وقتلت وصلبت وأحرقت واحتملت سافيات الذاريات.
ولججت في الجاريات، وأن ذرة من ينجوج مكان هالوك متجلياتي، لاعظم من الراسيات.
ثم أنشأ يقول:
أنعي إليك نفوسا طاح شاهدها * فيما ورا الحيث بل في شاهد القدم أنعي إليك قلوبا طالما هطلت * سحائب الوحي فيها أبحر الحكم أنعي إليك لسان الحق منك ومن * أودى وتذكاره في الوهم كالعدم أنعى إليك بيانا يستكين له * أقوال كل فصيح مقول فهم أنعي إليك إشارات العقول معا * لم يبق منهن إلا دارس العلم أنعي وحبك أخلاقا بطائفة * كانت مطاياهم من مكمد الكظم مضى الجميع فلا عين ولا أثر * مضى عاد وفقدان الاولى إرم
وخلفوا معشرا يحذون لبستهم * أعمى من البهم بل أعمى من النعم قالوا: ولما أخرج الحلاج من المنزل الذي بات فيه ليذهب به إلى القتل أنشد: طلبت المستقر بكل أرض * فلم أر لي بأرض مستقرا وذقت من الزمان وذاق مني * وجدت مذاقه حلوا ومرا أطعت مطامعي فاستعبدتني * ولو أني قنعت لعشت حرا وقيل: إنه قالها حين قدم إلى الجذع ليصلب، والمشهور الاول.
فلما أخرجوه للصلب مشى إليه وهو يتبختر في مشيته وفي رجليه ثلاثة عشر قيدا وجعل ينشد ويتمايل: نديمي (1) غير منسوب * إلى شئ من الحيف فلما دارت الكأس * دعا بالنطع والسيف سقاني مثل ما يشر * ب فعل الضيف بالضيف كذا من يشرب الراح * مع التنين في الصيف ثم قال: (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق) [ الشورى: 18 ] ثم لم ينطق بعد ذلك حتى فعل به ما فعل.
قالوا: ثم قدم فضرب ألف سوط ثم قطعت يداه ورجلاه وهو في ذلك كله ساكت ما نطق بكلمة، ولم يتغير لونه، ويقال إنه جعل يقول مع كل سوط أحد أحد.
قال أبو عبد الرحمن: سمعت عبد الله بن علي يقول سمعت عيسى القصار يقول: آخر كلمة تكلم بها الحلاج حين قتل أن قال: حسب الواحد إفراد الواحد له.
فما سمع بهذه الكلمة أحد من المشايخ إلا رق له، واستحسن هذا الكلام منه.
وقال السلمي: سمعت أبا بكر المحاملي يقول سمعت أبا الفاتك البغدادي - وكان صاحب الحلاج - قال: رأيت في النوم بعد ثلاث من قتل الحلاج كأني واقف بين يدي ربي عز وجل وأنا أقول يا رب ما فعل الحسين بن منصور ؟ فقال: كاشفته بمعنى فدعا الخلق إلى نفسه فأنزلت به ما رأيت.
ومنهم من قال: بل جزع عند القتل
__________
(1) في الفخري ص 261: حبيبي .
جزعا شديدا وبكى بكاء كثيرا، فالله أعلم.
وقال الخطيب: ثنا عبد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي قال: قال لنا أبو عمر بن حيوية: لما أخرج الحسين بن منصور الحلاج ليقتل مضيت في جملة الناس، ولم أزل أزاحم حتى رأيته فدنوت منه فقال لاصحابه: لا يهولنكم هذا الامر، فإني عائد اليكم بعد ثلاثين يوما.
ثم قتل فما عاد (1).
وذكر الخطيب أنه قال وهو يضرب لمحمد بن عبد الصمد والي الشرطة: أدع بي إليك فإن عندي نصيحة تعدل فتح القسطنطينية، فقال له: قد قيل لي إنك ستقول مثل هذا وليس إلى رفع الضرب عنك سبيل.
ثم قعطت يداه ورجلاه وحز رأسه وأحرقت جثته وألقي رمادها في دجلة، ونصب الرأس يومين ببغداد على الجسر، ثم حمل إلى خراسان وطيف به في تلك النواحي، وجعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه إليهم بعد ثلاثين يوما.
وزعم بعضهم أنه رأى الحلاج من آخر ذلك اليوم وهو راكب على حمار في طريق النهروان فقال: لعلك من هؤلاء النفر الذين ظنوا أني أنا هو المضروب المقتول، إني لست به، وإنما القي شبهي على رجل ففعل به ما رأيتهم.
وكانوا بجهلهم يقولون: إنما قتل عدو من أعداء الحلاج.
فذكر هذا لبعض علماء ذلك الزمان فقال: إن كان هذا الرأي صادقا فقد تبدى له شيطان على صورة الحلاج ليضل الناس به.
كما ضلت فرقة النصارى بالمصلوب.
قال الخطيب: واتفق له أن دجلة زادت في هذا العام زيادة كثيرة.
فقال: إنما زادت لان رماد جثة الحلاج خالطها.
وللعوام في مثل هذا وأشباهه ضروب من الهذيانات قديما وحديثا.
ونودي ببغداد أن لا تشترى كتب الحلاج ولا تباع.
وكان قتله يوم الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة من سنة تسع وثلثمائة ببغداد.
وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات وحكى اختلاف الناس فيه، ونقل عن الغزالي أنه ذكره في مشكاة الانوار وتأول كلامه وحمله على ما يليق.
ثم نقل ابن خلكان عن إمام الحرمين أنه كان يذمه ويقول إنه اتفق هو والجنابي وابن المقفع على إفساد عقائد الناس، وتفرقوا في البلاد فكان الجنابي في هجر والبحرين، وابن المقفع ببلاد الترك، ودخل الحلاج العراق، فحكم صاحباه عليه بالهلكة لعدم انخداع أهل العراق بالباطل.
قال ابن خلكان وهذا لا ينتظم فإن ابن المقفع كان قبل الحلاج بدهر في أيام السفاح والمنصور، ومات سنة خمس وأربعين ومائين أو قبلها.
ولعل إمام الحرمين أراد ابن المقفع الخراساني الذي ادعى الربوبية وأوتي العمر واسمه عطاء، وقد قتل نفسه بالسم في سنة ثلاث وستين ومائة، ولا يمكن اجتماعه مع الحلاج أيضا، وإن أردنا تصحيح كلام إمام الحرمين فنذكر ثلاثة قد اجتمعوا في وقت واحد على إضلال الناس وإفساد العقائد كما ذكر، فيكون المراد بذلك الحلاج وهو الحسين بن منصور الذي ذكره، وابن السمعاني (2) - يعني أبا جعفر
__________
(1) انظر الطبري 12 / 55 والفخري ص 261 وابن الاثير 8 / 129.
(2) في ابن الاثير 8 / 290 وابن خلكان 2 / 156 والفرق بين الفرق ص 200: الشلمغاني.
نسبة إلى قرية شلمغان التي ينسب إليها قرية بنواحي واسط .
محمد بن علي - وأبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي القرمطي الذي قتل الحجاج وأخذ الحجر الاسود وطم زمزم ونهب أستار الكعبة، فهؤلاء يمكن اجتماعهم في وقت واحد كما ذكرنا ذلك مبسوطا، وذكره ابن خلكان ملخصا.
وفيها توفي من الاعيان: أبو العباس بن عطاء أحد أئمة الصوفية وهو أحمد بن محمد بن عطاء الادمي.
حدث عن يوسف بن موسى القطان، والمفضل بن زياد وغيرهما، وقد كان موافقا للحلاج في بعض اعتقاده على ضلاله، وكان أبو العباس هذا يقرأ في كل يوم ختمة، فإذا كان شهر رمضان قرأ في كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وكان له ختمة يتدبرها ويتدبر معاني القرآن فيها.
فمكث فيها سبعة عشرة سنة ومات ولم يختمها، وهذا الرجل مما كان اشتبه عليه أمر الحلاج وأظهر موافقته فعاقبه الوزير حامد بن العباس بالضرب البليغ على شدقيه، وأمر بنزع خفيه وضربه بهما على رأسه حتى سال الدم من منخريه، ومات بعد سبعة أيام من ذلك، وكان قد دعا على الوزير بأن تقطع يداه ورجلاه ويقتل شر قتلة.
فمات الوزير بعد مدة كذلك.
وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن هارون الطبيب الحراني.
وأبو محمد عبد الله بن حمدون النديم.
ثم دخلت سنة عشر وثلثمائة
فيها أطلق يوسف بن أبي الساج من الضيق، وكان معتقلا، وردت إليه أمواله وأعيد إلى عمله وأضيف إليه بلدان أخرى، ووظف عليه في كل سنة خمسمائة ألف دينار يحملها إلى الحضرة فبعث حينئذ إلى مؤنس الخادم يطلب منه أبا بكر بن الادمي القارئ، وكان قد قرأ بين يديه حين اعتقل في سنة إحدى (1) وستين ومائتين (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي صالمة) [ هود: 102 ] فخاف القارئ من سطوته واستعفى من مؤنس الخادم فقال له مؤنس: اذهب وأنا شريكك في الجائزة.
فلما دخل عليه قرأ بين يديه (وقال الملك أئتوني به أستخلصه لنفسي) [ يوسف: 54 ] فقال: بل أحب أن تقرأ ذلك العشر الذي قرأته عند سجني وإشهاري (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة) [ هود: 102 ] فإن ذلك كان سبب توبتي ورجوعي إلى الله عز وجل، وكان ذلك على يديك.
ثم أمر له بما جزيل وأحسن إليه.
وفيها مرض علي بن عيسى الوزير فجاءه هارون بن المقتدر ليعوده ويبلغه سلام أبيه عليه، فبسط له الطريق، فلما اقترب من داره تحامل وخرج إليه فبلغه سلام الخليفة، وجاء مؤنس الخادم معه، ثم جاء الخبر بأن الخليفة قد عزم على عيادته فاستعفي من مؤنس الخادم، ثم ركب على جهد عظيم حتى سلم على الخليفة لئلا يكلفه الركوب إليه.
وفيها قبض على القهرمانة أم موسى ومن ينسب إليها، وكان حاصل ما حمل إلى بيت المال من جهتها ألف ألف
__________
(1) في الاصل المطبوع إحد وستين ومائتين والصواب ما أثبتناه .
أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55
الصفحة الرئيسية حول الموقع اتصل بنا ترجمات القران أعلى الصفحة
ISLAMICBOOK.WS © 2022 | جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين
==========
مجلد 43.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب :البداية والنهاية
الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي
دينار.
وفي يوم الخميس منها لعشر بقين من ربيع الآخر ولى المقتدر منصب القضاء أبا الحسين عمر بن الحسين بن علي الشيباني المعروف بابن الاشناني - وكان من حفاظ الحديث وفقهاء الناس - ولكنه عزل بعد ثلاثة أيام، وكان قبل ذلك محتسبا ببغداد.
وفيها عزل محمد بن عبد الصمد عن شرطة بغداد ووليها نازوك وخلع عليه.
وفيها في جمادى الآخرة فيها ظهر كوكب له ذنب طوله ذراعان في برج السنبلة.
وفي شعبان منها وصلت هدايا نائب مصر وهو الحسين بن المادراني، وفي جملتها بغلة معها فلوها، وغلام يصل لسانه إلى طرف أنفه.
وفيها قرئت الكتب على المنابر بما كان من الفتوح على المسلمين ببلاد الروم.
وفيها ورد الخبر بأنه انشق بأرض واسط في الارض في سبعة عشر موضعا
أكبرها طوله ألف ذراع، وأقلها مائتان ذراع، وأنه غرق من أمهات القرى ألف وثلثمائة قرية.
وحج بالناس إسحاق بن عبد الملك الهاشمي.
وممن توفي فيها من الاعيان..أبو بشر الدولابي محمد بن أحمد بن حماد أبو سعيد أبو بشر الدولابي (1)، مولى الانصار، ويعرف بالوراق، أحد الائمة من حفاظ الحديث، وله تصانيف حسنة في التاريخ وغير ذلك، وروى جماعة كثيرة.
قال ابن يونس: كان يصعق، توفي وهو قاصد الحج بين مكة والمدينة بالعرج (2) في ذي القعدة.
وفيها توفي: أبو جعفر بن جرير الطبري محمد بن جرير بن يزيد بن كثير (3) بن غالب الامام أبو جعفر الطبري، وكان مولده في سنة أربع وعشرين ومائتين، وكان أسمر أعين مليح الوجه مديد القامة فصيح اللسان، روى الكثير عن الجم الغفير، ورحل إلى الآفاق في طلب الحديث، وصنف التاريخ الحافل، وله التفسير الكامل الذي لا يوجد له نظير، وغيرهما من المصنفات النافعة في الاصول والفروع.
ومن أحسن ذلك تهذيب الآثار ولو كمل لما احتيج معه إلى شئ، ولكان فيه الكفاية لكنه لم يتمه.
وقد روي عنه أنه مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم أربعين ورقة.
قال الخطيب البغدادي: استوطن ابن جرير بغداد وأقام بها إلى حين وفاته، وكان من أكابر أئمة العلماء، ويحكم بقوله ويرجع إلى معرفته وفضله، وكان
__________
(1) الدولابي: نسبة إلى الدولاب وهي قرية من أعمال الري، وبالاهواز قرية يقال لها الدولاب.
(2) العرج: بفتح العين وسكون الراء، وهي عقبة بين مكة والمدينة على جادة الحج.
والعرج: قرية من نواحي الطائف.
قال ابن خلكان: ولا أعلم هل توفي الدولابي في العرج الاولى أم الثانية.
(3) في وفيات الاعيان 4 / 191: يزيد بن خالد وقيل يزيد بن كثير، وهو من أهل آمل - طبرستان .
قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات
كلها، بصيرا بالمعاني، فقيها في الاحكام، عالما بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم، عارفا بأيام الناس وأخبارهم.
وله الكتاب المشهور في تاريخ الامم والملوك، وكتاب التفسير لم يصنف أحد مثله.
وكتاب سماه تهذيب الآثار لم أر سواه في معناه، إلا أنه لم يتمه (1).
وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة واختيارات، وتفرد بمسائل حفظت عنه.
قال الخطيب: وبلغني عن الشيخ أبي حامد أحمد بن أبي طاهر الفقيه الاسفرائيني أنه قال: لو سافر رجل إلى الصين حتى ينظر في كتاب تفسير ابن جرير الطبري لم يكن ذلك كثيرا، أو كما قال.
وروى الخطيب عن إمام الائمة أبي بكر بن خزيمة أنه طالع تفسير محمد بن جرير في سنين من أوله إلى آخره، ثم قال: ما أعلم على أديم الارض أعلم من ابن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة.
وقال محمد لرجل رحل إلى بغداد يكتب الحديث عن المشايخ - ولم يتفق له سماع من ابن جرير لان الحنابلة كانوا يمنعون أن يجتمع به أحد - فقال ابن خزيمة: لو كتبت عنه لكان خيرا لك من كل من كتبت عنه.
قلت: وكان من العبادة والزهادة والورع والقيام في الحق لا تأخذه في ذلك لومة لائم، وكان حسن الصوت بالقراءة مع المعرفة التامة بالقراءات على أحسن الصفات، وكان من كبار الصالحين، وهو أحد المحدثين الذي اجتمعوا في مصر في أيام ابن طولون، وهم محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الائمة، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن هارون الروياني، ومحمد بن جرير الطبري هذا.
وقد ذكرناهم في ترجمة محمد بن نصر المروزي، وكان الذي قام فصلى هو محمد بن إسحاق بن خزيمة، وقيل محمد بن نصر، فرزقهم الله.
وقد أراد الخليفة المقتدر (2) في بعض الايام أن يكتب كتاب وقف تكون شروطه متفقا عليها بين العلماء، فقيل له: لا يقدر على استحضار ذلك إلا محمد بن جرير الطبري، فطلب منه ذلك فكتب له، فاستدعاه الخليفة إليه وقرب منزلته عنده.
وقال له: سل حاجتك، فقال: لا حاجة لي.
فقال لا بد أن تسألني حاجة أو شيئا.
فقال: أسأل من أمير المؤمنين أن يتقدم أمره إلى الشرطة حتى يمنعوا السؤال يوم الجمعة أن يدخلوا إلى مقصورة الجامع، فأمر الخليفة بذلك.
وكان ينفق على نفسه من مغل قرية تركها له أبوه بطبرستان.
ومن شعره:
إذا أعسرت لم يعلم رفيقي (3) * وأستغني فيستغني صديقي حيائي حافظ لي ماء وجهي * ورفقي في مطالبتي رفيقي ولو أني سمحت ببذل وجهي * لكنت إلى الغنى سهل الطريق
__________
(1) وهو من عجائب كتبه ابتدأ بما رواه أبو بكر الصديق مما صح، وتكلم على كل حديث وعلته وطرقه وما فيه من الفقه واختلاف العلماء وحججهم واللغة.
(2) في تذكرة الحفاظ: 1 / 711: المكتفي.
(3) في الوفيات 4 / 192: شقيقي .
ومن شعره أيضا: خلقان لا أرضى طريقهما * بطر الغنى ومذلة الفقر فإذا غنيت فلا تكن بطرا * وإذا افتقرت فته على الدهر وقد كانت وفاته وقت المغرب عشية يوم الاحد بقيا من شوال من سنة عشر وثلثمائة.
وقد جاوز الثمانين بخمس سنين أو ست سنين، وفي شعر رأسه ولحيته سواد كثير، ودفن في داره لان بعض عوام الحنابلة ورعاعهم منعوا دفنه نهارا ونسبوه إلى الرفض، ومن الجلهة من رماه بلالحاد، وحاشاه من ذلك كله.
بل كان أحد أئمة الاسلام علما وعملا بكتاب الله وسنة رسوله، وإنما تقلدوا ذلك عن أبي بكر محمد بن داود الفقيه الظاهري، حيث كان يتكلم فيه ويرميه بالعظائم وبالرفض.
ولما توفي اجتمع الناس من سائر أقطار بغداد وصلوا عليه بداره ودفن بها، ومكث الناس يترددون إلى قبره شهروا يصلون عليه، وقد رأيت له كتابا جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين، وكتابا جمع فيه طريق حديث الطير.
ونسب إليه أنه كان يقول بجواز مسح القدمين في الوضوء وأنه لا يوجب غسلهما، وقد اشتهر عنه هذا.
فمن العلماء من يزعم أن ابن جرير اثنان أحدهما شيعي وإليه ينسب ذلك، وينزهون أبا جعفر هذا عن هذه الصفات.
والذي عول عليه كلامه في التفسير أنه يوجب غسل القدمين ويوجب مع الغسل دلكهما، ولكنه عبر عن الدلك بالمسح، فلم يفهم كثير من الناس
مراده، ومن فهم مراده نقلوا عنه أنه يوجب الغسل والمسح وهو الدلك والله أعلم.
وقد رثاه جماعة من أهل العلم منهم ابن الاعرابي حيث يقول: حدث مفظع وخطب جليل * دق عن مثله اصطبار الصبور قام ناعي العلوم اجمع لما * قام ناعي محمد بن جرير فهوت أنجم لها زاهرات * مؤذنات رسومها بالدثور وتغشى ضياها النير الاش * راق ثوب الدجنة الديجور وغدا روضها الانيق هشيما * ثم عادت سهولها كالوعور يا أبا جعفر مضيت حميدا * غير وان في الجد والتشمير بين أجر على اجتهادك موفو * ر وسعي إلى التقى مشكور مستحقا به الخلود لدى جن * ة عدن في غبطة وسرور ولابي بكر بن دريد رحه الله فيه مرثاة طويلة (1)، وقد أوردها الخطيب البغدادي بتمامها.
والله سبحانه أعلم.
__________
(1) ومنها: تذكرة الحفاظ 1 / 715: إن المنية لم تتلف به رجلا * بل أتلفت علما للدين منصوبا كان الزمان به تصفو مشاربه * والآن أصبح بالتكدير مقطوبا
ثم دخلت سنة إحدى عشرة وثلثمائة فيها دخل أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي أمير القرامطة في ألف وسبعمائة فارس إلى البصرة ليلا، نصب السلالم الشعر في سورها فدخلها قهرا وفتحوا أبوابها وقتلوا من لقوه من أهلها، وهرب أكثر الناس فألقوا أنفسهم في الماء فغرق كثير منهم، ومكث بها سبعة عشر يوما يقتل ويأسر من نسائها وذراريها، ويأخذ ما يختار من أموالها.
ثم عاد إلى بلده هجر، كلما بعث إليه الخليفة جندا من قبله فر هاربا وترك البلد خاويا، إنا لله وإنا إليه راجعون.
وفيها عزل المقتدر عن الوزارة حامد بن
العباس وعلي بن عيسى وردها إلى أبي الحسن بن الفرات مرة ثالثة، وسلم إليه حامدا وعلي بن عيسى، فأما حامد فإن المحسن بن الوزير ضمنه من المقتدر بخمسمائة ألف ألف دينار، فتسلمه فعاقبه بأنواع العقوبات، وأخذ منه أموالا جزيلة لا تحصى ولا تعد كثرة، ثم أرسله مع موكلين عليه إلى واسط ليحتاطوا على أمواله، وحواصله هناك، وأمرهم أن يسقوه سما في الطريق فسقوه ذلك في بيض مشوي كان قد طلبه منهم، فمات في رمضان من هذه السنة.
وأما علي بن عيسى فإنه صودر بثلثمائة ألف دينار وصودر قوم آخرون من كتابه، فكان جملة ما أخذ من هؤلاء مع ما كان صودرت به القهرمانة من الذهب شيئا كثيرا جدا آلاف ألف من الدنانير، وغير ذلك من الاثاث والاملاك والدواب والآنية من الذهب والفضة.
وأشار الوزير ابن الفرات على الخليفة المقتدر بالله أن يبعد عنه مؤنس الخادم إلى الشام - وكان قد قدم من بلاد الروم من الجهاد، وقد فتح شيئا كثيرا من حصون الروم وبلدانهم، وغنم مغانم كثيرة جدا - فأجابه إلى ذلك، فسأل مؤنس الخليفة أن ينظره إلى سلخ شهر رمضان، وكان مؤنس قد أعلم الخليفة بما يعتمده ابن الوزير من تعذيب الناس ومصادرتهم بالاموال، فأمر الخليفة مؤنسا بالخروج إلى الشام.
وفيها كثر الجراد وأفسد كثيرا من الغلات.
وفي رمضان منها أمر الخليفة برد ما فضل من المواريث على ذوي الارحام.
وفي رمضان أحرق بالنار على باب العامة مائتين وأربعة أعدال من كتب الزنادقة، منها ما كان صنفه الحلاج وغيره، فسقط منها ذهب كثيرا كانت محلاة به.
وفيها اتخذ أبو الحسن بن الفرات الوزير مرستانا في درب الفضل وكان ينفق عليه من ماله في كل شهر مائتي دينار.
وفيها توفي من الاعيان..الخلال أحمد بن محمد بن هاون أبو بكر الخلال، صاحب الكتاب الجامع لعلوم الامام أحمد، ولم يصنف في مذهب الامام أحمد مثل هذا الكتاب، وقد سمع الخلال الحديث من الحسن بن عرفة وسعدان بن نصر وغيرهما توفي يوم الجمعة قبل الصلاة ليومين مضتا من هذه السنة.
أبو محمد الجريري أحد أئمة الصوفية أحمد بن محمد بن الحسين أبو محمد الجريري أحد كبار الصوفية، صحب
سريا السقطي، وكان الجنيد يكرمه ويحترمه.
ولما حضرت الجنيد الوفاة أوصى أن يجالس الجريري، وقد اشتبه على الجريري هذا شأن الحلاج فكان ممن أجمل القول فيه، على أن الجريري هذا مذكور بالصلاح والديانة وحسن الادب.
الزجاج صاحب معاني القرآن إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق الزجاج، كان فاضلا دينا حسن الاعتقاد، وله المصنفات الحسنة، منها كتاب معني القرآن وغيره من المصنفات العديدة المفيدة، وقد كان أول أمره يخرط الزجاج فأحب علم النحو فذهب إلى المبرد، وكان يعطي المبرد كل يوم درهما، ثم استغنى الزجاج وكثر ماله ولم يقطع عن المبرد ذلك الدرهم حتى مات، وقد كان الزجاج مؤدبا للقاسم بن عبيد الله.
فلما ولي الوزارة كان الناس يأتونه بالرقاع ليقدمها إلى الوزير، فحصل له بسبب ذلك ما يزيد على أربعين ألف دينار.
توفي في جمادى الاولى منها.
وعنه أخذ أبو علي الفارسي النحوي، وابن القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، نسب إليه لاخذه عنه، وهو صاحب كتاب الجمل في النحو.
بدر مولى المعتضد وهو بدر الحمامي ويقال له بدر الكبير، كان في آخر وقت على نيابة فارس، ثم وليها من بعده ولده محمد.
حامد بن العباس الوزير استوزره المقتدر في سنة ست وثلثمائة، وكان كثير المال والغلمان، كثير النفقات كريما سخيا، كثير المروءة.
له حكايات تدل على بذله وإعطائه الاموال الجزيلة، ومع هذا كان قد جمع شيئا كثيرا، وجد له في مطمورة ألوف من الذهب، كان كل يوم إذا دخلها ألقى فيها ألف دينار، فلما امتلات طمها، فلما صودر دل عليه فاستخرجوا منها مالا كثيرا جدا، ومن أكبر مناقبه أنه كان من السعاة في قتل الحسين الحلاج كما ذكرنا ذلك.
توفي الوزير حامد بن العباس في رمضان منها
مسموما.
وفيها توفي عمر بن محمد بجير البجيري (1) صاحب الصحيح.
__________
(1) من تذكرة الحفاظ 1 / 719 وفي الاصل " بحتر البحتري ".
وهو أبو حفص الحافظ الامام، الهمذاني السمرقندي محدث ما وراء النهر.
ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين.
سمع عيسى بن حماد وبشر بن معاذ العقدي وغيرهما .
ابن خزيمة محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي، مولى محسن بن مزاحم الامام أبو بكر بن خزيمة الملقب بإمام الائمة، كان بحرا من بحور العلم، طاف البلاد ورحل إلى الآفاق في الحديث وطلب العلم، فكتب الكثير وصنف وجمع، وكتابه الصحيح من أنفع الكتب وأجلها، وهو من المجتهدين في دين الاسلام، حكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الشافعية عنه أنه قال: ما قلدت أحدا منذ بلغت ستة عشر سنة، وقد ذكرنا له ترجمة مطولة في كتابنا طبقات الشافعية.
وهو أحد المحمدين الذين أرملوا بمصر ثم رزقهم الله ببركة صلاته.
وقد ذكرنا نحو ذلك في ترجمة الحسن بن سفيان.
وفيها توفي محمد بن زكريا الطبيب (1) صاحب المصنف الكبير في الطب.
ثم دخلت سنة ثنتي عشرة وثلثمائة في المحرم منها اعترض القرمطي أبو طاهر الحسين بن أبي سعيد الجنابي لعنه الله، ولعن أباه.
للحجيج وهم راجعون من بيت الله الحرام، قد أدوا فرض الله عليهم، فقطع عليهم الطريق فقاتلوه دفعا عن أموالهم وأنفسهم وحريمهم، فقتل منهم خلقا كثيرا لا يعلمهم إلا الله، وأسر من نسائهم وأبنائهم ما اختاره، واصطفى من أموالهم ما أراد، فكان مبلغ ما أخذه من الاموال ما يقاوم ألف الف دينار، ومن الامتعة والمتاجر نحو ذلك، وترك بقية الناس بعد ما أخذ جمالهم وزادهم وأموالهم ونساءهم وأبناءهم على بعد الديار في تلك الفيافي والبرية بلا ماء ولا زاد ولا محمل.
وقد جاحف عن الناس نائب الكوفة أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان فهزمه وأسره.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
وكان عدة
من مع القرمطي ثمانمائة مقاتل، وعمره إذ ذاك سبع عشرة سنة قصمه الله.
ولما انتهى خبرهم إلى بغداد قام نساؤهم وأهاليهم في النياحة ونشرن شعورهن ولطمن خدودهن، وانضاف إليهم نساء الذين نكبوا على يد الوزير وابنه، وكان ببغداد يوم مشهود بسبب ذلك في غاية البشاعة والشناعة، فسأل الخليفة عن الخبر فذكروا له أنهم نسوة الحجيج ومعهن نساء الذي صادرهم ابن الفرات، وجاءت على يد الحاجب نصر بن القشوري على الوزير فقال: يا أمير المؤمنين إنما استولى هذا القرمطي على ما استولى عليه بسبب إبعادك مؤنس الخادم المظفر، فطمع هؤلاء في الاطراف، وما أشار عليك بإبعاده إلا ابن الفرات، فبعث الخليفة إلى ابن الفرات يقول له: إن الناس يتكلمون فيك لنصحك إياي، وأرسل يطيب قلبه، فركب هو وولده إلى الخليفة فدخلا عليه فأكرمهما وطيب قلوبهما، فخرجا من عنده فنالهما أذى كثير من نصر الحاجب وغيره من كبار الامراء، وجلس الوزير في
__________
(1) قال صاحب العبر: كان مغنيا في صباه اشتغل بالطب بعد الاربعين من عمره صنف في الطب كتبا كثيرة منها: الحادي والجامع وكتاب الاعصاب.
طال عمره وعمي في آخر عمره (الوافي 3 / 75) .
دسته فحكم بين الناس كعادته، وبات ليلته تلك مفكرا في أمره.
وأصبح كذلك وهو ينشد: فأصبح لا يدري وإن كان حازما * أقدامه خير له أم داره ؟ (1) ثم جاءه في ذلك اليوم أميران (2) من جهة الخليفة فدخلا عليه داره إلى بين حريمه وأخرجوه مكشوفا رأسه وهو في غاية الذل والصغار، والاهانة والعار، فأركبوه في حراقة إلى الجانب الآخر.
وفهم الناس ذلك فرجموا ابن الفرات بالآجر، وتعطلت الجوامع وخربت العامة المحاريب، ولم يصل الناس الجمعة فيها، وأخذ خط الوزير بألفي (3) ألف دينار، وأخذ خط ابنه بثلاثة آلاف ألف دينار، وسلما إلى نازوك أمير الشرطة، فاعتقلا حينا حتى خلصت منهما الاموال، ثم أرسل الخليفة خلف مؤنس الخادم، فلما قدم سلمهما إليه فأهانهم غاية الاهانة بالضرب والتقريع له ولولده المجرم الذي ليس بمحسن، ثم قتلا بعد ذلك.
واستوزر عبد الله بن محمد بن عبيد الله (4) بن محمد بن يحيى بن خاقان أبو القاسم، وذلك في تاسع ربيع الاولى منها.
ولما دخل مؤنس بغداد دخل في تجمل عظيم
وشفع عند ابن خاقان في أن يرسل إلى علي بن عيسى - وكان قد صار إلى صنعاء اليمن مطرودا - فعاد إلى مكة وبعث إليه الوزير أن ينظر في أمر الشام ومصر، وأمر الخليفة مؤنس الخادم بأن يسير إلى الكوفة لقتال القرامطة، وأنفق على خروجه ألف ألف دينار، وأطلق القرمطي من كان أسره من الحجيج، وكانوا ألفي رجل وخمسمائة أمرأة، وأطلق أبا الهيجاء نائب الكوفة معهم أيضا، وكتب إلى الخليفة يسأل منه البصرة والاهواز فلم يجب إلى ذلك، وركب المظفر مؤنس في جحافل إلى بلاد الكوفة فسكن أمرها، ثم أنحدر منها إلى واسط واستناب على الكوفة ياقوت الخادم، فتمهدت الامور وانصلحت.
وفي هذه السنة ظهر رجل بين الكوفة وبغداد فادعى أنه محمد بن إسماعيل بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وصدقه على ذلك طائفة من الاعراب والطغام، والتفوا عليه وقويت شوكته في شوال، فأرسل إليه الوزير جيشا فقاتلوه فهزموه وقتلوا خلقا من أصحابه، وتفرق بقيتهم.
وهذا المدعي المذكور هو رئيس الاسماعيلية وهو أولهم.
وظفر نازوك صاحب الشرطة بثلاث من أصحاب الحلاج: وهم حيدرة، والشعراني، وابن منصور، فطالبهم بالرجوع عن اعتقادهم فيه فلم يرجعوا، فضرب رقابهم وصلبهم في الجانب الشرقي.
ولم يحج في هذه السنة أحد من أهل العراق لكثرة خوف الناس من القرامطة.
وفيها توفي من الاعيان..
__________
(1) في ابن الاثير 8 / 150: أم وراءه ؟ (2) نازوك وبليق بن (ابن الاثير).
(3) في ابن الاثير 8 / 150: ألف.
(4) من ابن الاثير ومروج الذهب والفخري، وفي الاصل عبد الله .
إبراهيم بن خميس أبو إسحاق الواعظ الزاهد.
كان يعظ الناس، فمن جملة كلامه الحسن قوله: يضحك القضاء من الحذر، ويضحك الاجل من الامل، ويضحك التقدير من التدبير، وتضحك القسمة
من الجهد والعناء.
علي بن محمد بن الفرات ولاه المقتدر الوزارة ثم عزله ثم ولاه ثم عزله ثم ولاه ثم عزله ثم ولاه ثم عزله ثم ولاه ثم قتله في هذه السنة، وقتل ولده، وكان ذا مال جزيل: ملك عشرة آلاف ألف دينار، وكان يدخل له من ضياعه كل سنة ألف (1) ألف دينار، وكان ينفق على خمسة آلاف من العباد والعلماء، تجري عليهم نفقات في كل شهر ما فيه كفايتهم، وكان له معرفة بالوزارة والحساب، يقال إنه نظر يوما في ألف كتاب، ووقع على ألف رقعة، فتعجب من حضره من ذلك، وكانت فيه مروءة وكرم وحسن سيرة في ولاياته، غير هذه المرة فإنه ظلم وغشم وصادر الناس وأخذ أموالهم، فأخذه الله أخذ القرى وهي ظالمة، أخذ عزيز مقتدر.
وقد كان ذا كرم وسعة في النفقة، ذاكر عنده ذات ليلة أهل الحديث والصوفية وأهل الادب فأطلق من ماله لكل طائفة عشرين ألفا.
وكتب رجل على لسانه إلى نائب مصر كتابا فيه وصية به منه إليه، فلما دفع المكتوب إلى نائب مصر استراب منه وقال: ما هذا خط الوزير، وأرسل به إلى الوزير، فلما وقف عليه عرف أنه كذب وزور، فاستشار الحاضرين عنده فيما يفعل بالذي زور عليه، فقال بعضهم: تقطع يديه.
وقال آخر تقطع إبهاميه، وقال آخر يضرب ضربا مبرحا.
فقال الوزير: أو خير من ذلك كله ؟ ثم أخذ الكتاب وكتبه عليه: نعم هذا خطي وهو من أخص أصحابي، فلا تتركن من الخير شيئا مما تقدر عليه إلا أوصلته إليه.
فلما عاد الكتاب أحسن نائب مصر إلى ذلك الرجل إحسانا بالغا، ووصله بنحو من عشرين ألف دينار.
واستدعى ابن الفرات يوما ببعض الكتاب فقال له: ويحك إن نيتي فيك سيئة، وإني في كل وقت أريد أن أقبض عليك وأصادرك، فأراك في المنام تمنعني برغيف، وقد رأيتك في المنام من ليال، وإني أريد القبض عليك، فجعلت تمتنع مني، فأمرت جندي أن يقاتلوك، فجعلوا كلما ضربوك بشئ من سهام وغيرها تتقي الضرب برغيف في يدك، فلا يصل إليك شئ، فأعلمني ما قصة هذا الرغيف.
فقال: أيها الوزير إن أمي منذ كنت صغير كل ليلة تضع تحت وسادتي رغيفا، فإذا أصبحت تصدقت به عني، فلم يزل كذلك دأبها حتى ماتت.
فلما ماتت فعلت أنا ذلك مع نفسي، فكل ليلة أضع تحت
وسادتي رغيفا ثم أصبح فأتصدق به.
فعجب الوزير من ذلك وقال: والله لا ينالك مني بعد اليوم سوء أبدا، ولقد حسنت نيتي فيك، وقد أحببتك.
وقد أطال ابن خلكان ترجمته فذكر بعض ما أوردناه في ترجمته.
__________
(1) في وفيات الاعيان 3 / 422: ألفي .
محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث بن عبد الرحمن أبو بكر الازدي الواسطي، المعروف بالباغندي، سمع محمد بن عبد الله بن نمير، وابن أبي شيبة وشيبان بن فروخ، وعلي بن المديني، وخلقا من أهل الشام ومصر والكوفة والبصرة وبغداد، ورحل إلى الامصار البعيدة، وعني بهذا الشأن، واشتغل فيه فأفرط، حتى قيل إنه ربما سرد بعض الاحاديث بأسانيدها في الصلاة والنوم وهو لايشعر، فكانوا يسبحون به حتى يتذكر أنه في الصلاة، وكان يقول: أنا أجيب في ثلثمائة ألف مسألة من الحديث لا أتجاوزه إلى غيره.
وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه فقال له: يا رسول الله أيما أثبت في الاحاديث منصور أو الاعمش ؟ فقال له: منصور.
وقد كان يعاب بالتدليس حتى قال الدار قطني: هو كثير التدليس، يحدث بما لم يسمع، وربما سرق بعض الاحاديث والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة قال ابن الجوزي: في ليلة بقيت من المحرم انقض كوكب من ناحية الجنوب إلى الشمال قبل مغيب الشمس، فأضاءت الدنيا منه وسمع له صوت كصوت الرعد الشديد.
وفي صفر منها بلغ الخليفة أن جماعة من الرافضة يجتمعون في مسجد براثي فينالون من الصحابة ولا يصلون الجمعة، ويكاتبون القرامطة ويدعون إلى محمد بن إسماعيل الذي ظهر بين الكوفة وبغداد، ويدعون أنه المهدي، ويتبرأون من المقتدر وممن تبعه.
فأمر بالاحتياط عليهم واستفتى العلماء بالمسجد فأفتوا بأنه مسجد ضرار، فضرب من قدر عليه منهم الضرب المبرح، ونودي عليهم.
وأمر بهدم ذلك المسجد المذكور فهدم، هدمه نازوك، وأمر الوزير الخاقاني فجعل مكانه مقبرة فدفن فيها جماعة من الموالي.
وخرج الناس للحج في ذي القعدة فاعترضهم أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي القرمطي، فرجع أكثر الناس إلى بلدانهم، ويقال إن بعضهم سأل منه الامان ليذهبوا فأمنهم.
وقد قاتله جند الخليفة فلم يفد ذلك شيئا لتمرده وشدة بأسه، فانزعج أهل بغداد من ذلك، وترحل أهل الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي خوفا منهم، ودخل القرمطي إلى الكوفة فأقام بها شهرا يأخذ من أموالها ونسائهم ما يختار.
قال ابن الجوزي: وكثر الرطب في هذه السنة ببغداد حتى بيع كل ثمانية أرطال بحبة، وعمل منه تمر وحمل إلى البصرة (1).
وعزل المقتدر وزيره الخاقاني (2) بعد أن ولاه سنة وستة أشهر ويومين، وولى مكانه أبا القاسم أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن الخطيب الخصيبي، لاجل مال بذله من جهة زوجة للحسن بن الفرات، وكان ذلك المال سبعمائة ألف دينار فأمر الخصيبي علي بن
__________
(1) زاد في الكامل 8 / 160: وواسط.
(2) قال صاحب الفخري: صودر وعزل ثم توفي في سنة 312 ه (ص 269) .
عيسى على أن يكون مشرفا على ديار مصر وبلاد الشام، وهو مقيم بمكة يسير إلى تلك البلاد في بعض الاوقات فيعمل ما ينبغي ثم يرجع إلى مكة.
وفيها توفي من الاعيان: علي بن عبد الحميد بن عبد الله بن سليمان أبو الحسن الغضائري (1)، سمع القواريري وعباسا العنبري، وكان من العباد الثقات.
قال: جئت يوما إلى السري السقطي فدققت عليه بابه فخرج إلى ووضع يده على عضادتي الباب وهو يقول: اللهم اشغل من شغلني عنك بك.
قال: فنالتني بركة هذه الدعوة فحججت على قدمي من حلب إلى مكة أربعين حجة ذاهبا وآيبا أبو العباس السراج الحافظ محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران بن عبد الله الثقفي مولاهم، أبو العباس السراج، أحد الائمة الثقات الحفاظ، مولده سنة ثمان عشرة ومائتين، سمع قتيبة وإسحاق بن راهويه وخلقا كثيرا من أهل خراسان وبغداد والكوفة والبصرة والحجاز، وقد حدث عنه البخاري ومسلم، وهما
أكبر منه وأقدم ميلادا ووفاة وله مصنفات كثيرة نافعة جدا، وكان يعد من مجابي الدعوة.
وقد رأى في منامه كأنه يرقى في سلم فصعد فيه تسعا وتسعين درجة، فما أولها على أحد إلا قال له: تعيش تسعا وتسعين سنة، فكان كذلك.
وقد ولد له ابنه أبو عمرو وعمره ثلاث وثمانون سنة.
قال الحاكم: فسمعت أبا عمرو يقول: كنت إذا دخلت المسجد على أبي والناس عنده يقول لهم: هذا عملته في ليلة ولي من العمر ثلاث وثمانون سنة.
ثم دخلت سنة أربع عشرة وثلاثمائة فيها كتب ملك الروم، وهو الدمستق لعنه الله، إلى أهل السواحل أن يحملوا إليه الخراج، فأبوا عليه فركب إليهم في جنوده في أول هذه السنة، فعاث في الارض فسادا، ودخل ملطية فقتل من أهلها خلقا وأسر وأقام بها ستة عشر يوما، وجاء أهلها إلى بغداد يستنجدون الخليفة عليه.
ووقع في بغداد حريق في مكانين، مات فيهما خلق كثير، وأحرق في أحدهما ألف دار ودكان، وجاءت الكتب بموت الدمستق ملك النصارى فقرئت الكتب على المنابر.
وجاءت الكتب من مكة أنهم في غاية الانزعاج بسبب اقتراب القرامطة إليهم وقصدهم إياهم، فرحلوا منها إلى الطائف وتلك النواحي.
وفيها هبت ريح عظيمة بنصيبين اقتلعت أشجارا كثيرة وهدمت البيوت.
قال ابن الجوزي: وفي يوم
__________
(1) الغضائري: نسبة إلى الغضار وهو الاناء الذي يؤكل فيه
الاحد لثمان مضين من شوال منها - وهو سابع كانون الاول - سقط ببغداد ثلج عظيم جدا حصل بسببه برد شديد، بحيث أتلف كثير من النخيل والاشجار، وجمدت الادهان حتى الاشربة، وماء الورد والخل والخلجان الكبار، ودجلة.
وعقد بعض مشايخ الحديث مجالسا للتحديث على متن دجلة من فوق الجمد، وكتب هنالك، ثم انكسر البرد بمطر وقع فأزال ذلك كله ولله الحمد.
وفيها قدم الحجاج من خراسان إلى بغداد فاعتذر إليهم مؤنس الخادم بأن القرامطة قد قصدوا مكة، فرجعوا ولم يتهيأ الحج في هذه السنة من ناحية العراق بالكلية.
وفي ذي القعدة عزل الخليفة وزيره أبا العباس الخصيبي بعد سنة وشهرين، وأمر بالقبض عليه وحبسه، وذلك لاهماله أمر الوزارة والنظر في
المصالح، وذلك لاشتغاله بالخمر في كل ليلة فيصبح مخمورا لا تمييز له، وقد وكل الامور إلى نوابه فخانوا وعملوا مصالحهم، وولى أبا القاسم عبيد الله بن محمد الكلوذاني نيابة عن علي بن عيسى، حتى يقدم، ثم أرسل في طلب علي بن عيسى وهو بدمشق، فقدم بغداد في أبهة عظيمة (1)، فنظر في المصالح الخاصة والعامة، ورد الامور إلى السداد، وتمهدت الامور.
واستدعى بالخصيبي فتهدده ولامه وناقشه على ما كان يعتمده ويفعله في خاصة نفسه من معاصي الله عز وجل، وفي الامور العامة، وذلك بحضرة القضاة والاعيان.
ثم رده إلى السجن.
وفيها أخذ نصر بن أحمد الساماني الملقب بالسعيد بلاد الري وسكنها إلى سنة ست عشرة وثلثمائة.
وفيها غزت الصائفة من طرسوس بلاد الروم فغنموا وسلموا.
ولم يحج ركب العراق خوفا من القرامطة.
وفيها توفي من الاعيان سعد النوبي صاحب باب النوبي من دار الخلافة ببغداد في صفر، وأقيم أخوه مكانه في حفظ هذا الباب الذي صار ينسب بعد إليه.
ومحمد بن محمد الباهلي (2).
ومحمد بن عمر بن لبابة القرطبي (3).
ونصر بن القاسم الفرائضي الحنفي أبو الليث، سمع القواريري وكان ثقة عالما بالفرائض على مذهب أبي حنيفة، مقربا جليلا.
ثم دخلت سنة خمس عشرة وثلاثمائة في صفر منها كان قدوم علي بن عيسى الوزير من دمشق، وقد تلقاه الناس إلى أثناء الطريق، فمنهم من لقيه إلى الانبار، ومنهم دون ذلك.
وحين دخل إلى الخليفة خاطبه الخليفة فأحسن مخاطبته
__________
(1) قدم علي بغداد في أوائل سنة 315 (الكامل 8 / 164).
قال الفخري ص 273: لم تطل أيامه (الكلوذاني) فكانت وزارته مدة شهرين.
(2) وهو محمد بن محمد بن النفاح بن بدر، أبو الحسن، روى عن إسحاق بن أبي إسرائيل وطبقته توفي بمصر في ربيع الآخر.
(3) أبو عبد الله القرطبي، وفي الاصل القرمطي تحريف، وهو مفتي الاندلس، فقيه محدث أديب أخباري شاعر مؤرخ ولد سنة 225 ه، وروى عن أصبغ والعتبي وطبقتهما وتوفي في شعبان .
ثم انصرف إلى منزله فبعث الخليفة وراءه بالفرش والقماش وعشرين ألف دينار، واستدعاه من الغد فخلع عليه فأنشد وهو في الخلعة: ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها * فكيف ما انقلبت به انقلبوا يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت * يوما عليه بما لايشتهي وثبوا وفيها جاءت الكتب بأن الروم دخلوا شميساط وأخذوا جميع ما فيها، ونصبوا فيها خيمة الملك وضربوا الناقوس في الجامع بها، فأمر الخليفة مؤنس الخادم بالتجهيز إليهم، وخلع عليه خلعة سنية.
ثم جاءت الكتب بأن المسلمين وثبوا على الروم فقتلوا منهم خلقا كثيرا جدا فلله الحمد والمنة.
ولما تجهز مؤنس للمسير جاءه بعض الخدم فأعلمه أن الخليفة يريد أن يقبض عليه إذا دخل لوداعه، وقد حضرت له ريبة في دار الخلافة مغطاة ليقع فيها، فأحجم عن الذهاب.
وجاءت الامراء إليه من كل جانب ليكونوا معه على الخليفة، فبعث إليه الخليفة رقعة فيها خطه يحلف له أن هذا الامر الذي بلغه ليس بصحيح.
فطابت نفسه وركب إلى دار الخلافة في غلمانه، فلما دخل على الخليفة خاطبه مخاطبة عظيمة.
وحلف أنه طيب القلب عليه، وله عنده الصفاء الذي يعرفه.
ثم خرج من بين يديه معظما مكرما، وركب العباس بن الخليفة والوزير ونصر الحاجب في خدمته لتوديعه، وكبر الامراء بين يديه مثل الحجبة، وكان خروجه يوما مشهودا، قاصد بلاد الثغور لقتال الروم.
وفي جمادى الاولى منها قبض على رجل خناق قد قتل خلقا من النساء، وكان يدعي لهن أنه يعرف العطف والتنجيم، فقصده النساء لذلك فإذا انفرد بالمرأة قام إليها ففعل الفاحشة وخنقها بوتر وأعانته امرأته وحفر لها في داره فدفنها، فإذا امتلات تلك الدار من القتلى انتقل إلى دار أخرى.
ولما ظهر عليه وجد في داره التي هو فيها أخيرا سبع عشرة امرأة قد خنقهن، ثم تتبعت الدور التي سكنها فوجوده قد قتل شيئا كثيرا من النساء، فضرب ألف سوط ثم خنق حتى مات.
وفيها كان ظهور الديلم قبحهم الله ببلاد الري، وكان فيهم ملك غلب على أمرهم يقال له مرداويج، يجلس على سرير من ذهب وبين يديه سرير من فضة، ويقول: أنا سليمان بن داود.
وقد سار في أهل الري وقزوين وأصبهان سيرة قبيحة جدا، فكان يقتل النساء والصبيان في المهد، ويأخذ أموال الناس، وهو في غاية الجبروت
والشدة والجرأة على محارم الله عز وجل، فقتلته الاتراك وأراح الله المسلمين من شره.
وفيها كانت بين يوسف بن أبي الساج وبين أبي طاهر القرمطي عند الكوفة موقعة فسبقه إليها أبو طاهر فحال بينه وبينها، فكتب إليه يوسف بن أبي الساج: اسمع وأطع وإلا فاستعد للقتال يوم السبت تاسع شوال منها، فكتب: هلم.
فسار إليه، فلما تراءا الجمعان استقل يوسف جيش القرمطي، وكان مع يوسف بن أبي الساج عشرون ألفا، ومع القرمطي ألف فارس وخمسمائة رجل.
فقال يوسف: وما قيمة هؤلاء الكلاب ؟ وأمر الكاتب أن يكتب بالفتح إلى الخليفة قبل اللقاء، فلما اقتتلوا ثبت القرامطة ثباتا عظيما، ونزل القرمطي فحرض أصحابه وحمل بهم حملة صادقة، فهزموا جند الخليفة، وأسروا يوسف بن أبي الساج أمير الجيش، وقتلوا خلقا كثيرا من جند الخليفة، واستحوذوا على الكوفة،
وجاءت الاخبار بذلك إلى بغداد، وشاع بين الناس أن القرامطة يريدون أخذ بغداد، فانزعج الناس لذلك وظنوا صدقه، فاجتمع الوزير بالخليفة وقال: يا أمير المؤمنين إن الاموالا إنما تدخر لتكون عونا على قتال أعداء الله، وإن هذا الامر لم يقع أمر بعد زمن الصحابة أفظع منه، قد قطع هذا الكافر طريق الحج على الناس، وفتك في المسلمين مرة بعد مرة، وإن بيت المال ليس فيه شئ.
فاتق الله يا أمير المؤمنين وخاطب السيدة - يعني أمه - لعل أن يكون عندها شئ ادخرته لشدة، فهذا وقته.
فدخل على أمه فكانت هي التي ابتدأته بذلك، وبذلت له خمسمائة ألف دينار، وكان في بيت المال مثلها، فسلمها الخليفة إلى الوزير ليصرفها في تجهيز الجيوش لقتال القرامطة، فجهز جيشا أربعين ألف مقاتل مع أمير يقال له بليق، فسار نحوهم، فلما سمعوا به أخذو عليه الطرقات، فأراد دخول بغداد فلم يمكنه، ثم التقوا معه فلم يلبث بليق وجيشه أن انهزم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وكان يوسف بن أبي الساج معهم مقيدا في خيمة فجعل ينظر إلى محل الوقعة، فلما رجع القرمطي قال: أردت أن تهرب ؟ فأمر به فضربت عنقه.
ورجع القرمطي من ناحية بغداد إلى الانبار.
ثم انصرف إلى هيت فأكثر أهل بغداد الصدقة، وكذلك الخليفة وأمه والوزير شكرا لله على صرفه عنهم.
وفيها بعث المهدي المدعي أنه فاطمي ببلاد المغرب ولده أبا القاسم في جيش إلى بلاد منها، فانهزم جيشه
وقتل من أصحابه خلق كثير (1).
وفيها اختط المهدي المذكور مدينته المحمدية.
وفيها حاصر عبد الرحمن بن الداخل إلى بلاد المغرب الاموي مدينة طليطلة، وكانوا مسلمين، لكنهم نقضوا عهده ففتحها قهرا وقتل خلقا من أهلها.
وفيها توفي من الاعيان: ابن الجصاص الجوهري واسمه الحسين بن عبد الله بن الجصاص الجوهري أبو عبد الله البغدادي، كان ذا مال عظيم وثروة واسعة، وكان أصل نعمته من بيت أحمد بن طولون، كان قد جعله جوهريا له يسوق له ما يقع من نفائس الجواهر بمصر، فاكتسب بسبب ذلك أموالا جزيلة جدا.
قال ابن الجصاص: كنت يوما بباب ابن طولون إذ خرجت القهرمانة وبيدها عقد فيه مائة حبة من الجوهر، تساوي كل واحدة ألفي دينار.
قالت: أريد أن تأخذ هذا فتخرطه حتى يكون أصغر من هذا الحجم.
فإن هذا نافر عما يريدونه.
فأخذته منها وذهبت به إلى منزلي وجعلت جواهر أصغر منه تساوي أقل من عشر قيمة تلك بكثير، فدفعتها إليها وفزت أنا بذلك الذي جاءت به، وأرادت خرطه وإتلافه.
فكانت قيمته مائتي ألف دينار.
واتفق أنه صودر في أيام المقتدر مصادرة عظيمة، أخذ منه فيها ما يقاوم ستة عشر ألف
__________
(1) قال ابن الاثير في الكامل 8 / 179: فلما خرج تفرق الاعداء، وسار حتى وصل إلى ما وراء تاهرت (وكان قد سار من المهدية) .
ألف دينار (1)، وبقي معه من الاموال شئ كثير جدا.
قال بعض التجار: دخلت عليه فوجدته يتردد في منزله كأنه مجنون، فقلت له: ما لك هكذا ؟ فقال: ويحك، أخذ مني كذا وكذا فأنا أحس أن روحي ستخرج، فعذرته ثم أخذت في تسليته فقلت له: إن دورك وبساتينك وضياعك الباقية تساوي سبعمائة ألف دينار، وأصدقني كم بقي عندك من الجواهر والمتاع ؟ فإذا شئ يساوي ثلثمائة ألف دينار غير ما بقي عنده من الذهب والفضة المصكوكة.
فقلت له: إن هذا أمر لا يشاركك فيه أحد من التجار ببغداد، مع مالك من الوجاهة عند الدولة والناس.
قال: فسرى عنه وتسلى عما
فات وأكل - وكان له ثلاثة أيام لم يأكل شيئا - ولما خلص في مصادرة المقتدر بشفاعة أمه السيدة فيه حكى عن نفسه قال: نظرت في دار الخلافة إلى مائة خيشة، فيها متاع رث مما حمل إلى من مصر، وهو عندهم في دار مضيعة وكان لي في حمل منها ألف دينار موضوعة في مصر لا يشعر بها أحد، فاستوهبت ذلك من أم المقتدر فكلمت في ذلك ولدها فأطلقه إلى فتسلمته فإذا الذهب لم ينقص منه شئ.
وقد كان ابن الجصاص مع ذلك مغفلا شديد التغفل في كلامه وأفعاله، وقد ذكر عنه أشياء تدل على ذلك، وقيل إنه إنما كان يظهر ذلك قصدا ليقال إنه مغفل، وقيل إنه كان يقول ذلك على سبيل البسط والدعابة والله سبحانه أعلم وفيها توفي عبد الله بن محمد القزويني (2).
علي بن سليمان بن المفضل أبو الحسن الاخفش، روى عن المبرد وثعلب واليزيدي وغيرهم، وعنه الروياني والمعافا وغيرهما.
وكان ثقة في نقله، فقيرا في ذات يده، توصل إلى أبي علي بن مقلة حتى كلم فيه الوزير علي بن عيسى في أن يرتب له شيئا فلم يجبه إلى ذلك، وضاق به الحال حتى كان يأكل اللفت النئ فمات فجأة من كثرة أكله في شعبان منها.
وهذا هو الاخفش الصغير، والاوسط هو سعيد بن مسعدة تلميذ سيبويه.
وأما الكبير فهو أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد، من أهل هجر، وهو شيخ سيبويه وأبي عبيد وغيرهما.
وقيل إن أبا بكر محمد بن السري السراج النحوي صاحب الاصول في النحو فيها مات.
قاله ابن الاثير.
ومحمد بن المسيب الارغياني (3).
__________
(1) راجع احداث سنة 302 ه وقد تقدمت الملاحظة هناك.
(2) أبو القاسم، الفقيه قاضي دمشق ثم قاضي الرملة روى عن يونس بن عبد الاعلى وطبقته، كان له حلقة بمصر للفتوى، قال ابن يونس: خلط ووضع أحاديث.
وقال في المغني: كذبه الدار قطني.
(3) شيخ نيسابور الحافظ الجوال الزاهد المفضال روى عن محمد بن رافع وبندار ومحمد بن هاشم البعلبكي.
عاش 92 سنة قال ابن ناصر الدين: كان من العباد المجتهدين .
ثم دخلت سنة ست عشرة وثلاثمائة فيها عاث أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي القرمطي في الارض فسادا، حاصر الرحبة فدخلها قهرا وقتل من أهلها خلقا، وطلب منه أهل قرقيسيا الامان فأمنهم، وبعث سراياه إلى ما حولها من الاعراب فقتل منهم خلقا، حتى صار الناس إذا سمعوا بذكره يهربون من سماع اسمه، وقدر على الاعراب إمارة يحملونها إلى هجر في كل سنة، عن كل رأس ديناران (1).
وعاث في نواحي الموصل فسادا، وفي سنجار ونواحيها، وخرب تلك الديار وقتل وسلب ونهب.
فقصده مؤنس الخادم فلم يتواجها بل رجع إلى بلده هجر فابتنى بها دارا سماها دار الهجرة (2)، ودعا إلى المهدي الذي ببلاد المغرب بمدينة المهدية.
وتفاقم أمره وكثرت أتباعه فصاروا يكبسون القرية من أرض السواد فيقتلون أهلها وينهبون أموالها، ورام في نفسه دخول الكوفة وأخذها فلم يطق ذلك.
ولما رأى الوزير علي بن عيسى ما يفعله هذا القرمطي في بلاد الاسلام، وليس له دافع استعفى من الوزارة لضعف الخليفة وجيشه عنه، وعزل نفسه منها، فسعى فيها علي بن مقلة الكاتب المشهور، فوليها بسفارة نصر الحاجب والي عبد الله البريدي - بالباء الموحدة - من البريد، ويقال اليزيدي لخدمة جده يزيد بن منصور الجهيري.
ثم جهز الخليفة جيشا كثيفا مع مؤنس الخادم (3) فاقتتلوا مع القرامطة فقتلوا من القرامطة خلقا كثيرا، وأسروا منهم طائفة كثيرة من أشرافهم، ودخل بهم مؤنس الخادم بغداد ومعه أعلام من أعلامهم منكسة مكتوب عليها (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض) الآية [ القصص: 5 ].
ففرح الناس بذلك فرحا شديدا، وطابت أنفس البغاددة، وانكسر القرامطة الذين كانوا قد نشأوا وفشوا بأرض العراق، وفوض القرامطة أمرهم إلى رجل يقال له حريث بن مسعود، ودعوا إلى المهدي الذي ظهر ببلاد المغرب جد الفاطميين، وهم أدعياء كذبة، كما قد ذكر ذلك غير واحد من العلماء.
كما سيأتي تفصيله وبيانه في موضعه.
وفيها وقعت وحشة بين مؤنس الخادم والمقتدر، وسبب ذلك أن نازوكا أمير الشرطة وقع بينه وبين هارون بن غريب - وهو ابن خال المقتدر - فانتصر هارون على نازوك وشاع بين العامة أن هارون سيصير أمير الامراء.
فبلغ ذلك مؤنس الخادم وهو بالرقة فأسرع الاوبة إلى بغداد، واجتمع بالخليفة فتصالحا.
ثم إن الخليفة نقل هارون إلى دار الخلافة فقويت الوحشة بينهما، وانضم إلى مؤنس جماعة من الامراء وترددت الرسل بينهما، وانقضت هذه السنة والامر كذلك.
وهذا كله من ضعف الامور واضطرابها وكثرة الفتن وانتشارها.
وفيها كان مقتل الحسين (4) بن القاسم الداعي العلوي صاحب الري على يد
__________
(1) في الكامل 8 / 181: دينار.
(2) بناها حريث بن مسعود (قاله ابن الاثير 8 / 187).
(3) في الكامل 8 / 187: فسير المقتدر هارون بن غريب إلى حريث، وصافيا البصري إلى عيسى بن موسى.
فهزمهم هارون وصافي..(انظر تاريخ أخبار القرامطة لابن العديم ص 53).
(4) في الكامل: 8 / 189: الحسن.
(انظر مروج الذهب 4 / 347) .
صاحب الديلم وسلطانهم مرداويج المجرم قبحه الله.
وفيها توفي من الاعيان..بنان بن محمد بن حمدان بن سعيد أبو الحسن الزاهد، ويعرف بالحمال، وكانت له كرامات كثيرة، وله منزلة كبيرة عند الناس، وكان لا يقبل من السلطان شيئا، وقد أنكر يوما على ابن طولون شيئا من المنكرات وأمره بالمعروف، فأمر به فالقي بين يدي الاسد فكان الاسد يشمه ويحجم عنه، فأمر برفعه من بين يديه وعظمه الناس جدا، وسأله بعض الناس عن حاله حين كان بين يدي الاسد فقال له: لم يكن علي بأس.
قد كنت أفكر في سؤر السباع واختلاف العلماء فيه هل هو طاهر أم نجس.
قالوا: وجاءه رجل فقال له: إن لي على رجل مائة دينار، وقد ذهبت الوثيقة، وأنا أخشى أن ينكر الرجل، فأسألك أن تدعو لي بأن يرد الله علي الوثيقة.
فقال بنان: إني رجل قد كبرت سني ورق عظمي، وأنا أحب الحلواء، فاذهب فاشتر لي منها رطلا وأتني به حتى أدعو لك.
فذهب الرجل فاشترى الرطل ثم جاء به إليه ففتح الورقة التي فيها الحلواء فإذا هي حجته بالمائة دينار.
فقال له: أهذه حجتك ؟
قال: نعم.
قال: خذ حجتك وخذ الحلواء فأطعمها صبيانك.
ولما توفي خرج أهل مصر في جنازته تعظيما له وإكراما لشأنه.
وفيها توفي محمد بن عقيل البلخي (1).
وأبو بكر بن أبي داود السجستاني الحافظ بن الحافظ.
وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الاسفرائيني، صاحب الصحيح المستخرج على مسلم، وقد كان من الحفاظ المكثرين، والائمة المشهورين.
ونصر الحاجب، كان من خيار الامراء، دينا عاقلا، أنفق من ماله في حرب القرامطة مائة ألف دينار.
وخرج بنفسه محتسبا فمات في أثناء الطريق في هذه السنة.
وكان حاجبا للخليفة المقتدر.
ثم دخلت سنة سبع عشرة وثلاثمائة فيها كان خلع المقتدر وتولية القاهر محمد بن المعتضد بالله: في المحرم منها اشتدت الوحشة بين مؤنس الخادم والمقتدر بالله، وتفاقم الحال وآل إلى أن اجتمعوا على خلع المقتدر وتولية القاهر محمد بن المعتضد، فبايعوه بالخلافة وسلموا عليه بها، ولقبوه القاهر بالله.
وذلك ليلة السبت النصف من المحرم، وقلد علي بن مقلة وزارته، ونهبت دار المقتدر، وأخذوا منها شيئا كثيرا جدا،
__________
(1) أبو عبد الله الازهري البلخي شيخ بلخ ومحدثها سمع علي بن خشرم وعباد بن الوليد الغبري وطبقتهما.
كان حسن الحديث (الوافي 4 / 97) .
وأخذوا لام المقتدر خمسمائة ألف دينار - وكانت قد دفنتها في قبر في تربتها - فحملت إلى بيت المال، وأخرج المقتدر وأمه وخالته وخواصه وجواريه من دار الخلافة، وذلك بعد محاصرة دار الخلافة، وهرب من كان بها من الحجبة والخدم، وولى نازوك الحجوبة مضافا إلى ما بيده من الشرطة، وألزم المقتدر بأن كتب على نفسه كتابا بالخلع من الخلافة وأشهد على نفسه بذلك جماعة من الامراء والاعيان، وسلم الكتاب إلى القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، فقال لولده الحسين: احتفظ بهذا الكتاب فلا يرينه أحد من خلق الله.
ولما أعيد المقتدر إلى الخلافة بعد يومين رده إليه، فشكره على ذلك جدا وولاه قضاء القضاة.
فلما كان يوم الاحد السادس عشر من المحرم جلس القاهر بالله في منصب
الخلافة، وجلس بين يديه الوزير أبو علي بن مقلة، وكتب إلى العمال بالآفاق يخبرهم بولاية القاهر بالخلافة عوضا عن المقتدر، وأطلق علي بن عيسى من السجن، وزاد في أقطاع جماعة من الامراء الذين قاموا بنصره، منهم أبو الهيجاء بن حمدان.
فلما كان يوم الاثنين جاء الجند وطلبوا أرزاقهم وشغبوا، وبادروا إلى نازوك فقتلوه، وكان مخمورا، ثم صلبوه.
وهرب الوزير ابن مقلة، وهرب الحجاب ونادوا يا مقتدر يا منصور، ولم يكن مؤنس يومئذ حاضرا، وجاء الجند إلى باب مؤنس يطالبونه بالمقتدر، فأغلق بابه دونهم وجاحف دونه خدمه.
فلما رأى مؤنس أنه لابد من تسليم المقتدر إليهم أمره بالخروج، فخاف المقتدر أن يكون حلية عليه، ثم تجاسر فخرج فحمله الرجال على أعناقهم حتى أدخلوه دار الخلافة، فسأل عن أخيه القاهر وأبي الهيجاء بن حمدان ليكتب لهما أمانا، فما كان عن قريب حتى جاءه خادم ومعه رأس أبي الهيجاء قد احترز رأسه وأخرجه من بين كتفيه، ثم استدعى بأخيه القاهر فأجلسه بين يديه واستدعاه إليه، وقبل بين عينيه، وقال: يا أخي أنت لا ذنب لك، وقد علمت أنك مكره مقهور.
والقاهر يقول: الله الله ! نفسي يا أمير المؤمنين.
فقال: وحق رسول الله صلى الله عليه وسلم لا جرى عليك مني سوء أبدا.
وعاد ابن مقلة فكتب إلى الآفاق يعلمهم بعود المقتدر إلى الخلافة، وتراجعت الامور إلى حالها الاول، وحمل رأس نازوك وأبي الهيجاء ونودي عليهما: هذا رأس من عصى مولاه وهرب أبو السرايا بن حمدان إلى الموصل، وكان ابن نفيس من أشد الناس على المقتدر، فلما عاد إلى الخلافة خرج من بغداد متنكرا فدخل الموصل، ثم صار إلى إرمينية، ثم لحق بالقسطنطينية فتنصر بها مع أهلها وأما مؤنس فإنه لم يكن في الباطن على المقتدر، وإنما وافق جماعة الامراء مكرها، ولهذا لما كان المقتدر في داره لم ينله منه ضيم، بل كان يطيب قلبه، ولو شاء لقتله لما طلب من داره.
فلهذا لما عاد المقتدر إلى الخلافة رجع إلى دار مؤنس فبات بها عنده، لثقته به.
وقرر أبا علي بن مقلة على الوزارة، وولى محمد بن يوسف قضاء القضاة، وجعل محمد أخاه - وهو القاهر - عند والدته بصفة محبوس عندها، فكانت تحسن إليه غاية الاحسان، وتشتري له السراري وتكرمه غاية الاكرام.
ذكر أخذ القرامطة الحجر الاسود إلى بلادهم فيها خرج ركب العراق وأمير هم منصور الديلمي فوصلوا إلى مكة سالمين، وتوافت الركوب هناك من كل مكان وجانب وفج، فما شعروا إلا بالقرمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية، فانتهب أموالهم واستباح قتالهم، فقتل في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقا كثيرا، وجلس أمير هم أبو طاهر لعنه الله على باب الكعبة، والرجال تصرع حوله، والسيوف تعمل في الناس في المسجد الحرام في الشهر الحرام في يوم التروية، الذي هو من أشرف الايام، وهو يقول: أنا الله وبالله، أنا أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا.
فكان الناس يفرون منهم فيتعلقون بأستار الكعبة فلا يجدي ذلك عنهم شيئا.
بل يقتلون وهم كذلك، ويطوفون فيقتلون في الطواف، وقد كان بعض أهل الحديث يومئذ يطوف، فلما قضى طوافه أخذته السيوف، فلما وجب أنشد وهو كذلك: ترى المحبين صرعى في ديارهم * كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا فلما قضى القرمطي لعنه الله أمره وفعل ما فعل بالحجيج من الافاعيل القبيحة، أمر أن تدفن القتلى في بئر زمزم، ودفن كثيرا منهم في أماكنهم من الحرم، وفي المسجد الحرام.
ويا حبذا تلك القتلة وتلك الضجعة، وذلك المدفن والمكان، ومع هذا لم يغسلوا ولم يكفنوا ولم يصل عليهم لانهم محرمون شهداء في نفس الامر.
وهدم قبة زمزم وأمر بقلع باب الكعبة ونزع كسوتها عنها، وشققها بين أصحابه، وأمر رجلا أن يصعد إلى ميزاب الكعبة فيقتلعه، فسقط على أم رأسه فمات إلى النار.
فعند ذلك انكف الخبيث عن الميزاب، ثم أمر بأن يقلع الحجر الاسود فجاءه رجل فضربه بمثقل في يده وقال: أين الطير الابابيل، أين الحجارة من سجيل ؟ ثم قلع الحجر الاسود وأخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم (1)، فمكث عندهم ثنتين وعشرين سنة حتى ردوه، كما سنذكره في سنة تسع وثلاثين وثلثمائة فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولما رجع القرمطي إلى بلاده ومعه الحجر الاسود وتبعه أمير مكة (2) هو وأهل بيته وجنده وسأله وتشفع إليه أن يرد الحجر الاسود ليوضع في مكانه، وبذل له جميع ما عنده من الاموال فلم يلتفت
إليه، فقاتله أمير مكة فقتله القرمطي وقتل أكثر أهل بيته، وأهل مكة وجنده (3) واستمر ذاهبا إلى
__________
(1) قال صاحب تاريخ أخبار القرامطة: فوضعه على سبعين جمل فسيرهم به وهم يضرطون من ثقله إلى هجر (ص 54).
(2) وهو ابن محلب (الكامل 8 / 207 وتاريخ أبي الفدا 2 / 74) وفي مآثر الاناقة 1 / 279: بذل له بجكم التركي أحد امراء المقتدر خمسين ألف دينار فما فعل.
(3) في الجوهر الثمين 169: يقال قتل بمكة قريبا من ثلاثين ألفا .
بلاده ومعه الحجر وأموال الحجيج.
وقد ألحد هذا اللعين في المسجد الحرام إلحادا لم يسبقه إليه أحدا ولا يلحقه فيه، وسيجاريه على ذلك الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد.
وإنما حمل هؤلاء على هذا الصنيع أنهم كفار زنادقة، وقد كانوا ممالئين للفاطميين الذين نبغوا في هذه السنة ببلاد إفريقية من أرض المغرب، ويلقب أمير هم بالمهدي، وهو أبو محمد عبيد الله بن ميمون القداح.
وقد كان صباغا بسلمية، وكان يهوديا فادعى أنه أسلم ثم سافر من سلمية فدخل بلاد إفريقية، فادعى أنه شريف فاطمي، فصدقه على ذلك طائفة كثيرة من البربر وغيرهم من الجهلة، وصارت له دولة، فملك مدينة سجلماسة، ثم ابتنى مدينة وسماها المهدية، وكان قرار ملكه بها، وكان هؤلاء القرامطة يراسلونه ويدعون إليه، ويترامون عليه، ويقال إنهم إنما كانوا يفعلون ذلك سياسة ودولة لا حقيقة له.
وذكر ابن الاثير أن المهدي هذا كتب إلى أبي طاهر يلومه على ما فعل بمكة حيث سلط الناس على الكلام فيهم، وانكشفت أسرارهم التي كانوا يبطنونها بما ظهر من صنيعهم هذا القبيح، وأمره برد ما أخذه منها، وعوده إليها.
فكتب إليه بالسمع والطاعة، وأنه قد قبل ما أشار إليه من ذلك.
وقد أسر بعض أهل الحديث في أيدي القرامطة، فمكث في أيديهم مدة، ثم فرج الله عنه، وكان يحكي عنهم عجائب من قلة عقولهم وعدم دينهم، وأن الذي أسره كان يستخدمه في أشق الخدمة وأشدها وكان يعربد عليه إذا سكر.
فقال لي ذات ليلة وهو سكران: ما تقول في محمدكم ؟ فقلت: لا أدري.
فقال: كان سائسا.
ثم قال: ما تقول في أبي بكر ؟ فقلت: لا أدري.
فقال: كان ضعيفا مهينا.
وكان عمر فظا غليظا.
وكان عثمان جاهلا أحمق.
وكان علي ممخرقا ليس كان عنده أحد يعلمه ما ادعى أنه في صدره من العلم، أما كان يمكنه أن يعلم هذا كلمة وهذا كلمة ؟.
ثم قال: هذا كله مخرقة.
فلما كان من الغد قال: لا تخبر بهذا الذي قلت لك أحدا.
ذكره ابن الجوزي في منتظمه.
وروي عن بعضهم أنه قال: كنت في المسجد الحرام يوم التروية في مكان الطواف، فحمل على رجل كان إلى جانبي فقتله القرمطي، ثم قال: يا حمير، - ورفع صوته بذلك - أليس قلتم في بيتكم هذا (ومن دخله كان آمنا) [ آل عمران: 97 ] فأين الامن ؟ قال: فقلت له: اسمع جوابك.
قال: نعم.
قلت: إنما أراد الله: فأمنوه.
قال فثنى رأسه فرسه وانصرف.
وقد سأل بعضهم ههنا سؤالا.
فقال: قد أحل الله سبحانه بأصحاب الفيل - وكانوا نصارى - ما ذكره في كتابه، ولم يفعلوا بمكة شيئا مما فعله هؤلاء، ومعلوم أن القرامطة شر من اليهود والنصارى والمجوس، بل ومن عبدة الاصنام، وأنهم فعلوا بمكة ما لم يفعله أحد، فهلا عوجلوا بالعذاب والعقوبة، كما عوجل أصحاب الفيل ؟ وقد أجيب عن ذلك بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهارا لشرف البيت، ولما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم، من البلد الذي فيه البيت الحرام، فلما أرادوا إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها وإرسال الرسول منها أهلكهم سريعا عاجلا، ولم يكن شرائع مقررة تدل على فضله، فلو دخلوه وأخربوه لانكرت القلوب فضله.
وأما هؤلاء
القرامطة فإنما فعلوا ما فعلوا بعد تقرير الشرائع وتمهيد القواعد، والعلم بالضرورة من دين الله بشرف مكة والكعبة، وكل مؤمن يعلم أن هؤلاء قد ألحدوا في الحرام إلحادا بالغا عظيما، وأنهم من أعظم الملحدين الكافرين، بما تبين من كتاب الله وسنة رسوله، فلهذا لم يحتج الحال إلى معاجلتهم بالعقوبة، بل أخرهم الرب تعالى ليوم تشخص فيه الابصار، والله سبحانه يمهل ويملي ويستدرج ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " (1) ثم قرأ قوله تعالى (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار) [ إبراهيم:
42 ] وقال (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد.
متاع قليل ثم مأواهم جنهم وبئس المهاد) [ آل عمران: 196 ] وقال (نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) [ لقمان: 24 ] وقال: (متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون) [ يونس: 70 ].
وفيها وقعت فتنة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المروذي الحنبلي، وبين طائفة من العامة، اختلفوا في تفسير قوله تعالى (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) [ الاسراء: 79 ] فقالت الحنابلة: يجلسه معه على العرش.
وقال الآخرون: المراد بذلك الشفاعة العظمى، فاقتتلوا بسبب ذلك وقتل بينهم قتلى، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد ثبت في صحيح البخاري أن المراد بذلك مقام الشفاعة العظمى، وهي الشفاعة في فصل القضاء بين العباد، وهو المقام الذي يرغب إليه في الخلق كلهم، حتى إبراهيم، ويغبطه به الاولون والآخرون.
وفيها وقعت فتنة بالموصل بين العامة فيما يتعلق بأمر المعاش، وانتشرت وكثر أهل الشر فيها واستظهروا، وجرت بينهم شرورو ثم سكنت.
وفيها وقعت فتنة ببلاد خراسان بين بني ساسان وأمير هم نصر بن أحمد الملقب بسعيد (2)، وخرج في شعبان خارجي بالموصل (3).
وخرج آخر بالبوازيج (4)، فقاتلهم أهل تلك الناحية حتى سكن شرهم وتفرق أصحابهم.
وفيها التقى مفلح الساجي وملك الروم الدمستق، فهزمه مفلح وطرد وراءه إلى أرض الروم، وقتل منهم خلقا كثيرا وفيها هبت ريح شديدة ببغداد تحمل رمادا أحمر يشبه رمل أرض الحجاز.
فامتلات منه البيوت.
وفيها توفي من الاعيان: أحمد بن الحسن بن الفرج بن سفيان (5) أبو بكر النحوي، كان عالما بمذهب الكوفيين وله فيه تصانيف.
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب التفسير - تفسير سورة (11) باب (5).
ومسلم في البر والصلة ح (62) والترمذي في التفسير - تفسير سورة (8) باب (6).
(2) قال ابن الاثير 8 / 208: الصحيح ان ذلك كان سنة 318 ه.
(3) ويعرف بابن مطر قاتله وأسره ناصر الدولة بن حمدان (الكامل 8 / 214).
(4) وهو محمد بن صالح.
(5) في ابن الاثير 8 / 215: ابن سقير .
أحمد بن مهدي بن رستم (1) العابد الزاهد أنفق في طلب العلم ثلثمائة ألف درهم، ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى فراش.
وقد روى الحافظ أبو نعيم عنه أنه جاءته امرأة ذات ليلة فقالت له: إني قد امتحنت بمحنة وأكرهت على الزنا وأنا حبلى منه، وقد تسترت بك وزعمت أنك زوجي، وان هذا الحمل منك، فاسترني سترك الله ولا تفضحني.
فسكت عنها، فلما وضعت جاءني أهل المحلة وإمام مسجدهم يهنئونني بالولد، فأظهرت البشر وبعث فاشتريت بدينارين شيئا من حلوا وأطعمتهم، وكنت أوجه إليها مع إمام المسجد في كل شهر دينارين صفة نفقة المولود، وأقول: أقرئها مني السلام، فإنه قد سبق مني ما فرق بيني وبينها.
فمكث كذلك سنتين، ثم مات الولد فجاؤوني يعزونني فيه، فأظهرت الحزن عليه، ثم جاءتني أمه بالدنانير التي كنت أرسل بها إليها نفقة الولد، قد جمعتها في صرة عندها، فقالت لي: سترك الله وجزاك خيرا، وهذه الدنانير التي كنت ترسل بها.
فقلت: إني كنت أرسل بها صلة للولد وقد مات وأنت ترثينه فهي لك، فافعلي بها ما شئت فدعت وانصرفت.
بدر بن الهيثم ابن خلف بن خالد بن راشد بن الضحاك بن النعمان بن محرق بن النعمان بن المنذر، أبو القاسم البلخي القاضي الكوفي.
نزل بغداد وحدث بها عن أبي كريب وغيره، وكان سماعه للحديث بعد ما جاوز أربعين سنة، وكان ثقة نبيلا، عاش مائة سنة وسبع عشرة سنة.
توفي في شوال منها بالكوفة عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ابن المرزبان بن سابور بن شاهنشاه أبو القاسم البغوي، ويعرف بابن بنت منيع، ولد سنة ثلاثة عشرة، وقيل أربع (1) عشرة ومائتين ورأى أبا عبيد القاسم بن سلام، ولم يسمع منه، وسمع من أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وعلي بن الجعد، وخلف بن هاشم البزار،
وخلق كثير، وكان معه جزء فيه سماعه من ابن معين فأخذه موسى بن هارون الحافظ فرماه في دجلة، وقال: يريد أن يجمع بين الثلاثة ؟ وقد تفرد عن سبع وثمانين شيخا، وكان ثقة حافظا ضابطا، روى عن الحفاظ وله مصنفات.
وقال موسى بن هارون الحافظ: كان ابن بنت منيع ثقة صدوقا، فقيل له: إن ههنا ناسا يتكلمون فيه.
فقال: يحسدونه، ابن بنت منيع لا يقول إلا الحق.
وقال ابن أبي حاتم وغيره: أحاديثه تدخل في الصحيح.
وقال الدار قطني: كان البغوي قل ما يتكلم على
__________
(1) من تذكرة الحفاظ 1 / 597، وفي الاصل رسيم.
قال الذهبي مات سنة 272.
(انظر الوافي 8 / 199).
(2) في الاصل أربعة والصواب ما أثبتناه .
الحديث، فإذا تكلم كان كلامه كالمسمار في الساج.
وقد ذكره ابن عدي في كامله فتكلم فيه، وقال: حدث بأشياء أنكرت عليه.
وكان معه طرف من معرفة الحديث والتصانيف، وقد انتدب ابن الجوزي للرد على ابن عدي في هذا الكلام، وذكر أنه توفي ليلة عيد الفطر منها، وقد استكمل مائة سنة وثلاث سنين وشهورا، وهو مع ذلك صحيح السمع والبصر والاسنان، يطأ الاماء.
توفي ببغداد ودفن بمقبرة باب التبن.
رحمه الله وأكرم مثواه.
محمد بن أبي الحسين بن محمد بن عثمان الشهيد الحافظ أبو الفضل الهروي، يعرف بابن أبي سعد، قدم بغداد وحدث بها عن محمد بن عبد الله الانصاري.
وحدث عنه ابن المظفر الحافظ، وكان من الثقات الاثبات الحفاظ المتقنين، له مناقشات على بضعة عشر حديثا من صحيح مسلم، قتلته القرامطة يوم التروية بمكة في هذه السنة في جملة من قتلوا، رحمه الله وأكرم مثواه.
الكعبي المتكلم هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي المتكلم، نسبة إلى بني كعب، وهو أحد مشايخ المعتزلة، وتنسب إليه الطائفة الكعبية منهم.
قال ابن خلكان: كان من كبار المتكلمين، وله اختيارات في علم الكلام.
من ذلك أنه كان يزعم أن أفعال الله تقع بلا اختيار منه
ولا مشيئة.
قلت: وقد خالف الكعبي نص القرآن في غير ما موضع.
قال تعالى (وربك يخلق ما يشاء ويختار) [ القصص: 68 ] وقال: (ولو شاء ربك ما فعلوه) (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) [ الانعام: 112 ] (ولو أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها) الآية [ السجدة: 13 ].
وغيرها مما هو معلوم بالضرورة وصريح العقل والنقل.
ثم دخلت سنة ثمان عشرة وثلثمائة فيها عزل الخليفة المقتدر وزيره أبا علي بن مقلة، وكانت مدة وزارته سنتين وأربعة أشهر وثلاثة أيام، واستوزر مكانه سليمان بن الحسن بن مخلد، وجعل علي بن عيسى ناظرا معه.
وفي جمادى الاولى منها أحرقت دار أبي علي بن مقلة، وكان قد أنفق عليها مائة ألف دينار، فانتهب الناس أخشابها وما وجدوا فيها من حديد ورصاص وغيره، وصادره الخليفة بمائتي ألف دينار.
وفيها طرد الخليفة الرجالة الذين كانوا بدار الخلافة عن بغداد، وذلك أنه لما رد المقتدر إلى الخلافة شرعوا ينفسون بكلام كثير عليه، ويقولون: من أعان ظالما سلطه الله عليه.
ومن أصعد الحمار على السطح
لم يقدر أن ينزله (1).
فأمر بإخراجهم ونفيهم عن بغداد، ومن أقام منهم عوقب.
فأحرقت دور كثيرة من قراباتهم، واحترق بعض نسائهم وأولادهم، فخرجوا منها في غاية الاهانة، فنزلوا واسط وتغلبوا عليها وأخرجوا عاملها منها، فركب إليهم مؤنس الخادم فأوقع بهم بأسا شديدا، وقتل منهم خلقا كثيرا، فلم يقم لهم بعد ذلك قائمة.
وفي ربيع الاول منها عزل الخليفة ناصر الدولة بن حمدان عن الموصل، وولى عليها عميه سعيدا ونصرا ابنا حمدان.
وولاه ديار ربيعة: نصيبين وسنجار ورأس العين، ومعها ميافارقين وازرن (2)، ضمن ذلك من الخليفة بمال يحمله إليه في كل سنة.
وفي جمادى الاولى منها خرج رجل ببلاد البوازيج يقال له صالح بن محمود، فاجتمع عليه جماعة من بني مالك، ثم سار إلى سنجار فحاصرها فدخلها وأخذ شيئا كثيرا من أموالها، وخطب بها خطبة ووعظ فيها وذكر، فكان في جملة ما قال: نتولى الشيخين، ونتبرأ من الخبيثين (3)، ولا نرى المسح على الخفين.
ثم سار فعاث في الارض فسادا.
فانتدب له نصر بن حمدان فقاتله فأسره ومعه ابنان له.
فحمل إلى
بغداد فدخلها وقد اشتهر شهرة فظيعة.
وخرج آخر (4) ببلاد الموصل فاتبعه ألف رجل، فحاصر أهل نصيبين فخرجوا إليه فاقتتلوا معه، فقتل منهم مائة وأسر ألفا، ثم باعهم نفوسهم وصادر أهلها بأربعمائة ألف درهم، فانتدب إليه ناصر الدولة فقاتله فظفر به وأسره وأرسله إلى بغداد أيضا.
وفيها خلع الخليفة على ابنه هارون وركب معه الوزير والجيش، وأعطاه نيابة فارس وكرمان وسجستان ومكران، وخلع على ابنه أبي العباس الراضي وجعله نائب بلاد المغرب ومصر والشام، وجعل مؤنس الخادم يسد عنه أمورها.
وحج بالناس فيها عبد السميع بن أيوب بن عبد العزيز الهاشمي (5).
وخرج الحجيج بغفارة بدرقة حتى يسلموا في الدرب في الذهاب والاياب من القرامطة.
وفيها توفي من الاعيان..أحمد بن إسحاق ابن البهلول بن حسان بن أبي سنان أبو جعفر التنوخي القاضي الحنفي، العدل الثقة، الرضي.
وكان فقيها نبيلا، سمع الحديث الكثير، وروى عن أبي كريب حديثا واحدا، وكان عالما
__________
(1) في الكامل 8 / 216: ومن يصعد الحمار إلى السطح يقدر يحطه - يعنون بذلك مساعدتهم للمقتدر وردهم الخلافة إليه.
(2) في الكامل 8 / 217: أرزن.
(3) من الكامل، وفي الاصل الحسين.
(4) وهو الاغر بن مطرة الثعلبي (الكامل 8 / 221).
(5) في مروج الذهب 4 / 460: حج بالناس عمر بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي .
بالنحو، فصيح العبارة، جيد الشعر، محمودا في الاحكام.
اتفق أن السيدة أم المقتدر وقفت وقفا وجعل هذا عنده نسخة به في سلة الحكم، ثم أرادت أن تنقض ذلك الوقف فطلبت هذا الحاكم وأن يحضر معه كتاب الوقف لتأخذه منه فتعدمه، فلما حضر من رواء الستارة فهم المقصود فقال لها: لا
يمكن هذا، لاني خازن المسلمين، فإما أن تعزلوني عن القضاء وتولوا هذا غيري، وإما أن تتركوا هذا الذي تريدون أن تفعلوه، فلا سبيل إليه وأنا حاكم.
فشكته إلى ولدها المقتدر فشفع عنده المقتدر بذلك، فذكر له صورة الحال.
فرجع إلى أمه فقال لها: إن هذا الرجل ممن يرغب فيه ولا يزهد فيه، ولا سبيل إلى عزله ولا التلاعب به.
فرضيت عنه وبعثت تشكره على ما صنع من ذلك.
فقال: من قدم أمر الله على أمر العباد كفاه الله شرهم، ورزقه خيرهم.
وقد كانت وفاته في هذه السنة.
وقد جاوز الثمانين.
يحيى بن محمد بن صاعد أبو محمد مولى أبي جعفر المنصور، رحل في طلب الحديث، وكتب وسمع وحفظ، وكان من كبار الحفاظ، وشيوخ الرواية، وكتب عنه جماعة من الاكابر، وله تصانيف تدل على حفظه وفقهه وفهمه.
توفي بالكوفة وله سبعون سنة (1).
الحسن بن علي بن أحمد بن بشار بن زياد المعروف بابن العلاف الضرير النهرواني، الشاعر المشهور، وكان أحد سمار المعتضد، وله مرثاة طنانة في هر له، قتله جيرانه لانه أكل أفراخ حمامهم من أبراجهم.
وفيها آداب ورقة، ويقال إنه أراد بها ابن المعتز لكنه لم يتجاسر أن ينسبها إليه من الخليفة المقتدر، لانه هو الذي قتله.
وأولها: ياهر فارقتنا ولم تعد * وكنت عندي بمنزل الولد (2) وهي خمس وستون بيتا.
ثم دخلت سنة تسع عشرة وثلاثمائة في المحرم منها دخل الحجيج بغداد، وقد خرج مؤنس الخادم إلى الحج فيها في جيش كثيف،
__________
(1) في الكامل 8 / 223: تسعون.
(2) وأوردها صاحب نكت الهميان ص 139 وابن الجوزي في المنتظم 6 / 237 ومنها في وفيات الاعيان 2 / 190 ومنها: صادوك غيظا عليك وانتقموا * منك وزادوا ومن يصد يصد
ثم شفوا بالحديد أنفسهم * منك ولم يرعووا على أحد
خوفا من القرامطة ففرح المسلمون بذلك وزينت بغداد يومئذ وضربت الخيام والقباب لمؤنس الخادم، وقد بلغ مؤنسا في أثناء الطريق أن القرامطة أمامه، فعدل بالناس عن الجادة، وأخذ بهم في شعاب وأودية أياما، فشاهد الناس في تلك الاماكن عجائب، ورأوا غرائب وعظاما في غاية الضخامة، وشاهدوا ناسا قد مسخوا حجارة.
ورأى بعضهم امرأة واقفة على تنور تخبز فيه قد مسخت حجرا، والتنور قد صار حجرا.
وحمل مؤنس من ذلك شيئا كثيرا إلى الخليفة ليصدق ما يخبر به من ذلك.
ذكر ذلك ابن الجوزي في منتظمه.
فيقال إنهم من قوم عاد أو من قوم شعيب أو من ثمود فالله أعلم.
وفيها عزل المقتدر وزيره سليمان بن الحسن بعد سنة وشهرين وتسعة أيام، واستوزر مكانه أبا القاسم عبيد الله بن محمد الكلوذاني، ثم عزله بعد شهرين وثلاثة أيام، واستوزر الحسين بن القاسم ثم عزله أيضا.
وفيها وقعت وحشة بين الخليفة ومؤنس، بسبب أن الخليفة ولى الحسبة لرجل اسمه محمد بن ياقوت، وكان أميرا على الشرطة، فقال مؤنس: إن الحسبة لا يتولاها إلا القضاة والعدول وهذا لا يصلح لها.
ولم يزل بالخليفة حتى عزل محمد بن ياقوت عن الحسبة والشرطة أيضا، وانصلح، الحال بينهما.
ثم تجددت الوحشة بينهما في ذي الحجة من هذه السنة، وما زالت تتزايد حتى آل الحال إلى قتل المقتدر بالله كما سنذكره.
وفيها أوقع ثمل متولي طرسوس بالروم وقعة عظيمة، قتل منهم خلقا كثيرا وأسر نحوا من ثلاثة آلاف، وغنم من الذهب والفضة والديباج شيئا كثيرا جدا، ثم أوقع بهم مرة ثانية كذلك.
وكتب ابن الديراني الارمني إلى الروم يحثهم على الدخول إلى بلاد الاسلام ووعدهم النصر منه والاعانة، فدخلوا في جحافل عظيمة كثيرة جدا، وانضاف إليهم الارمني فركب إليهم مفلح غلام يوسف بن أبي الساج وهو يومئذ نائب أذربيجان واتبعه خلق كثير من المتطوعة، فقصد أولا بلاد ابن الديراني فقتل من الارمن نحوا من مائة ألف، وأسر خلقا كثيرا، وغنم أموالا جزيلة، وتحصن ابن الديراني في قلعة له هناك، وكاتب الروم فوصلوا إلى شميشاط (1)
فحاصورها، فبعث أهلها يستصرخون سعيد بن حمدان نائب الموصل، فسار إليهم مسرعا، فوجد الروم قد كادوا يفتحونها، فلما علموا بقدومه رحلوا عنها واجتازوا بملطية فنهبوها، ورجعوا خاسئين إلى بلادهم، ومعهم ابن نفيس المنتصر، وقد كان من أهل بغداد.
وركب ابن حمدان في آثار القوم فدخل بلادهم فقتل خلقا كثيرا منهم وأسر وغنم أشياء كثيرة.
قال ابن الاثير: وفي شوال من هذه السنة جاء سيل عظيم إلى تكريت ارتفع في أسواقها أربعة عشر شبرا، وغرق بسببه أربعمائة دار، وخلق لا يعلمهم إلا الله، حتى كان المسلمون والنصارى يدفنون جميعا، لايعرف هذا من هذا.
قال: وفيها هاجت بالموصل ريح محمرة ثم اسودت حتى كان الانسان لا يبصر صاحبه نهارا، وظن الناس أنها القيامة ثم انجلى ذلك بمطر أرسله الله عليهم.
__________
(1) الكامل 8 / 234: سميساط .
وفيها توفي من الاعيان الحسين بن عبد الرحمن أبو عبد الله الانطاكي قاضي ثغور الشام، يعرف بابن الصابوني، وكان ثقة نبيلا قدم بغداد وحدث بها.
علي بن الحسين بن حرب بن عيسى تولى القضاء بمصر مدة طويلة جدا، وكان ثقة عالما من خيار القضاة وأعدلهم، تفقه على مذهب أبي ثور، وقد ذكرناه في طبقات الشافعية، وقد استعفى عن القضاء فعزل عنه في سنة إحدى عشرة وثلثمائة، ورجع إلى بغداد فأقام بها إلى أن مات في هذه السنة، في صفر منها، وصلى عليه أبو سعيد الاصطخري، ودفن بداره.
قال الدار قطني: حدث عنه أبو عبد الرحمن النسائي في الصحيح، ولعله مات قبله بعشرين سنة.
وذكر من جلالته وفضله رحمه الله.
محمد بن الفضل بن العباس أبو عبد الله البلخي الزاهد.
حكي عنه أنه مكث أربعين سنة لم يخط فيها خطوة في هوى نفسه، ولا نظر في شئ فاستحسنه حياء من الله عز وجل، وأنه مكث ثلاثين سنة لم يمل على ملكيه قبيحا.
محمد بن سعد بن أبي الحسين الوراق
صاحب أبي عثمان النيسابوري، وكان فقيها يتكلم على المعاملات.
ومن جيد كلامه قوله: من غض بصره عن محرم أورثه الله بذلك حكمة على لسانه يهتدي بها سامعوه، ومن غض نفسه عن شبهة نور الله قلبه نورا يهتدي به إلى طرق مرضاة الله.
يحيى بن عبد الله بن موسى أبو زكريا الفارسي، كتب بمصر عن الربيع بن سليمان، وكان ثقة عدلا صدوقا عند الحكام.
ثم دخلت سنة عشرين وثلاثمائة من الهجرة فيها كان مقتل المقتدر بالله الخليفة، وكان سبب ذلك أن مؤنسا الخادم خرج من بغداد في المحرم منها مغاضبا الخليفة في ممالكيه وحشمه، متوجها نحو الموصل، ورد من أثناء الطريق مولاه يسرى (1) إلى المقتدر ليستعلم له أمره، وبعث معه رسالة يخاطب بها أمير المؤمنين ويعاتبه في أشياء.
فلما وصل أمر الوزير - وهو الحسين بن القاسم وكان من أكبر أعداء مؤنس - بأن يؤديها فامتنع من أدائها إلا إلى الخليفة، فأحضره بين يديه وأمره بأن يقولها للوزير فامتنع، وقال: ما أمرني بهذا
__________
(1) في الكامل 8 / 237: بشرى
صاحبي فشتمه الوزير وشتم صاحبه مؤنسا، وأمر بضربه ومصادرته بثلثمائة ألف دينار، وأخذ خطه بها، وأمر بنهب داره، ثم أمر الوزير بالقبض على أقطاع مؤنس وأملاكه وأملاك من معه.
فحصل من ذلك مال عظيم، وارتفع أمر الوزير عند المقتدر، ولقبه عميد الدولة، وضرب اسمه على الدراهم والدنانير، وتمكن من الامور جدا، فعزل وولى، وقطع ووصل أياما يسيرة، وفرح بنفسه حينا قليلا.
وأرسل إلى هارون بن عريب في الحال، وإلى محمد بن ياقوت يستحضرهما إلى الحضرة عوضا عن مؤنس، فصمم المظفر مؤنس في سيره فدخل الموصل، وجعل يقول لامراء الاعراب: إن الخليفة قد ولاني الموصل وديار ربيعة.
فالتف عليه منهم خلق كثير، وجعل ينفق فيهم الاموال الجزيلة وله إليهم قبل ذلك أيادي سابغة.
وقد كتب الوزير إلى آل حمدان وهم ولاة الموصل وتلك النواحي يأمرهم بمحاربته، فركبوا إليه في ثلاثين ألفا، وواجههم مؤنس في ثمانمائة من مماليكه
وخدمه، فهزمهم ولم يقتل منهم سوى رجل واحد، يقال له داود، وكان من أشجعهم، وقد كان مؤنس رباه وهو صغير.
ودخل مؤنس الموصل فقصدته العساكر من كل جانب يدخلون في طاعته، لاحسانه إليهم قبل ذلك.
من بغداد والشام ومصر والاعراب، حتى صار في جحافل من الجنود.
وأما الوزير المذكور فإنه ظهرت خيانته وعجزه فعزله المقتدر في ربيع الآخر منها، وولى مكانه الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات، وكان آخر وزراء المقتدر.
وأقام مؤنس بالموصل تسعة أشهر، ثم ركب في الجيوش في شوال قاصدا بغداد ليطالب المقتدر بأرزاق الاجناد وإنصافهم، فسار - وقد بعث بين يديه الطلائع - حتى جاء فنزل بباب الشماسية ببغداد، وقابله عنده ابن ياقوت وهارون بن عريب عن كره منه.
وأشير على الخليفة أن يستدين من والدته مالا ينفقه في الاجناد، فقال: لم يبق عندها شئ، وعزم الخليفة على الهرب إلى واسط، وأن يترك بغداد إلى مؤنس حتى يتراجع أمر الناس ثم يعود إليها.
فرده عن ذلك ابن ياقوت وأشار بمواجهته لمؤنس وأصحابه، فإنهم متى رأوا الخليفة هربوا كلهم إليه وتركوا مؤنسا.
فركب وهو كاره وبين يديه الفقهاء ومعهم المصاحف المنشورة، وعليه البردة والناس حوله، فوقف على تل عال بعيد من المعركة ونودي في الناس: من جاء برأس فله خمسة دنانير، ومن جاء بأسير فله عشرة دنانير.
ثم بعث إليه أمراؤه يعزمون عليه أن يتقدم فامتنع من التقدم إلى محل المعركة، ثم ألحوا عليه فجاء بعد تمنع شديد، فما وصل إليهم حتى انهزموا وفروا راجعين، ولم يلتفتوا إليه ولا عطفوا عليه، فكان أول من لقيه من أمراء مؤنس علي بن بليق، فلما رآه ترجل وقبل الارض بين يديه وقال: لعن الله من أشار عليك بالخروج في هذا اليوم.
ثم وكل به قوما من المغاربة البربر، فلما تركهم وإياه شهروا عليه السلاح، فقال لهم: ويلكم أنا الخليفة.
فقالوا: قد عرفناك يا سفلة، وإنما أنت خليفة إبليس، تنادي في جيشك من جاء برأس فله خمسة دنانير ؟ وضربه أحدهم بسيفه على عاتقه فسقط إلى الارض، وذبحه آخر وتركوا جثته، وقد سلبوه كل شئ كان عليه، حتى سراويله، وبقي مكشوف العورة مجندلا على الارض، حتى جاء رجل فغطى عورته بحشيش ثم دفنه في موضعه وعفا أثره، وأخذت المغاربة رأس المقتدر على خشبة
قد رفعوها وهم يلعنونه، فلما انتهوا به إلى مؤنس - ولم يكن حاضرا الوقعة - فحين نظر إليه لطم رأس نفسه ووجهه وقال: ويلكم، والله لم آمركم بهذا، لعنكم الله، والله لنقتلن كلنا.
ثم ركب ووقف عند دار الخلافة حتى لا تنهب، وهرب عبد الواحد بن المقتدر وهارون بن غريب، وأبناء رايق، إلى المدائن، وكان فعل مؤنس هذا سببا لطمع ملوك الاطراف في الخلفاء، وضعف أمر الخلافة جدا، مع ما كان المقتدر يعتمده في التبذير والتفريط في الاموال، وطاعة النساء، وعزل الوزراء، حتى قيل إن جملة ما صرفه في الوجوه الفاسدة ما يقارب ثمانين ألف ألف دينار (1).
ترجمة المقتدر بالله هو جعفر بن أحمد المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد الموفق بن جعفر المتوكل على الله بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، يكنى أبا الفضل، أمير المؤمنين العباسي، مولده في ليلة الجمعة لثمان بقين من رمضان سنة ثنتين وثمانين ومائتين، وأمه أم ولد اسمها شغب، ولقبت في خلافة ولدها بالسيدة.
بويع له بالخلافة بعد أخيه المكتفي يوم الاحد لاربع (2) عشرة مضت من ذي القعدة، سنة خمس وتسعين ومائتين، وهو يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وشهر وأيام.
ولهذا أراد الجند خلعه في ربيع الاول من سنة ست وتسعين محتجين بصغره وعدم بلوغه، وتولية عبد الله بن المعتز، فلم يتم ذلك، وانتقض الامر في ثاني يوم كما ذكرنا.
ثم خلعوه في المحرم من سنة سبع عشرة وثلثمائة، وولوا أخاه محمدا القاهر كما تقدم، فلم يتم ذلك سوى يومين، ثم رجع إلى الخلافة كما ذكرنا.
وقد كان المقتدر ربعة من الرجال حسن الوجه والعينين، بعيد ما بين المنكبين، حسن الشعر، مدور الوجه، مشربا بحمرة، حسن الخلق، قد شاب رأسه وعارضاه، وقد كان معطاءا جوادا، وله عقل جيد، وفهم وافر، وذهن صحيح، وقد كان كثير التحجب والتوسع في النفقات، وزاد في رسوم الخلافة وأمور الرياسة، وما زاد شي إلا نقص.
كان في داره إحدى عشر ألف خادم خصي، غير الصقالبة وأبناء فارس والروم والسودان، وكان له دار يقال لها دار الشجرة، بها من الاثاث والامتعة شئ كثير جدا، كما ذكرنا ذلك في سنة خمس، حين قدم رسول ملك الروم.
وقد ركب المقتدر يوما في حراقة وجعل يستعجل الطعام فأبطأوا به فقال للملاح: ويحك هل عندك شئ آكل ؟ قال: نعم، فأتاه بشئ من
لحم الجدي وخبز حسن وملوحا وغير ذلك.
فاعجبه ثم استدعاه فقال: هل عندك شئ من الحلواء، فإني لا أحسن بالشبع حتى آكل شئ من الحلواء.
فقال: يا أمير المؤمنين إن حلواءنا التمر والكسب.
فقال: هذا شئ لا أطيقه.
ثم جئ بطعام فأكل منه وأوتي بالحلواءات فأكل وأطعم الملاحين، وأمر أن يعمل كل يوم في الحراقة بمائتي درهم، حتى إذا اتفق ركوبه فيها أكل منها، وإن لم يتفق ركوبه
__________
(1) في الكامل 8 / 243: نيفا وسبعين ألف ألف دينار.
(2) في مروج الذهب 4 / 328: لثلاث عشرة .
كانت للملاح.
وكان الملاح يأخذ ذلك في كل يوم عدة سنين متعددة، ولم يتفق ركوبه مرة أخرى أبدا.
وقد أراد بعض خواضه أن يطهر ولده فعمل أشياء هائلة ثم طلب من أم الخليفة أن يعار القرية التي عملت في طهور المقتدر من فضة ليراها الناس في هذا المهم، فتلطفت أم المقتدر عند ولدها حتى أطلقها له بالكلية، وكانت صفة قرية من القراى كلها من فضة، بيوتها وأعاليقها وأبقارها وجمالها، ودوابها وطيورها، وخيولها، وزروعها وثمارها وأشجارها، وأنهارها وما يتبع ذلك مما يكون في القرى، الجميع من فضة مصور، وأمر بنقل سماطه إلى دار هذا الرجل، وأن لا يكلف شئ من المطاعم سوى سمك طري، فاشترى الرجل بثلثمائة دينار سمكا طريا، وكان جملة ما أنفق الرجل على سماط المقتدر ألفا وخمسمائة دينار، والجميع من عند المقتدر، وكان كثير الصدقة والاحسان إلى أهل الحرمين وأرباب الوظائف، وكان كثير التنفل بالصلاة والصوم والعبادة، ولكنه كان مؤثرا لشهواته، مطيعا لخصاياه كثير العزل والولاية والتلون.
وما زال ذلك دأبه حتى كان هلاكه على يدي [ غلمان ] مؤنس الخادم، فقتل عند باب الشماسية لليلتين (1) بقيتا من شوال من هذه السنة - أعني سنة ثلثمائة وعشرين - وله من العمر ثمان وثلاثون سنة (2)، وكان مدة خلافته أربعا وعشرين سنة وإحدى عشر شهرا وأربعة عشر يوما (3)، كان أكثر مدة ممن تقدمه من الخلفاء.
خلافة القاهر لما قتل المقتدر بالله عزم مؤنس على تولية أبي العباس بن المقتدر بعد أبيه ليطيب قلب أم
المقتدر، فعدل عن ذلك جمهور من حضر من الامراء فقال أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختي: بعد التعب والنكد نبايع لخليفة صبي له أم وخالات يطيعهن وشاورهن ؟ ثم أحضروا محمد بن المعتضد - وهو أخو المقتدر - فبايعه القضاة والامراء والوزراء، ولقبوه بالقاهر بالله، وذلك في سحر يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال منها، واستوزر أبا علي بن مقلة، ثم أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبد الله ثم أبا العباس، ثم الخصيبي.
وشرع القاهر في مصادرة أصحاب المقتدر وتتبع
__________
(1) في مروج الذهب 4 / 328: قتل ببغداد بعد صلاة العصر يوم الاربعاء لثلاث ليال بقين من شوال.
وفي المنتظم 6 / 243: وكان قتله في الساعة الرابعة يوم الاربعاء لثلاث بقين من شوال.
(2) في مروج الذهب 4 / 328: ثماني وثلاثين سنة وخمسة عشر يوما.
وفي المنتظم 6 / 243 ثمانيا وثلاثين سنة وشهرا وخمسة أيام.
وفي العقد الفريد: ثمانيا وثلاثين سنة وشهرا وعشرين يوما.
وفي نهاية الارب 23 / 101: ثمانيا وثلاثين سنة وخسمة أيام.
وفي دول الاسلام 1 / 194: ثمانيا وثلاثين سنة.
وفي الجوهر الثمين ص 171: ثلاث وثلاثون سنة وشهر واحد وسبعة عشر يوما.
وفي الكامل لابن الاثير 8 / 244: ثمانيا وثلاثون سنة ونحوا من شهرين.
(3) في نهاية الارب 23 / 101 ومروج الذهب 4 / 328 والكامل لابن الاثير 8 / 244 وستة عشر يوما.
وفي تاريخ بغداد 7 / 212: وخمسة عشر يوما.
وفي دول الاسلام 1 / 194: خمسا وعشرين سنة (كانت خلافته) .
أولاده، واستدعى بأم المقتدر (1) وهي مريضة بالاستسقاء، وقد تزايد بها الوجع من شدة جزعها على ولدها حين بلغها قتله، وكيف بقي مكشوف العورة.
فبقيت أياما لا تأكل شيئا، ثم وعظها النساء حتى أكلت شيئا يسيرا من الخبز والملح، ومع هذا كله استدعى بها القاهر فقررها على أموالها فذكرت له ما يكون للنساء من الحلي والمصاغ والثياب، ولم تقر بشئ من الاموال والجواهر، وقالت له: لو كان عندي من هذا شئ ما سلمت ولدي [ للقتل ] (2).
فأمر بضربها وعلقت برجليها ومسها بعذاب شديد من العقوبة، فأشهدت على نفسها ببيع أملاكها، فأخذه الجند مما يحاسبون به أرزاقهم.
وأرادها على بيع أوقافها فامتنعت من ذلك وأبت أشد الاباء.
ثم استدعى القاهر بجماعة من أولاد
المقتدر منهم أبو العباس وهارون والعباس وعلي والفضل وإبراهيم، فأمر بمصادرتهم وحبسهم، وسلمهم إلى حاجبه علي بن بليق، وتمكن الوزير علي بن مقلة فعزل وولى، وأخذ وأعطى أياما، ومنع البريدي من عمالتهم.
وفيها توفي من الاعيان: أحمد بن عمير بن جوصا أبو الحسن الدمشقي أحد المحدثين الحفاظ، والرواة الايقاظ.
وإبراهيم بن محمد بن علي بن بطحاء بن علي بن مقلة أبو إسحاق التميمي المحتسب ببغداد، روى عن عباس الدوري وعلي بن حرب وغيرهما، وكان ثقة فاضلا.
مر يوما على باب القاضي أبي عمر محمد بن يوسف والخصوم عكوف على بابه والشمس قد ارتفعت عليهم، فبعث حاجبه إليه يقول له: إما أن تخرج فتفصل بين الخصوم، وإما أن تبعث فتعتذر إليهم إن كان لك عذر حتى يعودوا إليك بعد هذا الوقت.
أبو علي بن خيران الفقيه الشافعي، أحد أئمة المذهب، واسمه الحسين بن صالح بن خيران الفقيه الكبير الورع.
عرض عليه منصب القضاء فلم يقبل، فختم عليه الوزير علي بن عيسى على بابه ستة عشر يوما، حتى لم يجد أهله ماء إلا من بيوت الجيران، وهو مع ذلك يمتنع عليهم، ولم يل لهم شيئا.
فقال الوزير: إنما أردنا أن نعلم الناس أن ببلدنا وفي مملكتنا من عرض عليه قضاء قضاة الدنيا في المشارق والمغارب فلم يقبل.
وقد كانت وفاته في ذي الحجة منها، وقد ذكرنا ترجمته في طبقات الشافعية بما فيه كفاية.
__________
(1) المقتدر والقاهر ليسا من أم واحدة.
فالمقتدر أمه أم ولد وأسمها شغب.
وأم القاهر أم ولد اسمها قتول وقيل فتنة (مآثر الانافة 1 / 281).
(2) من ابن الاثير 8 / 245 .
عبد الملك بن محمد بن عدي الفقيه الاستراباذي، أحد أئمة المسلمين والحفاظ المحدثين وقد ذكرناه أيضا في طبقات الشافعية.
القاضي أبو عمر المالكي: محمد بن يوسف ابن (1) إسماعيل بن حماد بن زيد، أبو عمر القاضي ببغداد ومعاملاتها في سائر البلاد، كان من أئمة الاسلام علما ومعرفة، وفصاحة وبلاغة، وعقلا ورياسة، بحيث كان يضرب بعقله المثل.
وقد روى الكثير عن المشايخ، وحدث عنه الدار قطني وغيره من الحفاظ، وحمل الناس عنه علما كثيرا من الفقه والحديث، وقد جمع قضاء القضاة في سنة سبع عشرة وثلاثمائة وله مصنفات كثيرة.
وجمع مسندا حافلا، وكان إذا جلس للحديث جلس أبو القاسم البغوي عن يمينه وهو قريب من سن أبيه، وجلس عن يساره أيضا ابن صاعد، وبين يديه أبو بكر النيسابوري، وسائر الحفاظ حول سريره من كل جانب.
قالوا: ولم ينتقد عليه حكم من أحكامه أخطأ فيه قط.
قلت: وكان من أكبر صواب أحكامه وأصوبها قتله الحسين بن منصور الحلاج في سنة تسع وثلثمائة كما تقدم.
وكان القاضي أبو عمر هذا جميل الاخلاق، حسن المعاشرة، اجتمع عنده يوما أصحابه فجئ بثوب فاخر ليشتريه بنحو من خمسين دينارا، فاستحسنه الحاضرون، فدعا بالقلانسي، وأمره أن يقطع ذلك الثوب قلانس بعدد الحاضرين.
وله مناقب ومحاسن جمة رحمه الله تعالى.
توفي في رمضان منها عن ثمان وسبعين سنة، وقد رآه بعضهم في المنام فقال له: ما فعل بك ربك ؟ فقال: غفر لي بدعوة الرجل الصالح إبراهيم الحربي.
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وثلثمائة في صفر منها أحضر القاهر رجلا كان يقطع الطريق فضرب بين يديه ألف سوط، ثم ضربت عنقه وقطع أيدي أصحابه وأرجلهم.
وفيها أمر القاهر بإبطال الخمر والمغاني والقيان، وأمر ببيع الجواري المغنيات بسوق النخس، على أنهن سواذج.
قال ابن الاثير: وإنما فعل ذلك لانه كان محبا للغناء فأراد أن يشتريهن برخص الاثمان، نعوذ بالله من هذه الاخلاق.
وفيها أشاعت العامة بينهم بأن الحاجب علي بن بليق يريد أن يلعن معاوية على المنابر.
فلما بلغ الحاجب ذلك بعث إلى رئيس الحنابلة البربهاري أبي محمد الواعظ ليقابله على ذلك، فهرب واختفى، فأمر بجماعة من أصحابه فنفوا إلى البصرة.
وفيها عظم الخليفة وزيره علي بن مقلة وخاطبه بالاحترام والاكرام.
ثم إن الوزير
ومؤنسا الخادم وعلي بن بليق وجماعة من الامراء اشتوروا فيما بينهم على خلع القاهر وتولية أبي أحمد المكتفي، وبايعوه سرا فيما بينهم، وضيقوا على القاهر بالله في رزقه، وعلى من يجتمع به.
وأرادوا القبض عليه سريعا.
فبلغ ذلك القاهر - بلغه طريف اليشكري (2) - فسعى في القبض عليهم
__________
(1) في الكامل 8 / 247: ابن يعقوب بن اسماعيل.
(2) في الكامل 8 / 251: السبكري.
(انظر تاريخ ابي الفداء 2 / 78) .
فوقع في مخالبه الامير المظفر مؤنس الخادم، فأمر بحبسه قبل أن يراه والاحتياط على دوره وأملاكه - وكانت في عجلة وجرأة وطيش وهوج وخرق شديد - وجعل في منزلته - أمير الامراء ورياسة الجيش - طريفا اليشكري، وقد كان أحد الاعداء لمؤنس الخادم قبل ذلك.
وقبض على بليق، واختفى ولده علي بن بليق، وهرب الوزير ابن مقلة فاستوزر مكانه أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله، في مستهل شعبان، وخلع عليه وأمر بتحريق دار ابن مقلة، ووقع النهب ببغداد، وهاجت الفتنة، وأمر القاهر بأن يجعل أبو أحمد المكتفي بين حائطين ويسد عليه بالآجر والكلس، وهو حي، فمات وأرسل منادي على المختفين: إن من أخفاهم قتل وخربت داره.
فوقع بعلي بن بليق فذبح بين يديه كما تذبح الشاة، فأخذ رأسه في طست ودخل به القاهر على أبيه بليق بنفسه، فوضع رأس ابنه بين يديه، فلما رآه بكى وأخذ يقبله ويترشفه، فأمر بذبحه أيضا، ثم أخذ الرأسين في طستين فدخل بهما على مؤنس الخادم، فلما رآهما تشهد ولعن قاتلهما، فقال القاهر: جروا برجل الكلب، فأخذ فذبح أيضا وأخذ رأسه فوضع في طست وطيف بالرؤوس في بغداد، ونودي عليهم: هذا جزاء من يخون الامام ويسعى في الدولة فسادا.
ثم أعيدت الرؤس إلى خزائن السلاح.
وفي ذي القعدة منها قبض القاهر على الوزير أبي جعفر محمد بن القاسم وسجنه، وكان مريضا بالقولنج، فبقي ثمانية عشر يوما ومات وكانت وزارته ثلاثة أشهر واثني عشر يوما.
واستوزر مكانه أبا العباس أحمد بن عبيد الله (1) بن سليمان الخصيبي، ثم قبض على طريف اليشكري (2) الذي تعاون على مؤنس وابن بليق وسجنه، ولهذا قيل: من أعان ظالما سلطه الله عليه.
فلم يزل اليشكري (2) في الحبس حتى
خلع القاهر.
وفيها جاء الخبر بموت العامل بديار مصر (3)، وأن ابنه محمدا قد قام مقامه فيها، وسارت الخلع إليه من القاهر بتنفيذ الولاية واستقراره.
ابتداء أمر بني بويه وظهور دولتهم وهم ثلاثة إخوة: عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة أبو علي الحسن، ومعز الدولة أبو الحسين أحمد أولاد أبي شجاع بويه بن قباخسرو (4) بن تمام بن كوهي بن شيرزيل الاصغر بن شيركيده (5) بن شيرزيل الاكبر شيران شاه بن شيرويه بن سيسان شاه بن سيس بن فيروز بن
__________
(1) من ابن الاثير 8 / 262 ومروج الذب 4 / 351، وفي الاصل عبد الله.
(2) في الكامل 8 / 262: السبكري.
(3) وهو تكين وكان أميرا على مصر كما في الكامل لابن الاثير 8 / 273 وفي ولاة مصر للكندي: مات تكين أبو منصور في 16 ربيع الاول سنة 321 وجعل ابنه محمد بن تكين في موضعه.
(4) في ابن الاثير 8 / 265: فنا خسرو.
(5) في ابن الاثير: شيركنده .
شيرزيل بن سيسان (1) بن بهرام جور الملك بن يزدجرد الملك (2) بن سابور الملك بن سابور ذي الاكتاف الفارسي.
كذا نسبهم الامير أبو نصر بن ماكولا في كتابه.
وإنما قيل لهم الديالمة لانهم جاوروا الديلم، وكانوا بين أظهرهم مدة، وقد كان أبو هم أبو شجاع بويه فقير مدقعا، يصطاد السملك ويحتطب بنوه الحطب على رؤوسهم، وقد ماتت امرأته وخلفت له هؤلاء الاولاد الثلاثة، فحزن عليها وعليهم، فبينما هو يوما عند بعض أصحابه وهو شهريار بن رستم الديلمي، إذ مر منجم فاستدعاه فقال له: إني رأيت مناما غريبا أحب أن تفسره لي: رأيت كأني أبول فخرج من ذكري نار عظيمة حتى كادت تبلغ عنان السماء، ثم انفرقت ثلاث شعب حتى صارت شعبا كثيرة، فأضاءت الدنيا بتلك النار، ورأيت البلاد والعباد قد خضعت لهذه النار.
فقال له المنجم: هذا منام عظيم لا أفسره لك إلا بمال جزيل.
فقال: والله لا شئ عندي أعطيك، ولا أملك إلا فرسي هذه.
فقال: هذا يدل على أنه يملك من صلبك ثلاثة ملوك، ثم يكون من سلالة كل واحد منهم ملوك عدة.
فقال له: ويحك أتسخر بي ؟ وأمر بنيه فصفعوه ثم أعطاه عشرة دراهم.
فقال لهم المنجم: اذكروا هذا إذا قدمت عليك وأنتم ملوك، وخرج وتركهم.
وهذا من أعجب الاشياء، وذلك أن هؤلاء الاخوة الثلاثة كانوا عند ملك يقال له " ما كان بن كاني " (3) في بلاد طبرستان، فتسلط عليه مرداويج (4) فضعف، فتشاوروا في مفارقته حتى يكون، من أمره ما يكون، فخرجوا عنه ومعهم جماعة من الامراء، فصاروا إلى مرداويج فأكرمهم واستعملهم على الاعمال في البلدان، فأعطى عماد الدولة على بويه نيابة الكرج (5)، فأحسن فيها السيرة والتف عليه الناس وأحبوه، فحسده مرداويج وبعث إليه بعزله عنها، ويستدعيه إليه فامتنع من القدوم عليه، وصار إلى أصبهان فحاربه نائبها فهزمه عماد الدولة هزيمة منكرة، واستولى على أصبهان.
وإنما كان معه سبعمائة فارس، فقهر بها عشرة آلاف فارس، وعظم في أعين الناس.
فلما بلغ ذلك مرداويج قلق منه، فأرسل جيشا فأخرجوه من أصبهان، فقصد أذربيجان فأخذها من نائبها وحصل له من الاموال شئ كثير جدا، ثم أخذ بلدانا كثيرة، واشتهر أمره وبعد صيته وحسنت سيرته.
فقصده الناس محبة وتعظيما، فاجتمع إليه من الجند خلق كثير وجم غفير، فلم يزل يترقى في مراقي الدنيا حتى آل به وبأخويه الحال إلى أن ملكوا بغداد من أيدي الخلفاء العباسيين، وصار لهم فيها القطع والوصل، والولاية والعزل،
__________
(1) في الكامل: سنباد.
(2) في الكامل: ابن هرمز الملك بن سابور.
(3) في الكامل 8 / 277 وتجارب الامم لابن مسكويه 1 / 366 كالي.
(تاريخ ابي الفداء 2 / 78).
(4) من الكامل وتجارب الامم، وفي الاصل: مرداويح، وقد صححت في كل المواضع (5) من الكامل 8 / 267.
والكرج مدينة فارسية تقع بين أصبهان وهمذان (معجم البلدان).
قال ابن مسكويه فكانت هذه الولاية نقطة الانطلاق لاقامة دولة بني بويه (انظر تجارب الامم ص 1 / 277 والكامل 8 / 268 - 269) .
وإليهم تجبى الاموال، ويرجع إليهم في سائر الامور والاحوال، على ما سنذكر ذلك مبسوطا والله المستعان: وفيها توفي من الاعيان..أحمد بن محمد بن سلامة ابن سلمة بن عبد الملك أبو جعفر الطحاوي، نسبة إلى قرية بصعيد مصر، الفقيه الحنفي صاحب المصنفات المفيدة، والفوائد الغزيرة: وهو أحد الثقات الاثبات، والحفاظ الجهابذة، وطحا بلدة بدريا بمصر.
وهو ابن أخت المزني.
توفي في مستهل ذي القعدة منها عن ثنتين وثمانين سنة وذكر أبو سعيد السمعاني: أنه ولد في سنة تسع وعشرين ومائتين، فعلى هذا يكون قد جاوز التسعين والله أعلم.
وذكر ابن خلكان في الوفيات أن سبب انتقاله إلى مذهب أبي حنيفة ورجوعه عن مذهب خاله المزني، أن خاله قال له يوما: والله لا يجئ منك شئ.
فغضب وتركه واشتغل على أبي جعفر بن أبي عمران الحنفي، حتى برع وفاق أهل زمانه، وصنف كتابا كثيرة.
منها أحكام القرآن، واختلاف العلماء.
ومعاني الآثار، والتاريخ الكبير.
وله في الشروط كتاب، وكان بارعا فيها.
وقد كتب للقاضي أبي عبد الله محمد بن عبد الله وعدله القاضي أبو عبيد بن حربويه، وكان يقول: رحم الله المزني، لو كان حيا لكفر عن يمينه.
توفي في مستهل ذي القعدة كما تقدم.
ودفن بالقرافة وقبره مشهور بها رحمه الله.
وقد ترجمه ابن عساكر وذكر أنه قد قدم دمشق سنة ثمان وستين ومائتين، وأخذ الفقه عن قاضيها أبي حازم.
أحمد بن محمد بن موسى بن النضر ابن حكيم بن علي بن زربى أبو بكر المعروف بابن أبي حامد صاحب بيت المال.
سمع عباسا الدوري وخلقا، وعنه الدار قطني وغيره.
وكان ثقة صدوقا، جوادا ممدحا، اتفق في أيامه أن رجلا من أهل العلم كانت له جارية يحبها حبا شديدا، فركبته ديون اقتضت بيع تلك الجارية في الدين، فلما أن قبض ثمنها ندم ندامة شديدة على فراقها، وبقي متحيرا في أمره، ثم باعها الذي اشتراها فوصلت إلى ابن أبي حامد هذا، وهو صاحب بيت المال، فتشفع صاحبها الاول - الذي باعها في
الدين - ببعض أصحاب ابن أبي حامد في أن يردها إليه ثمنها، وذكر له أنه يحبها، وأنه من أهل العلم، وإنما باعها في دين ركبه لم يجد له وفاء.
فلما قال له ذلك لم يكن عند ابن أبي حامد شعور بما ذكر له من أمر الجارية، وذلك أن امرأته كانت اشترتها له ولم تعلمه بعد بأمرها حتى تحل من استبرائها، وكان ذلك اليوم آخر الاستبراء، فألبستها الحلي والمصاغ وصنعتها له وهيأتها، حتى صارت كأنها فلقة قمر، وكانت حسناء، فحين شفع صاحبه فيها وذكر أمرها بهت لعدم علمه بها.
ثم دخل على أهله يستكشف خبرها من امرأته، فإذا بها قد هيئت له، فلما رآها على ؟ الصفة فرح فرحا شديدا إذ وجدها كذلك من أجل سيدها الاول، الذي تشفع فيه صاحبه.
فأخرجها معه وهو يظهر السرور، وامرأته تظن أنه إنما أخذها ليطأها، فأتى بها إلى ذلك الرجل بحليها وزينتها، فقال له: هذه جاريتك ؟ فلما رآها على تلك الصفة في ذلك الحلي والزينة مع الحسن الباهر اضطرب كلامه واختلط في عقله مما رأى من حسن منظرها وهيئتها.
فقال: نعم.
فقال: خذها بارك الله لك فيها.
ففرح الفتى بها فرحا شديدا.
وقال سيدي تأمر بمن يحمل ثمنها إليك ؟ فقال: لا حاجة لنا بثمنها، وأنت في حل منه أنفقه عليك وعليها، فإني أخشى أن تفتقر فتبيعها لمن لا يردها عليك.
فقال: يا سيدي وهذا الحلى والمصاغ الذي عليها ؟ فقال: هذا شئ وهبناه لها لا نرجع فيه ولا يعود إلينا أبدا، فدعا له واشتد فرحه بها جدا وأخذها وذهب.
فلما أراد أن يودع ابن أبي حامد قال ابن أبي حامد للجارية: أيما أحب إليك نحن أو سيدك هذا ؟ فقالت: أما أنتم فقد أحسنتم إلى وأعنتموني فجزاكم الله خيرا، وأما سيدي هذا فلو أني ملكت منه ما ملك مني لم أبعه بالاموال الجزيلة ولا فرطت فيه أبدا.
فاستحسن الحاضرون كلامها وأعجبهم ذلك من قولها، مع صغر سنها.
شغب أم أمير المؤمنين المقتدر بالله الملقبة بالسيدة كان دخلها من أملاكها في كل سنة ألف ألف دينار، فكانت تتصدق بأكثر ذلك على الحجيج في أشربة وأزواد وأطباء يكونون معهم، وفي تسهيل الطرقات والموارد.
وكانت في غاية الحشمة والرياسة ونفوذ الكلمة أيام ولدها، فلما قتل كانت مريضة فزادها قتله مرضا إلى مرضها، ولما استقر أمر القاهر
في الخلافة وهو ابن زوجها المعتضد وأخو ابنها المقتدر، وقد كانت حضنته حين توفيت أمه وخلصته من ابنها لما أخذت البيعة بالخلافة له ثم رجع ابنها إلى الخلافة، فشفعت في القاهر وأخذته إلى عندها، فكانت تكرمه وتشتري له الجواري، فلما قتل ابنها وتولى مكانه طلبها وهي مريضة فعاقبها عقوبة عظيمة جدا، حتى كان يعلقها برجليها ورأسها منكوس، فربما بالت فيسيل البول على وجهها، ليقررها على الاموال فلم يجد لها شيئا سوى ثيابها ومصاغها وحليها في صناديقها.
قيمة ذلك مائة ألف دينار، وثلاثون ألف دينار، وكان لها غير ذلك أملاك أمر ببيعها وأتي بالشهود ليشهدوا عليها بالتوكيل في بيعها، فامتنع الشهود من الشهادة حتى ينظروا إليها ويحلوها، فرفع الستر بإذن الخليفة فقالوا لها: أنت شغب جارية المعتضد أم جعفر المقتدر ؟ فبكت بكاء طويلا ثم قالت: نعم، فكتبوا حليتها عجوز سمراء اللون دقيقة الجبين.
وبكى الشهود وتفكروا كيف يتقلب الزمان بأهله، وتنقل الحدثان وأن الدنيا دار بلاء لا يفي مرجوها بمخوفها، ولا يسلم طلوعها من كسوفها، من ركن إليها أحرقته بنارها.
ولم يذكر القاهر شيئا من إحسانها إليه رحمها الله وعفا عنها.
توفيت في جمادى الاولى من هذه السنة، ودفنت بالرصافة.
عبد السلام بن محمد ابن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان، مولى عثمان بن عفان، وهو أبو هاشم بن أبي علي الجبائي المتكلم ابن المتكلم، المعتزلي ؟ المعتزلي، وإليه تنسب الطائفة الهاشمية من المعتزلة، وله مصنفات في الاعتزال كما لابيه من قبله، مولده سنة سبع وأربعين ومائتين، توفي في شعبان منها.
قال ابن خلكان: وكان له ابن يقال له أبو علي، دخل يوما على الصاحب بن عباد فأكرمه وأحترمه وسأله عن شئ من المسائل فقال: لا أعرف نصف العلم.
فقال: صدقت وسبقك أبوك إلى الجهل بالنصف الآخر.
محمد (1) بن الحسن بن دريد بن عتاهية أبو بكر بن دريد الازدي اللغوي النحوي الشاعر صاحب المقصورة، ولد بالبصرة في سنة
ثلاث وعشرين ومائتين وتنقل في البلاد لطلب العلم والادب، وكان أبوه من ذوي اليسار، وقدم بغداد وقد أسن فأقام بها إلى أن توفي في هذه السنة.
روى عن عبد الرحمن ابن أخي الاصمعي، وأبي حاتم والرياشي.
وعنه أبو سعيد السيرافي، وأبو بكر بن شاذان، وأبو عبيد الله بن المرزبان وغيرهم.
ويقال كان أعلم من شعر من العلماء.
وقد كان متهتكا في الشراب منهمكا فيه.
قال أبو منصور الازهري: دخلت عليه فوجدته سكران فلم أعد إليه.
وسئل عنه الدار قطني فقال: تكلموا فيه.
وقال ابن شاهين: كنا ندخل عليه فنستحي مما نراه من العيدان المعلقة وآلات اللهو والشراب المصفى وقد جاوز التسعين وقارب المائة.
توفي يوم الاربعاء لثنتي عشرة بقيت من شعبان.
وفي هذا اليوم توفي أبو هاشم بن أبي علي الجبائي المعتزلي، فصلي عليهما معا، ودفنا في مقبرة الخيزران.
فقال الناس: مات اليوم عالم اللغة، وعالم الكلام.
وكان ذلك يوما مطيرا.
ومن مصنفات ابن دريد الجمهرة في اللغة نحو عشر مجلدات.
وكتاب المطر، والمقصورة، والقصيدة الاخرى في المقصور والممدود، وغير ذلك سامحه الله.
ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وثلثمائة فيها قصد ملك الروم (2) ملطية في خمسين ألفا فحاصرهم ثم أعطاهم الامان حتى تمكن منهم، فقتل منهم خلقا كثيرا وأسر ما لا يحصون كثرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفيها وردت الاخبار أن مرداويج قد تسلم أصبهان وانتزعها من علي بن بويه، وأن علي بن بويه توجه إلى أرجان فأخذها،
__________
(1) من الوافي 2 / 329 ووفيات الاعيان 4 / 323 وفي الاصل: أحمد.
(2) وهو الدمستق قرقاش (الكامل 8 / 296 تاريخ أبي الفداء 2 / 81) .
وقد أرسل ابن بويه إلى الخليفة بالطاعة والمعونة، وإن أمكن يقبل العتبة الشريفة ويحضر بين يدي الخليفة إن رسم، ويذهب إلى شيراز فيكون مع ابن ياقوت.
ثم اتفق الحال بعد ذلك أن صار إلى شيراز وأخذها من نائبها ابن ياقوت بعد قتال عظيم، ظفر فيه ابن بويه بابن ياقوت وأصحابه، فقتل منهم خلقا وأسر جماعة، فلما تمكن أطلقهم وأحسن إليهم وخلع عليهم، وعدل في الناس.
وكانت
معه أموال كثيرة قد استفادها من أصبهان والكرج (1) وهمذان وغيرها.
وكان كريما جوادا معطيا للجيوش الذين قد التفوا عليه، ثم إنه أملق في بعض الاحيان وهو بشيراز، وطالبه الجند بأرزاقهم وخاف أن ينحل نظام أمره وملكه، فاستلقى على قفاه يوما مفكرا في أمره، وإذا حية قد خرجعت من شق في سقف المكان الذي هو فيه ودخلت في آخر، فأمر بنزع تلك السقوف فوجد هنالك مكانا فيه شئ كثير من الذهب، نحو من خمسمائة ألف دينار.
فأنفق في جيشه ما أراد، وبقي عنده شئ كثير.
وركب ذات يوم يتفرج في واجوانب البلد ونظر إلى ما بنته الاوائل، ويتعظ بمن كان فيه قبله، فانخسفت الارض من تحت قوائم فرسه فأمر فحفر هنالك فوجد من الاموال شيئا كثيرا أيضا.
واستعمل عند رجل خياط قماشا ليلبسه فاستبطأ فأمر بإحضاره، فلما وقف بين يديه تهدده - وكان الخياط أصم لا يسمع جيدا - فقال: والله أيها الملك ما لابن ياقوت عندي سوى اثنا عشر صندوقا لا أدرى ما فيها.
فأمر بإحضارها فإذا فيها أموال عظيمة تقارب ثلثمائة ألف دينار، واطلع على ودائع كانت ليعقوب بن الليث، فيها من الاموال ما لا يحد ولا يوصف كثرة، فقوي أمره وعظم سلطانه جدا.
وهذا كله من الامور المقدرة لما يريد الله بهم من السعادة الدنيوية، بعد الجوع والقلة (وربك يخلق ما يشاء ويختار) [ القصص: 68 ] وكتب إلى الراضي ووزيره ابن مقلة أن يقطع على ما قبله من البلاد على ألف ألف في كل سنة، فأجابه الراضي إلى ذلك، وبعث إليه بالخلع واللواء وأبهة الملك.
وفيها قتل القاهر أميرين كبيرين، وهما إسحاق بن إسماعيل النوبختي، وهو الذي كان قد أشار على الامراء بخلافة القاهر.
وأبا السرايا بن حمدان أصغر ولد أبيه، وكان في نفس القاهر منهما بسبب إنهما زايداه من قبل أن يلي الخلافة في جاريتين مغنيتين.
فاستدعاهما إلى المسامرة فتطيبا وحضرا، فأمر بإلقائهما في جب هنا لك فتضرعا إليه فلم يرحمهما، بل ألقيا فيها وطم عليهما.
ذكر خلع القاهر وسمل عينيه وعذابه وكان سبب ذلك أن الوزير علي بن مقلة كان قد هرب حين قبض على مؤنس كما تقدم، فاختفى في داره، وكان يراسل الجند ويكاتبهم ويغريهم بالقاهر، ويخوفهم سطوته وإقدامه، وسرعة بطشه، ويخبرهم بأن القاهر قد أعد لاكابر الامراء أماكن في دار الخلافة يسجنهم فيها، ومهالك
يلقيهم فيها، كما فعل بفلان وفلان فهيجهم ذلك على القبض على القاهر، فاجتمعوا وأجمعوا رأيهم على
__________
(1) من تجارب الامم 1 / 277 والكامل 8 / 267.
ومعجم البلدان 4 / 446 .
مناجزته في هذه الساعة، فركبوا مع الامير المعروف بسيما، وقصدوا دار الخلافة فأحاطوا بها، ثم هجموا عليه من سائر أبوابها وهو مخمور، فاختفى في سطح حمام فظهروا عليه فقبضوا عليه وحبسوه في مكان طريف اليشكري (1)، وأخرجوا طريفا من السجن، وخرج الوزير الخصيبي مستترا في زي امرأة، فذهب.
واضطربت بغداد ونهبت، وذلك يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الاولى فيها، في الشهر الذي ماتت فيه شغب.
فلم يكن بين موتها والقبض عليه وسمل عينيه وعذابه بأنواع العقوبات إلا مقدار سنة واحدة، وانتقم الله منه.
ثم أمروا بإحضاره، فلما حضر سملوا عينيه حتى سالتا على خديه، وارتكب منه أمر عظيم لم يسمع مثله في الاسلام، ثم أرسلوه.
وكان تارة يحبس وتارة يخلى سبيله.
وقد تأخر موته إلى سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة.
وافتقر حتى قام يوما بجامع المنصور فسأل الناس فأعطاه رجل خمسمائة دينار.
ويقال إنما أراد بسؤاله التشنيع عليهم.
وسنذكر ترجمته إذا ذكرنا وفاته.
خلافة الراضي بالله أبي العباس محمد بن المقتدر بالله لما خلعت الجند القاهر وسملوا عينيه أحضروا أبا العباس محمد بن المقتدر بالله فبايعوه بالخلافة ولقبوه الراضي بالله.
وقد أشار أبو بكر الصولي بأن يلقب بالمرضي بالله فلم يقبلوا، وذلك يوم الاربعاء لست خلون من جمادى الاولى منها.
وجاؤوا بالقاهرة وهو أعمى قد سملت عيناه فأوقف بين يديه فسلم عليه بالخلافة وسلمها إليه، فقام الراضي بأعبائها، وكان من خيار الخلفاء على ما سنذكره.
وأمر بإحضار أبي علي بن مقلة فولاه الوزارة، وجعل علي بن عيسى ناظرا معه، وأطلق كل من كان في حبس القاهر، واستدعى عيسى طبيب القاهر فصادره بمائتي ألف دينار، وتسلم منه الوديعة التي كان القاهر أودعه إياها، وكانت جملة مستكثرة من الذهب والفضة والجواهر النفيسة.
وفيها عظم أمر مرداويج بأصبهان وتحدث الناس أنه يريد أخذ بغداد، وأنه ممالئ لصاحب البحرين
أمير القرامطة، وقد اتفقا على رد الدولة من العرب إلى العجم، وأساء السيرة في رعيته، لا سيما في خواصه.
فتمالؤا عليه فقتلوه، وكان القائم بأعباء قتله أخص مماليكه وهو بجكم (2) بيض الله وجهه، وبجكم هذا هو الذي استنقذ الحجر الاسود من أيدي القرامطة حتى ردوه، اشتراه منهم بخمسين ألف دينار.
ولما قتل الامير بجكم مرداويج عظم أمر علي بن بويه، وارتفع قدره بين الناس، وسيأتي ما آل إليه حاله.
ولما خلع القاهر وولي الراضي، طمع هارون بن غريب في الخلافة، لكونه ابن خال المقتدر، وكان نائبا على ماه والكوفة والدينور وماسبذان، فدعا إلى نفسه واتبعه خلق كثير من الجند والامراء، وجبى الاموال واستفحل أمره، وقويت شوكته، وقصد بغداد فخرج إليه محمد بن ياقوت
__________
(1) في الكامل 8 / 281: السبكري.
(2) من الكامل 8 / 303 وفي الاصل: بحكم، وقد صحح أينما ورد .
رأس الحجبة بجميع جند بغداد، فاقتتلوا فخرج في بعض الايام هارون بن غريب يتقصد لعله يعمل حيلة في أسر محمد بن ياقوت فتقنطر به فرسه فألقاه في نهر، فضربه غلامه حتى قتله وأخذ رأسه حتى جاء به إلى محمد بن ياقوت، وانهزم أصحابه ورجع ابن ياقوت فدخل بغداد ورأس هارون بن غريب يحمل على رمح، ففرح الناس بذلك، وكان يوما مشهودا.
وفيها ظهر ببغداد رجل يعرف بأبي جعفر بن علي الشلمغاني، ويقال له أبن العرافة (1)، فذكروا عنه أنه يدعي ما كان يدعيه الحلاج من الالهية، وكانوا قد قبضوا عليه في دولة المقتدر عند حامد بن العباس، واتهم بأنه يقول بالتناسخ فأنكر ذلك.
ولما كانت هذه المرة أحضره الراضي وادعى عليه بما كان ذكر عنه فأنكر ثم أقر بأشياء، فأفتى قوم أن دمه حلال إلا أن يتوب من هذه المقالة، فأبى أن يتوب، فضرب ثمانين سوطا، ثم ضربت عنقه وألحق بالحلاج، وقتل معه صاحبه ابن أبي عون لعنه الله.
وكان هذا للعين من جملة من أتبعه وصدقه فيما يزعمه من الكفر.
وقد بسط ابن الاثير في كامله مذهب هؤلاء الكفرة بسطا جيدا، وشبه مذهبهم بمذهب النصيرية.
وادعى رجل آخر ببلاد الشاش النبوة وأظهر المخاريق وأشياء كثيرة من الحيل، فجاءته الجيوش فقاتلوه، وانطفأ
أمره.
وفاة المهدي صاحب أفريقية وفيها كان موت المهدي صاحب إفريقية أول خلفاء الفاطميين الادعياء الكذبة، وهو أبو محمد عبيد الله المدعي أنه علوي، وتلقب بالمهدي، وبنى المهدية ومات بها عن ثلاث وستين سنة، وكانت ولايته - منذ دخل رقادة وادعى الامامة - أربعا وعشرين سنة وشهرا وعشرين يوما.
وقد كان شهما شجاعا، ظفر بجماعة ممن خالفه وناوأه وقاتله وعاداه، فلما مات قام بأمر الخلافة من بعده ولده أبو القاسم الملقب بالخليفة القائم بأمر الله.
وحين توفي أبوه كتم موته سنة حتى دبر ما أراده من الامور، ثم أظهر ذلك وعزاه الناس فيه.
وقد كان كأبيه شهما شجاعا: فتح البلاد وأرسل السرايا إلى بلاد الروم، ورام أخذ الديار المصرية فلم يتفق له ذلك، وإنما أخذ الديار المصرية ابن ابنه المعز الفاطمي باني القاهرة المعزية كما سنذكره إن شاء الله.
قال ابن خلكان في الوفيات: وقد اختلف في نسب المهدي هذا اختلافا كثيرا جدا، فقال صاحب تاريخ القيروان: هو عبيد الله بن الحسن بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
وقال غيره: هو عبيد الله بن التقي وهو الحسين بن الوفي بن أحمد بن الرضي، وهو عبد الله هذا، وهو ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق.
وقيل غير
__________
(1) في الكامل 8 / 290 ابن أبي القراقر، وفي الفرق بين الفرق 199: ابن أبي العذافر والشلمغاني: نسبة إلى شلمغان قرية بنواحي واسط .
لك في نسبه.
قال ابن خلكان: والمحققون ينكرون دعواه في النسب.
قلت: قد كتب غير واحد من الائمة منهم الشيخ أبو حامد الاسفرايينى والقاضي الباقلاني، والقدوري، أن هؤلاء أدعياء ليس لهم نسب صحيح فيما يزعمونه، وأن والد عبيد الله المهدي هذا كان يهوديا صباغا بسلمية، وقيل كان اسمه سعد، وإنما لقب بعبيد الله زوج أمه الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القداح، وسمي القداح لانه كان كحالا يقدح العيون.
وكان الذي وطأ له الامر بتلك البلاد أبو عبد الله
الشيعي كما قدمنا ذلك، ثم استدعاه فلما قدم عليه من بلاد المشرق وقع في يد صاحب سجلماسة فسجنه، فلم يزل الشيعي يحتال له حتى استنقذه من يده وسلم إليه الامر، ثم ندم الشيعي على تسليمه الامر وأراد قتله، ففطن عبيد الله لما أراد به، فأرسل إلى الشيعي من قتله وقتل أخاه معه.
ويقال إن الشيعي لما دخل السجن الذي قد حبس فيه عبيد الله هذا وجد صاحب سجلماسة قد قتله، ووجد في السجن رجلا مجهولا محبوسا فأخرجه إلى الناس، لانه كان قد أخبر الناس أن المهدي كان محبوسا في سجلماسة وأنه إنما يقاتل عليه، فقال للناس: هذا هو المهدي - وكان قد أوصاه أن لا يتكلم إلا بما يأمره به وإلا قتله - فراج أمره.
فهذه قصته.
وهؤلاء من سلالته والله أعلم.
وكان مولد المهدي هذا في سنة ستين ومائتين، وقيل قبلها، وقيل بعدها، بسلمية، وقيل بالكوفة والله أعلم.
وأول ما دعي له على منابر رقادة والقيروان يوم الجمعة لسبع بقين من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، بعد رجوعه من سجلماسة، وكان ظهوره بها في ذي الحجة من السنة الماضية - سنة ست وتسعين ومائتين - فلما ظهر زالت دولة بني العباس عن تلك الناحية من هذا الحين إلى أن ملك العاضد في سنة سبع وستين وخمسمائة.
توفي بالمدينة المهدية التي بناها في أيامه للنصف من ربيع الاول منها، وقد جاوز الستين على المشهور، وسيفصل الله بين الآمر والمأمور يوم البعث والنشور.
وفيها توفي من الاعيان أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري قاضي مصر.
حدث عن أبيه بكتبه المشهورة، وتوفي وهو قاض بالديار المصرية في ربيع الاول منها.
محمد بن أحمد بن القاسم أبو علي الروذباري وقيل اسمه أحمد بن محمد، ويقال الحسين بن الهمام، والصحيح الاول.
أصله من بغداد وسكن مصر، وكان من أبناء الرؤساء والوزراء والكتبة، وصحب الجنيد وسمع الحديث وحفظ منه كثيرا، وتفقه بإبراهيم الحربي.
وأخذ النحو عن ثعلب، وكان كثير الصدقة والبر للفقراء، وكان إذا أعطى الفقير شيئا جعله في كفه تحت يد الفقير، ثم يتناوله الفقير، يريد أن لا تكون يد الفقير تحت يده.
قال أبو نعيم: سئل أبو علي الروذباري عمن يسمع الملاهي ويقول إنه وصل إلى منزلة لا يؤثر فيه اختلاف الاحوال.
فقال: نعم وصل، ولكن إلى سقر.
وقال: الاشارة الابانة، لما تضمنه.
الوجد من المشار إليه لا غير، وفي الحقيقة أن الاشارة تصححها العلل، والعلل بعيدة من غير الحقائق.
وقال: من الاغترار أن تسئ فيحسن إليك، فتترك الانابة والتوبة توهما أنك تسامح في الهفوات، وترى أن ذلك من بسط الحق لك.
وقال تشوقت القلوب إلى مشاهدة ذات الحق فألقيت إليها الاسامي، فركنت إليها مشغوفة بها عن الذات إلى أوان التجلي، فذلك قوله (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها) [ الاعراف: 180 ] فوقفوا معها عن إدراك الحقائق، فأظهر الاسامي وأبداها للخلق، لتسكين شوق المحبين إليه، وتأنيس قلوب العارفين به.
وقال: لا رضى لمن لا يصبر، ولا كمال لمن لا يشكر.
وبالله وصل العارفون إلى محبته وشكروه على نعمته.
وقال: إن المشتاقين إلى الله يجدون حلاوة الشوق عند ورود المكاشف لهم عن روح الوصال إلى قربه أحلى من الشهد.
وقال: من رزق ثلاثة أشياء فقد سلم من الآفات: بطن جائع معه قلب قانع، وفقر دائم معه زهد حاضر، وصبر كامل معه قناعة دائمة.
وقال: في اكتساب الدنيا مذلة النفوس، وفي اكتساب الآخرة عزها، فيا عجبا لمن يختار المذلة في طلب ما يفنى على العز في طلب ما يبقى.
ومن شعره: لو مضى الكل مني لم يكن عجبا * وإنما عجبي في البعض كيف بقي أدرك بقية روح منك قد تلفت * قبل الفراق فهذا آخر الرمق محمد بن إسماعيل (1) المعروف بخير النساج أبو الحسن الصوفي، من كبار المشايخ ذوي الاحوال الصالحة، والكرامات المشهورة.
أدرك سريا السقطي وغيره من مشايخ القوم، وعاش مائة وعشرين سنة.
ولما حضرته والوفاة نظر إلى زاوية البيت فقال: قف رحمك الله، فإنك عبد مأمور وأنا عبد مأمور، وما أمرت به لا يفوت وما أمرت به يفوت.
ثم قام وتوضأ وصلى وتمدد رحمه الله.
وقد رآه بعضهم في المنام فقال له: ما فعل الله بك ؟ فقال استرحنا من دنياكم الوخيمة (2).
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة فيها أحضر ابن شنبوذ (3) المقري فأنكر عليه جماعة من الفقهاء والقراء حروفا انفرد بها فاعترف
ببعضها وأنكر بعضها، فاستتيب من ذلك واستكتب خطه بالرجوع عما نقم عليه، وضرب سبع درر بإشارة الوزير أبي علي بن مقلة، ونفي إلى البصرة.
فدعا علي الوزير أن تقطع يده ويشتت شمله،
__________
(1) ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة 2 / 451: خير بن عبد الله، وقال: كان أسم خير، محمد بن إبراهيم السامري، أصله من سر من رأى لكنه نزل بغداد.
(انظر الكامل 8 / 297).
(2) في صفوة الصفوة: الوضرة.
(3) وهو محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت بن شنبوذ.
انظر ابن خلكان: ترجمته وقصة ومناظرته وضربه .
فكان ذلك عما قريب.
وفي جمادى الآخرة نادى ابن الحرسي (1) صاحب الشرطة في الجانبين من بغداد أن لا يجتمع اثنان من أصحاب أبي محمد البربهاري الواعظ الحنبلي.
وحبس من أصحابه جماعة، واستتر ابن البربهاري فلم يظهر مدة.
قال ابن الجوزي في المنتظم: وفي شهر أيار تكاثفت الغيوم واشتد الحر جدا، فلما كان آخر يوم منه - وهو الخامس والعشرين من جمادى الآخرة منها - هاجت ريح شديدة جدا وأظلمت الارض واسودت إلى بعد العصر، ثم خفت ثم عادت إلى بعد عشاء الآخرة.
وفيها استبطأ الاجناد أرزاقهم فقصدوا دار الوزير أبي علي بن مقلة فنقبوها وأخذوا ما فيها.
ووقع حريق عظيم في طريق الموازين، فاحترق للناس شئ كثير، فعوض عليهم الراضي بعض ما كان ذهب لهم.
وفي رمضان اجتمع جماعة من الامراء على بيعة جعفر بن المكتفي، فظهر الوزير على أمرهم فحبس جعفر ونهبت داره، وحبس جماعة ممن كان بايعه، وأنطفأت ناره.
وخرج الحجاج في غفارة الامير لؤلؤ فاعترضهم أبو طاهر القرمطي فقتل أكثرهم ورجع من انهزم منهم إلى بغداد، وبطل الحج في هذه السنة من طريق العراق.
قال ابن الجوزي: وفيها تساقطت كواكب كثيرة ببغداد والكوفة على صورة لم ير مثلها، ولا ما يقاربها، وغلا السعر في هذه السنة حتى بيع الكر من الحنطة بمائة وعشرين دينارا.
وفيها على الصحيح كان مقتل مرداويج بن زياد الديلمي، وكان قبحه الله سئ السيرة والسريرة، يزعم أن روح سليمان بن داود حلت فيه، وله سرير من ذهب يجلس عليه والاتراك بين يديه، ويزعم أنهم الجن الذين سخروا لسليمان بن داود، وكان يسئ المعاملة لجنده
ويحتقرهم غاية الاحتقار، فما زال ذلك دأبه حتى أمكنهم الله منه فقتلوه شر قتلة في حمام، وكان الذي مالا على قتله غلامه بجكم التركي، وكان ركن الدولة بن بويه رهينة عنده فأطلق لما قتل، فذهب إلى أخيه عماد الدولة، وذهبت طائفة من الاتراك معه إلى أخيه، والتفت طائفة منهم على بجكم فسار بهم إلى بغداد بإذن الخليفة له في ذلك، ثم صرفوا إلى البصرة فكانوا بها.
وأما الديلم فإنهم بعثوا إلى أخي مرداويج وهو وشمكير، فلما قدم عليهم تلقوه إلى أثناء الطريق حفاة مشاة فملكوه عليهم لئلا يذهب ملكهم، فانتدب إلى محاربته الملك السعيد نصر بن أحمد الساماني نائب خراسان وما وراء النهر، وما والاها من تلك البلاد والاقاليم، فانتزع منه بلدانا هائلة.
وفيها بعث القائم بأمر الله الفاطمي جيشا من إفريقية في البحر إلى ناحية الفرنج فافتتحوا مدينة جنوه وغنموا غنائم كثيرة وثروة.
ورجعوا سالمين غانمين.
وفيها بعث عماد الدولة إلى أصبهان فاستولى عليها وعلى بلاد الجبل واتسعت مملكته جدا.
وفيها كان غلاء شديد بخراسان، ووقع بها فناء كثير، بحيث كان يهمهم أمر دفن الموتى.
وفيها قتل ناصر الدولة أبو الحسن بن حمدان نائب الموصل عمه أبا العلاء سعيد بن حمدان لانه أراد أن ينتزعها منه، فبعث إليه الخليفة وزيره أبا علي بن مقلة في جيوش، فهرب منه ناصر الدولة، فلما طال مقام ابن مقلة بالموصل ولم يقدر على ناصر الدولة رجع إلى بغداد، فاستقرت يد ناصر الدولة على الموصل.
وبعث به إلى الخليفة أن يضمنه تلك الناحية، فأجيب إلى ذلك، واستمر الحال على ما كان.
وخرج
__________
(1) في الكامل 8 / 307: بدر الخرشني .
الحجيج فلقيهم القرمطي فقاتلهم وظفر بهم فسألوه الامان فأمنهم على أن يرجعوا بغداد فرجعوا، وتعطل الحج عامهم ذلك أيضا.
وفيها توفي من الاعيان..نفطويه النحوي واسمه إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الازدي أبو عبد الله العتكي المعروف بنفطويه النحوي.
له مصنفات فيه، وقد سمع الحديث وروى
عن المشايخ وحدث عنه الثقات، وكان صدوقا، وله أشعار حسنة.
وروى الخطيب عن نفطويه أنه مر على بقال فقال له: أيها الشيخ كيف الطريق إلى درب الرآسين - يعني درب الرواسين - فالتفت البقال إلى جاره فقال له: قبح الله غلامي أبطأ علي بالسلق، ولو كان عندي لصفعت هذا بحزمة منه.
فانصرف عنه نفطويه ولم يرد عليه.
توفي نفطويه في شهر صفر من هذه السنة عن ثلاث وثمانين سنة (1) وصلى عليه البربهاري رئيس الحنابلة، ودفن بمقابر دار الكوفة.
ومما أنشده أبو علي القالي في الامالي له: قلبي أرق عليه (2) من خديكا * وفؤادي أوهى من قوى جفنيكا لم لا ترق لمن يعذب نفسه * ظلما ويعطفه هواه عليكا قال ابن خلكان: وفي نفطويه يقول أبو محمد عبد الله بن زيد بن علي بن الحسين الواسطي المتكلم المشهور صاحب " الامامة " و " إعجاز القرآن " وغير ذلك من الكتب: من سره أن لا يرى فاسقا * فليجتهد أن لا يرى نفطويه أحرقه الله بنصف اسمه * وصير الباقي صراخ عليه قال الثعالبي: إنما سمي نفطوية لدمامته.
وقال ابن خالويه: لا يعرف من اسمه إبراهيم وكنيته أبو عبد الله سواه.
عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله الهاشمي العباسي حدث عن بشار بن نصر الحلبي وغيره.
وعنه الدار قطني وغيره، وكان ثقة فاضلا فقيها شافعيا.
__________
(1) ولادته سنة 244 وقيل سنة 250 بواسط وسكن بغداد (الوفيات 1 / 47).
(2) في الامالى 1 / 207: قلبي عليك أرق .
عبد الملك بن محمد بن عدي أبو نعيم الاستراباذي المحدث الفقيه الشافعي أيضا، توفي عن ثلاث وثمانين سنة.
علي بن الفضل بن طاهر بن نصر بن محمد أبو الحسن البلخي، كان من الجوالين في طلب الحديث، وكان ثقة حافظا، سمع أبا هاشم الرازي وغيره.
وعنه الدار قطني وغيره.
محمد بن أحمد بن أسد أبو بكر الحافظ، ويعرف بابن البستبنان (1)، سمع الزبير بن بكار وغيره، وعنه الدار قطني وغيره.
جاوز الثمانين.
ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلثمائة فيها جاءت الجند فأحدقوا بدار الخلافة وقالوا: ليخرج إلينا الخليفة الراضي بنفسه فيصلي بالناس.
فخرج فصلى بهم وخطبهم.
وقبض الغلمان على الوزير ابن مقلة وسألوا من الخليفة أن يستوزر غيره فرد الخيرة إليهم فاختاروا علي بن عيسى فلم يقبل، وأشار بأخيه عبد الرحمن بن عيسى فاستوزره، وأحرقت دار ابن مقلة، وسلم هو إلى عبد الرحمن بن عيسى فضرب ضربا عنيفا، وأخذ خطه بألف ألف دينار، ثم عجز عبد الرحمن بن عيسى فعزل بعد خمسين يوما وقلد الوزارة أبو جعفر بن القاسم الكرخي، فصادر علي بن عيسى بمائة ألف دينار، وصادر أخاه عبد الرحمن بن عيسى بسبعين ألف دينار، ثم عزل بعد ثلاثة أشهر ونصف، وقلد سليمان بن الحسن (2)، ثم عزل بأبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، وذلك في السنة الآتية.
وأحرقت داره كما أحرقت دار ابن مقلة في يوم أحرقت تلك فيه، سنة بينهما واحدة.
وهذا كله من تخبيط الاتراك والغلمان.
ولما أحرقت دار ابن مقلة في هذه السنة كتب بعض الناس على بعض جدرانها: أحسنت ظنك بالايام إذ حسنت * ولم تخف يوما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها * وعند صفو الليالي يحدث الكدر وفيها ضعف أمر الخلافة جدا، وبعث الراضي إلى محمد بن رائق - وكان بواسط - يدعوه إليه ليوليه إمرة الامراء بغداد، وأمر الخراج والمغل في جميع البلاد والدواوين، وأمر أن يخطب له على جميع المنابر، وأنفذ إليه بالخلع.
فقدم ابن رائق بغداد على ذلك كله، ومعه الامير بجكم التركي غلام مرداويج، وهو الذي ساعد على قتل مرداويج.
واستحوذ ابن رائق على أموال العراق بكماله، ونقل
__________
(1) نسبة إلى حفظ البستان.
(2) من الكامل 8 / 322 والفخري ص 281 وهو سليمان بن الحسن بن مخلد، وفي الاصل: الحسين.
قال الفخري: وفي أيامه استبد بالامور ابن رائق وولى النظار والعمال ورفعت المطالعات إليه..ولم يبق للوزير سوى الاسم من غير حكم ولا تدبير.
(ص 282) .
أموال بيت المال إلى داره، ولم يبق للوزير تصرف في شئ بالكلية، ووهى أمر الخلافة جدا، واستقل نواب الاطراف بالتصرف فيها، ولم يبق للخليفة حكم في غير بغداد ومعاملاتها.
ومع هذا ليس له مع ابن رائق نفوذ في شئ، ولا تفرد بشئ، ولا كلمة تطاع، وإنما يحمل إليه ابن رائق ما يحتاج إليه من الاموال والنفقات وغيرها.
وهكذا صار أمر من جاء بعده من أمراء الاكابر، كانوا لا يرفعون رأسا بالخليفة، وأما بقية الاطراف فالبصرة مع ابن رائق هذا، يولي فيها من شاء.
وخوزستان إلى أبي عبد الله البريدي، وقد غلب ابن ياقوت على ما كان بيده في هذه السنة من مملكة تستر وغيرها واستحوذ على حواصلها وأموالها.
وأمر فارس إلى عماد الدولة بن بويه ينازعه في ذلك وشمكير أخو مرداويج وكرمان بيد أبي علي محمد بن إلياس بن اليسع.
وبلاد الموصل والجزيرة وديار بكر ومضر وربيعة مع بني حمدان.
ومصر والشام في يدي محمد بن ظغج.
وبلاد إفريقية والمغرب في يد القائم بأمر الله ابن المهدي الفاطمي، وقد تلقب بأمير المؤمنين.
والاندلس في يد عبد الرحمن بن محمد، والملقب بالناصر الاموي.
وخراسان وما وراء النهر في يد السعيد نصر بن أحمد الساماني.
وطبرستان وجرجان في يد الديلم.
والبحرين واليمامة وهجر في يد أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي القرمطي.
وفيها وقع ببغداد غلاء عظيم وفناء كثير بحيث عدم الخبز منها خمسة أيام، ومات من أهلها خلق كثير، وأكثر ذلك كان في الضعفاء، وكان الموتى يلقون في الطريق ليس لهم من يقوم بهم، ويحمل على الجنازة الواحدة الرجلان من الموتى، وربما يوضع بينهم صبي، وربما حفرت الحفرة الواحدة فتوسع حتى يوضع فيها جماعة.
ومات من أهل أصبهان نحو من مائتي ألف إنسان.
وفيها وقع حريق بعمان أحرق فيه من السودان ألف، ومن البيضان خلق كثير، وكان جملة ما أحرق فيه أربعمائة حمل كافور.
وعزل الخليفة أحمد بن كيغلغ عن نيابة الشام، وأضاف ذلك إلى ابن طغج نائب الديار
المصرية.
وفيها ولد عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو بن ركن الدولة بن بويه بأصبهان.
وفيها توفي من الاعيان..ابن مجاهد المقري أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد المقري، أحد أئمة هذا الشأن.
حدث عن خلق كثير، وروى عنه الدار قطني وغيره، وكان ثقة مأمونا، سكن الجانب الشرقي من بغداد، وكان ثعلب يقول: ما بقي في عصرنا أحد أعلم بكتاب الله منه.
توفي يوم الاربعاء وأخرج يوم الخميس لعشر بقين من شعبان من هذه السنة.
وقد رآه بعضهم في المنام وهو يقرأ فقال له: أما مت ؟ فقال: بلى ولكن كنت أدعو الله عقب كل ختمة أن أكون ممن يقرأ في قبره، فأنا ممن يقرأ في قبره.
رحمه الله.
جحظة الشاعر البرمكي أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي، أبو الحسن النديم المعروف
بجحظة الشاعر الماهر الاديب الاخباري، ذو الفنون في العلوم والنوادر الحاضرة، وكان جيد الغناء.
ومن شعره: قد نادت الدنيا على نفسها * لو كان في العالم من يسمع كم آمل خيبت آماله * وجامع بددت ما يجمع وكتب له بعض الملوك رقعة على صيرفي بمال أطلقه له فلم يحصل له، فكتب إلى الملك يذكر له ذلك: إذا كانت صلاتكم رقاعا * تخطط بالانامل والاكف فلا تجد الرقاع علي نفعا * فذا خطي فخذه بألف ألف ومن شعره يهجو صديقا له ويذمه على شدة شحه وبخله وحرصه فقال: لنا صاحب من أبرع الناس في البخل * يسمى بفضل، وهو ليس بذي فضل دعاني كما يدعو الصديق صديقه * فجئت كما يأتي إلى مثله مثلي
فلما جلسنا للغداء رأيته * يرى أنما من بعض أعضائه أكلي فيغتاظ أحيانا ويشتم عبده * فأعلم أن الغيظ والشتم من أجلي أمد يدي سرا لآكل لقمة * فيلحظني شزرا فأعبث بالبقل إلى أن جنت كفي علي جناية * وذلك أن الجوع أعدمني عقلي فأهوت يميني نحو رجل دجاجة * فجرت رجلها كما جرت يدي رجلي ومن قوي شعره قوله: رحلتم فكم من أنة بعد حنة * مبينة للناس حزني عليكم وقد كنت أعتقت الجفون من البكا * فقد ردها في الرق شوقي إليكم وقد أورد له ابن خلكان من شعره الرائق قوله: فقلت لها: بخلت علي يقظي * فجودي في المنام لمستهام فقالت لي: وصرت تنام أيضا * وتطمع أن أزورك في المنام ؟ قال: وإنما لقبه بجحظة عبد الله بن المعتز، وذلك لسوء منظره بمآقيه.
قال بعض من هجاه (1):
__________
(1) البيتان لابن الرومي قالهما في خلقه المشوه (الوفيات 1 / 134)
بيت جحظة تسعين جحوظة (1) * من فيل شطرنج ومن سرطان وارحمتا لمنادميه تحملوا * ألم العيون للذة الآذان توفي سنة ست وعشرين وقيل أربع وعشرين وثلثمائة بواسط.
ابن المغلس الفقيه الظاهري (2) المشهور.
له المصنفات المفيدة في مذهبه.
أخذ الفقه عن أبي بكر بن داود.
وروى عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، وعلي بن داود القنطري، وأبي قلابة الرياشي، وآخرين.
وكان ثقة فقيها
فاضلا وهو الذي نشر علم داود في تلك البلاد.
توفي بالسكتة.
أبو بكر بن زياد النيسابوري عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل بن ميمون، أبو بكر الفقيه الشافعي النيسابوري مولى أبان بن عثمان، رحل إلى العراق والشام ومصر، وسكن بغداد.
حدث عن محمد بن يحيى الذهلي وعباس الدوري، وخلق.
وعنه الدار قطني وغير واحد من الحفاظ.
قال الدار قطني: لم ير في مشايخنا أحفظ منه للاسانيد والمتون وكان أفقه المشايخ، جالس المزني والربيع وقال عبد الله بن بطة: كنا نحصر مجلس ابن زيادة وكان يحرز من يحضره من أصحاب المحابر ثلاثين ألفا.
وقال الخطيب: أخبرنا أبو سعد الماليني أنبأ يوسف بن عمر بن مسرور سمعت أبا بكر ابن زياد النيسابوري يقول: أعرف من قام الليل أربعين سنة لم ينم إلا جاثيا، ويتقوت كل يوم خمس حبات، ويصلي صلاة الغد بطهارة العشاء، ثم يقول: أنا هو كنت أفعل هذا كله قبل أن أعرف أم عبد الرحمن - يعني أم ولده - إيش أقول لمن زوجني.
ثم قال في إثر هذا: ما أراد إلا الخير.
توفي في هذه السنة عن ست وثمانين سنة.
عفان بن سليمان ابن أيوب أبو الحسن التاجر، أقام بمصر وأوقف بها أوقافا دارة على أهل الحديث، وعلى سلالة العشرة رضي الله عنهم.
وكان تاجرا موسعا عليه في الدنيا، مقبول الشهادة عند الحكام، توفي في شعبان منها.
__________
(1) في الوفيات: يستعير جحوظه.
(2) هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلس، أبو الحسن البغدادي الداودي .
أبو الحسن الاشعري قدم بغداد وأخذ الحديث عن زكريا بن يحيى الساجي وتفقه بابن سريج.
وقد ذكرنا ترجمته في طبقات الشافعية.
وذكر ابن خلكان: أنه كان يجلس في حلقة الشيخ أبي إسحاق المروزي، وقد كان
الاشعري معتزليا فتاب منه بالبصرة فوق المنبر، ثم أظهر فضائح المعتزلة وقبائحهم، وله من الكتب: الموجز وغيره، وحكي عن ابن حزم أنه قال: للاشعري خمسة وخمسون تصنيفا.
وذكر أن مغله كان في كل سنة سبعة عشر ألف درهم، وأنه كان من أكثر الناس دعابة، وأنه ولد سنة سبعين ومائتين، وقيل سنة ستين ومائتين، ومات في هذه السنة، وقيل في سنة ثلاثين، وقيل في سنة بضع وثلاثين وثلثمائة فالله أعلم.
محمد بن الفضل بن عبد الله، أبو ذر التميمي، كان رئيس جرجان، سمع الكثير، وتفقه بمذهب الشافعي، وكانت داره مجمع العلماء، وله إفضال كثير على طلبة العلم من أهل زمانه.
هارن بن المقتدر أخو الخليفة الراضي، توفي في ربيع الاول منها، فحزن عليه أخوه الراضي.
وأمر بنفي بختيشوع بن يحيى المتطبب إلى الانبار، لانه اتهم في علاجه، ثم شفعت فيه أم الراضي فرده.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وثلثمائة في المحرم منها خرج الخليفة الراضي وأمير الامراء محمد بن رائق من بغداد قاصدين واسط لقتال أبي عبد الله البريدي نائب الاهواز، الذي قد تجبر بها ومنع الخراج، فلما سار ابن رائق إلى واسط خرج الحجون (1) فقاتلوه فسلط عليهم بجكم فطحنهم (2)، ورجع فلهم إلى بغداد فتلقاهم لؤلؤ أمير الشرطة فاحتاط على أكثرهم ونهبت دورهم، ولم يبق لهم رأس يرتفع، وقطعت أرزاقهم من بيت المال بالكلية.
وبعث الخليفة وابن رائق إلى أبي عبد الله البريدي يتهددانه فأجاب إلى حمل كل سنة ثلثمائة ألف وستين ألف دينار يقوم بها، تحمل كل سنة على حدته، وأنه يجهز جيشا إلى قتال عضد الدولة بن بويه.
فلما رجع الخليفة إلى بغداد لم يحمل شيئا ولم يبعث أحدا.
ثم بعث ابن رائق بجكم وبدرا الحسيني لقتال البريدي، فجرت بينهم حروب وخطوب، وأمور يطول ذكرها.
ثم لجأ البريدي إلى عماد الدولة واستجار به، واستحوذ بجكم على بلاد الاهواز، وجعل إليه ابن رائق خراجها، وكان بجكم هذا شجاعا فاتكا.
وفي ربيع الاول خلع الخليفة على بجكم وعقد له الامارة ببغداد، وولاه نيابة المشرق إلى خراسان.
وفيها من الاعيان أبو حامد بن الشرقي:
__________
(1) في الكامل 8 / 329 الحجرية.
(2) في الكامل: اعترضهم ابن رائق فقاتلهم قتالا شديدا فانهزم الحجرية وقتل منهم جماعة .
أحمد بن محمد بن الحسن أبو حامد الشرقي، مولده سنة أربعين ومائتين، وكان حافظا كبير القدر كثير الحفظ، كثير الحج.
رحل إلى الامصار وجاب الاقطار، وسمع من الكبار، نظر إليه ابن خزيمة يوما فقال: حياة أبي حامد تحول بين الناس وبين الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عبد الله بن محمد بن سفيان أبو الحسن الخزاز النحوي، حدث عن المبرد وثعلب، وكان ثقة.
له مصنفات في علوم القرآن غزيرة الفوائد: محمد بن إسحاق بن يحيى أبو الطيب النحوي، قال أبو الوفا له مصنفات مليحة في الاخبار، وقد حدث عن الحارث بن أبي المبرد وأسامة وثعلب وغيرهم - محمد بن هارون أبو بكر العسكري الفقيه على مذهب أبي ثور، روى عن الحسن بن عرفة وعباس الدوري وعن الدار قطني والآجري وغيرهما.
والله أعلم.
ثم دخلت سنة ست وعشرين وثلثمائة فيها ورد كتاب من ملك الروم إلى الراضي مكتوب بالرومية والتفسير بالعربية، فالرومي بالذهب والعربي بالفضة، وحاصله طلب الهدنة بينه وبينه، ووجه مع الكتاب بهدايا وألطاف كثيرة فاخرة (1)، فأجابه الخليفة إلى ذلك، وفودي من المسلمين ستة آلاف أسير (2)، ما بين ذكر وأنثى على نهر البدندون.
وفيها ارتحل الوزير أبو الفتح بن الفرات من بغداد إلى الشام، وترك الوزارة فوليها أبو علي بن مقلة وكانت ولايته ضعيفة جدا، ليس له من الامر شئ مع ابن رائق، وطلب من ابن رائق أن يفرغ له عن أملاكه فجعل يماطله، فكتب إلى بجكم يطمعه في بغداد، وأن يكون عوضا عن ابن رائق.
وكتب ابن مقلة أيضا إلى الخليفة ويطلب منه أن يسلم إليه ابن رائق وابن مقاتل، ويضمنهم بألفي دينار، فبلغ ذلك ابن رائق فأخذه فقطع يده، وقال: هذا أفسد في الارض.
ثم جعل يحسن للراضي أن يستوزره وأن قطع يده لا يمنعه من الكتابة، وأنه يشد القلم على يده اليمنى المقطوعة فيكتب بها، ثم بلغ ابن رائق أنه قد كتب إلى بجكم بما تقدم، وأنه يدعو عليه.
فأخذه فقطع لسانه
وسجنه في مكان ضيق، وليس عنده من يخدمه، فكان يستقي الماء بنفسه يتناول الدلو بيده اليسرى ثم يمسكه بفيه ثم يجذب باليسرى ثم يمسك بفيه إلى أن يستقي، ولقي شدة وعناء، ومات في محبسه هذا وحيدا فدفن فيه.
ثم سأل أهله نقله فدفن في داره، ثم نقل منها إلى غيرها، فاتفق له أشياء
__________
(1) نسخة كتاب ملك الروم في تاريخ الزمان لابن العبري ص 56، ورد الخليفة وفيه: من عبد الله أبي العباس الراضي امام الدين أمير المؤمنين إلى رومانوس وقسطنطين واسطفانس وقسطنطين زعماء الروم سلام.
رحبنا بهداياكم ووجهنا إليكم طبقا لرغبتكم سفيرنا فلانا تكريما لكم وتأييدا لعقد الصلح.
(2) في الكامل 8 / 352: ستة آلاف وثلثمائة أسير .
غريبة: منها أنه وزر ثلاث مرات، وعزل ثلاث مرات، وولي لثلاثة من الخلفاء، ودفن ثلاث مرات، وسافر ثلاث سفرات، مرتين منفيا ومرة إلى الموصل كما تقدم.
وفيها دخل بجكم بغداد فقلده الراضي إمرة الامراء مكان ابن رائق، وقد كان بجكم هذا من غلمان أبي علي العارض وزير ما كان بن كالي الديلمي، فاستوهبه ما كان من الوزير فوهبه له، ثم فارق ما كان ولحق بمرداويج، وكان في جملة من قتله في الحمام كما تقدم.
فلما ولاه الخليفة إمرة الامراء أسكن في دار مؤنس الخادم، وعظم أمره جدا وانفصل ابن رائق وكانت أيامه سنة وعشرة أشهر وستة عشر يوما.
وفيها بعث عماد الدولة بن بويه أخاه معز الدولة فأخذ الاهواز لابي عبد الله البريدي، وانتزعها من يد بجكم وأعادها إليه.
وفيها استولى لشكري أحد أمراء وشمكير الديلمي على بلاد أذر بيجان وانتزعها من رستم (1) بن إبراهيم الكردي، أحد أصحاب ابن أبي الساج، بعد قتال طويل.
وفيها اضطرب أمر القرامطة جدا وقتل بعضهم بعضا، وانكفوا بسبب ذلك عن التعرض للفساد في الارض، ولزموا بلدهم هجر لا يرومون منه انتقالا إلى غيره، ولله الحمد والمنة.
وفيها توفي أحمد بن زياد بن عبد الرحمن الاندلسي، كان أبوه من أصحاب مالك، وهذا الرجل هو أول من أدخل فقه مالك إلى الاندلس وقد عرض عليه القضاء بها فلم يقبل.
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وثلثمائة
في المحرم منها خرج الراضي أمير المؤمنين إلى الموصل لمحاربة ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان نائبها، وبين يديه بجكم أمير الامراء، وقاضي القضاة أبو الحسين عمر بن محمد بن يوسف، وقد استخلف على بغداد ولده القاضي أبا نصر يوسف بن عمر، في منصب القضاء، عن أمر الخليفة بذلك.
وكان فاضلا عالما، ولما انتهى بجكم إلى الموصل واقع الحسن بن عبد الله بن حمدان فهزم بجكم ابن حمدان، وقرر الخليفة الموصل والجزيرة، وولى فيها.
وأما محمد بن رائق فإنه اغتنم غيبة الخليفة عن بغداد واستجاش بألف من القرامطة وجاء بهم فدخل بغداد فأكثر فيها الفساد، غير أنه لم يتعرض لدار الخلافة، ثم بعث إلى الخليفة يطلب منه المصالحة والعفو عما جنى، فأجابه إلى ذلك، وبعث إليه قاضي القضاة أبا الحسين عمر بن يوسف، وترحل ابن رائق عن بغداد (2) ودخلها الخليفة في جمادى الاولى، ففرح المسلمون بذلك.
ونزل عند غروب الشمس أول ليلة من شهر آذار في جمادى الاولى مطر عظيم، وبرد كبار، كل واحدة نحو أوقيتين، واستمر فسقط بسببه دور كثيرة من بغداد.
وظهر جراد كثير في هذه السنة وكان الحج من جهة درب العراق قد تعطل
__________
(1) في الكامل 8 / 349: ديسم.
(2) في الكامل 8 / 354: قلده طريق الفرات وديار مصر - حران والرها وما جاورها وجند قنسرين والعواصم قال في مختصر تاريخ البشر: فسار ابن رائق واستولى عليها 2 / 86 .
من سنة سبع عشرة وثلثمائة إلى هذه السنة، فشفع في الناس الشريف أبو علي محمد بن يحيى العلوي عند القرامطة، وكانوا يحبونه لشجاعته وكرمه، في أن يمكنهم من الحج، وأن يكون لهم على كل جمل خمسة دنانير، وعلى المحمل سبعة دنانير، فاتفقوا معه على ذلك، فخرج الناس في هذه السنة إلى الحج على هذا الشرط، وكان في جملة من خرج الشيخ أبو علي بن أبي هريرة أحد أئمة الشافعية فلما اجتاز بهم طالبوه بالخفارة فثنى رأس راحلته ورجع وقال: ما رجعت شحا ولكن سقط عني الوجوب بطلب هذه الخفارة.
وفيها وقعت فتنة بالاندلس وذلك أن عبد الرحمن الاموي صاحب الاندلس الملقب بالناصر لدين الله، قتل وزيره أحمد فغضب له أخوه أمية بن إسحاق - وكان نائبا على مدينة
شنترين - فارتد ودخل بلاد النصارى واجتمع بملكهم ردمير ودلهم على عورات المسلمين، فسار إليهم في جيش كثيف من الجلالقة فخرج إليهم عبد الرحمن فأوقع بهم بأسا شديدا، وقتل من الجلالقة خلقا كثيرا، ثم كر الفرنج على المسلمين فقتلوا منهم خلقا كثيرا قريبا ممن قتلوا منهم، ثم والى المسلمون الغارات على بلاد الجلالقة فقتلوا منهم أمما لا يحصون كثرة، ثم ندم أمية بن إسحاق على ما صنع، وطلب الامان من عبد الرحمن فبعث إليه بالامان، فلما قدم عليه قبله واحترمه.
وفيها توفي من الاعيان الحسن بن القاسم بن جعفر بن دحيم (1) أبو علي الدمشقي، من أبناء المحدثين كان أخباريا له في ذلك مصنفات، وقد حدث عن العباس بن الوليد البيروتي (2) وغيره.
توفي بمصر في محرم هذه السنة.
وقد أناف على الثمانين سنة.
الحسين بن القاسم بن جعفر بن محمد بن خالد بن بشر أبو علي الكوكبي الكاتب، صاحب الاخبار والآداب، روى عن أحمد بن أبي خيثمة وأبي العيناء وابن أبي الدنيا.
روى عنه الدار قطني وغيره.
عثمان بن الخطاب ابن عبد الله أبو عمرو البلوي، المغربي الاشج، ويعرف بأبي الدنيا.
قدم هذا الرجل بغداد بعد الثلثمائة، وزعم أنه ولد أول خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ببلاد المغرب، وأنه وفد هو وأبوه على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأصابهم في الطريق عطش فذهب يرتاد لابيه ماء فرأى عينا فشرب منها واغتسل، ثم جاء لابيه ليسقيه فوجده قد مات، وقد هو على علي بن أبي طالب فأراد أن يقبل ركبته فصدمه الركاب فشج رأسه، فكان يعرف بالاشج.
وقد زعم صدقه في هذا الذي زعمه طائفة من الناس، ورووا عنه نسخة فيها أحاديث من روايته عن علي، وممن صدقه
__________
(1) في حسن المحاضرة: الحسن بن قاسم بن جعفر بن دحية.
وفي الوافي 12 / 203: الحسن بن القاسم بن دحيم.
(2) كذا بالاصل والمنتظم، والصواب البيروني في الوافي.
وفي حسن لمحاضرة: السدوسي .
في ذلك الحافظ محمد بن أحمد بن المفيد، ورواها عنه، ولكن كان المفيد متهما بالتشيع، فمسح له بذلك لانتسابه إلى علي، وأما جمهور المحدثين قديما وحديثا فكذبوه في ذلك، وردوا عليه كذبه، ونصوا على أن النسخة التي رواها موضوعة ومنهم أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي، وأشياخنا الذين أدركناهم: جهبذ الوقت شيخ الاسلام أبو العباس ابن تيمية، والجهبذ أبو الحجاج المزي، الحافظ مؤرح الاسلام أبو عبد الله الذهبي، وقد حررت ذلك في كتابي التكميل ولله الحمد والمنة.
قال المفيد: بلغني أن الاشج هذا مات سنة سبع وعشرين وثلثمائة، وهو راجع إلى بلده والله أعلم.
محمد بن جعفر بن محمد بن سهل أبو بكر الخرائطي، صاحب المصنفات، أصله من أهل سر من رأى، وسكن الشام وحدث بها عن الحسن بن عرفة وغيره.
وممن توفي فيها الحافظ الكبير ابن الحافظ الكبير أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي صاحب كتاب الجرح والتعديل، وهو من أجل الكتب المصنفة في هذا الشأن، وله التفسير الحافل الذي اشتمل على النقل الكامل، الذي يربو فيه على تفسير ابن جرير الطبري وغيره من المفسرين، إلى زماننا، وله كتاب العلل المصنفة المرتبة على أبواب الفقه، وغير ذلك من المصنفات النافعة، وكان من العبادة والزهادة والورع والحفظ والكرامات الكثيرة المشهورة على جانب كبير، رحمه الله.
وقد صلى مرة فلما سلم قال له رجل من بعض من صلى معه: لقد أطلت بنا، ولقد سبحت في سجودي سبعين مرة.
فقال عبد الرحمن: لكني والله ما سبحت إلا ثلاثا، وقد انهدم سور بلد في بعض بلاد الثغور فقال عبد الرحمن بن أبي حاتم للناس: أما تبنوه ؟ وقد حثهم على عمارته.
فرأى عندهم تأخرا.
فقال: من يبنيه وأضمن له على الله الجنة ؟ فقام رجل من التجار فقال: اكتب لي خطك بهذا الضمان وهذه ألف دينار لعمارته.
فكتب له رقعة بذلك، فعمر ذلك السور ثم اتفق موت ذلك الرجل التاجر عما قريب، فلما حضر الناس جنازته طارت من كفنه رقعة فإذا هي التي كانت كتبها له ابن أبي حاتم وإذا في ظهرها مكتوب: قد أمضينا لك هذا الضمان ولا تعد إلى ذلك.
والله
سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وثلثمائة قال ابن الجوزي في منتظمه: في غرة المحرم منها ظهرت في الجو حمرة شديدة في ناحية الشمال والمغرب، وفيها أعمدة بيض عظيمة كثيرة العدد.
وفيها وصل الخبر بأن ركن الدولة أبا علي الحسن بن بويه وصل إلى واسط فركب الخليفة وبجكم إلى حربه فخاف فانصرف راجعا إلى الاهواز ورجعا إلى بغداد.
وفيها ملك ركن الدولة بن بويه مدينة أصبهان، أخذها من وشمكير أخي
مرداويج، لقلة جيشه في هذا الحين.
وفي شعبان منها زادت دجلة زيادة عظيمة وانتشرت في الجانب الغربي، وسقطت دور كثيرة، وانبثق بثق من نواحي الانبار فغرق قرى كثيرة، وهلك بسببه حيوان وسباع كثيرة في البرية.
وفيها تزوج بجكم بسارة بنت عبد الله البريدي.
ومحمد بن أحمد بن يعقوب الوزير يومئذ ببغداد، ثم صرف عن الوزارة بسليمان بن الحسن، وضمن البريدي بلاد واسط وأعمالها بستمائة ألف دينار.
وفيها توفي قاضي القضاة أبو الحسن عمر بن محمد بن يوسف، وتولى مكانه ولده أبو نصر يوسف بن عمر بن محمد بن يوسف، وخلع عليه الخليفة الراضي يوم الخميس لخمس بقين من شعبان منها.
ولما خرج أبو عبد الله البريدي إلى واسط كتب إلى بجكم يحثه على الخروج إلى الجبل ليفتحها ويساعده هو على أخذ الاهواز من يد عماد الدولة بن بويه، وإنما كان مقصوده أن يبعده عن بغداد ليأخذها منه.
فلما انفصل بجكم بالجنود بلغه ما يريده البريدي من المكيدة به، فرجع سريعا إلى بغداد، وركب في جيش كثيف إليه وأخذ الطرق عليه من كل جانب، لئلا يشعر به إلا وهو عليه.
فاتفق أن بجكما كان راكبا في زورق وعنده كاتب له إذ سقطت حمامة في ذنبها كتاب فأخذه بجكم فقرأه فإذا فيه كتاب من هذا الكاتب إلى أصحاب البريدي يعلمهم بخبر بجكم، فقال له بجكم: ويحك هذا خطك ؟ قال: نعم ! ولم يقدر أن ينكر، فأمر بقتله فقتل والقي في دجلة.
ولما شعر البريدي بقدوم بجكم هرب إلى البصرة ولم يقم بها أيضا بل هرب منها إلى غيرها.
واستولى
بجكم على بلاد واسط، وتسلط الديلم على جيشه الذين خلفهم بالجبل ففروا سراعا إلى بغداد.
وفيها استولى محمد بن رائق على بلاد الشام فدخل حمص أولا فأخذها، ثم جاء إلى دمشق وعليها بدر بن عبد الله الاخشيد المعروف ببدر (1).
الاخشيد وهو محمد بن طغج، فأخرجه ابن رائق من دمشق قهرا واستولى عليها.
ثم ركب ابن رائق في جيش إلى الرملة فأخذها، ثم إلى عريش مصر فأراد دخولها فلقيه محمد بن طغج الاخشيد فاقتتلا هناك فهزمه ابن رائق واشتغل أصحابه بالنهب ونزلوا بخيام المصريين، فكر عليهم المصريون فقتلوهم قتلا عظيما، وهرب ابن رائق في سبعين رجلا من أصحابه، فدخل دمشق في أسوأ حال وشرها، وأرسل له ابن ظغج أخاه أبا نصر بن طغج في جيش فاقتتلوا عند اللجون في رابع ذي الحجة، فهزم ابن رائق المصريين وقتل أخو الاخشيد فيمن قتل، فغسله ابن رائق وكفنه وبعث به إلى أخيه بمصر وأرسل معه ولده وكتب إليه يحلف أنه ما أراد قتله، ولقد شق عليه، وهذا ولدي فاقتد منه.
فأكرم الاخشيد ولد محمد بن رائق، واصطلحا على أن تكون الرملة وما بعدها إلى ديار مصر للاخشيد، ويحمل إليه الاخشيد في كل سنة مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار، وما بعد الرملة إلى جهة دمشق تكون لابن رائق.
وفيها توفي من الاعيان..
__________
(1) في الكامل 8 / 363 والعبر لابن خلدون 3 / 408: بدير .
أبو محمد جعفر (1) المرتعش أحد مشايخ الصوفية، كذا ذكره الخطيب.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي اسمه عبد الله بن محمد أبو محمد النيسابوري، كان من ذوي الاموال فتخلى منها وصحب الجنيد وأبا حفص وأبا عثمان، وأقام ببغداد حتى صار شيخ الصوفية، فكان يقال عجائب بغداد: إشارات الشبلي، ونكت المرتعش، وحكايات جعفر الخواص.
سمعت أبا جعفر (2) الصائغ يقول قال المرتعش: من ظن أن أفعاله تنجيه من النار أو تبلغه الرضوان فقد جعل لنفسه وفعله خطرا، ومن اعتمد على فضل الله بلغه الله أقصى منازل الرضوان وقيل للمرتعش: إن فلانا يمشي على الماء.
فقال: إن مخالفة الهوى أعظم من المشي على الماء، والطيران في الهواء.
ولما حضرته الوفاة بمسجد الشونيزية حسبوا ما
عليه من الدين فإذا عليه سبعة عشر درهما، فقال: بيعوا خريقاتي هذه واقضوا بها ديني، وأرجو من الله تعالى أن يرزقني كفنا.
وقد سألت الله ثلاثا: أن يميتني فقيرا، وأن يجعل وفاتي في هذا المسجد فإني صحبت فيه أقواما، وأن يجعل عندي من آنس به وأحبه.
ثم أغمض عينيه ومات.
أبو سعيد الاصطخري الحسن بن أحمد ابن يزيد بن عيسى بن الفضل بن يسار، أبو سعيد الاصطخري أحد أئمة الشافعية، كان زاهدا ناسكا عابدا، ولي القضاء بقم، ثم حسبة بغداد، فكان يدور بها ويصلي على بغلته، وهو دائر بين الازقة، وكان متقللا جدا.
وقد ذكرنا ترجمته في طبقات الشافعية، وله كتاب القضاء لم يصنف مثله في بابه، توفي وقد قارب التسعين (3) رحمه الله.
علي بن محمد أبو الحسن المزين الصغير أحد مشايخ الصوفية، أصله من بغداد، وصحب الجنيد وسهلا التستري، وجاور بمكة حتى توفي في هذه السنة، وكان يحكي عن نفسه قال: وردت بئرا في أرض تبوك فلما دنوت منها زلقت فسقطت في البئر، وليس أحد يراني.
فلما كنت في أسفله إذا فيه مصطبة فتعلقت بها وقلت: إن مت لم أفسد على الناس الماء، وسكنت نفسي وطابت للموت، فبينا أنا كذلك إذا أفعى قد تدلت علي
__________
(1) كذا بالاصل والكامل لابن الاثير، وفي صفة الصفوة 2 / 462: عبد الله بن محمد النيسابوري.
وانظر شذرات الذهب 2 / 317.
(2) في صفة الصفوة: أبا الفرج.
(3) قال ابن خلكان في ترجمته 2 / 74: كانت ولادته سنة 244 ه وتوفي 12 جمادى الآخرة سنة 328 فعلى هذا يكون له عندما مات 84 سنة .
فلفت علي ذنبها ثم رفعتني حتى أخرجتني إلى وجه الارض، وانسابت فلم أدر أين ذهبت، ولا من أين جاءت.
وفي مشايخ الصوفية آخر يقال له أبو جعفر المزين الكبير، جاور بمكة ومات بها أيضا، وكان من العباد.
روى الخطيب عن علي بن أبي علي إبراهيم بن محمد الطبري عن جعفر الخلدي
قال: ودعت في بعض حجاتي المزين الكبير فقلت له: زودني.
فقال لي: إذا فقدت شيئا فقل: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، اجمع بيني وبين كذا، فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشئ.
قال: وجئت إلى الكتاني فودعته وسألته أن يرودني، فأعطاني خاتما على فصه نقش فقال: إذا اغتممت فانظر إلى فص هذا الخاتم يزول غمك.
قال: فكنت لا أدعو بذلك الدعاء إلا استجيب لي، ولا أنظر في ذلك الفص إلا زال غمي، فبينا أنا ذات يوم في سمرية إذ هبت ريح شديدة، فأخرجت الخاتم لانظر إليه فلم أدر كيف ذهب، فجعلت أدعو بذلك الدعاء يومي أجمع أن يجمع علي الخاتم، فلما رجعت إلى المنزل فتشت المتاع الذي في المنزل فإذا الخاتم في بعض ثيابي التي كانت بالمنزل.
صاحب كتاب العقد الفريد - أحمد بن عبد ربه ابن حبيب بن جرير (1) بن سالم أبو عمر القرطبي، مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الاموي.
كان من الفضلاء المكثرين، والعلماء بأخبار الاولين والمتأخرين، وكتابه العقد يدل على فضائل جمة، وعلوم كثيرة مهمة، ويدل كثير من كلامه على تشيع فيه، وميل إلى الحط على بني أمية.
وهذا عجيب منه، لانه أحد مواليهم وكان الاولى به أن يكون ممن يواليهم لا ممن يعاديهم.
قال ابن خلكان: وله ديوان شعر حسن، ثم أورد منه أشعارا في التغزل في المردان والنسوان أيضا.
ولد في رمضان سنة ست وأربعين ومائتين وتوفي بقرطبة يوم الاحد ثامن عشر جمادى الاولى من هذه السنة.
عمر بن أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب ابن حماد بن زيد بن درهم، أبو الحسين الازدي الفقيه المالكي القاضي، ناب عن أبيه وعمره عشرون سنة، وكان حافظا للقرآن والحديث والفقه على مذهب مالك، والفرائض.
والحساب واللغة والنحو والشعر.
وصنف مسندا فرزق قوة الفهم وجودة القريحة، وشرف الاخلاق، وله الشعر الرائق الحسن، وكان مشكور السيرة في القضاء، عدلا ثقة إماما.
قال الخطيب: أخبرنا أبو الطيب الطبري سمعت المعافى بن زكريا الجريري يقول: كنا نجلس في حضرة القاضي أبي الحسين
__________
(1) في الوافي 8 / 10 ووفيات الاعيان 1 / 110: أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن حذير .
فجئنا يوما ننتظره على العادة فجلسنا عند بابه، وإذا أعرابي جالس كأن له حاجة، إذ وقع غراب على نخلة في الدار، فصرخ ثم طار.
فقال الاعرابي: إن هذا الغراب يخبر أن صاحب هذه الدار يموت بعد سبعة أيام.
قال فزبرناه فقام وانصرف، ثم خرج الاذن من القاضي أن هلموا، فدخلنا فوجدناه متغير اللون مغتما، فقلنا له: ما الخبر ؟ فقال: إني رأيت البارحة في المنام شخصا يقول: منازل آل حماد بن زيد * على أهليك والنعم السلام وقد ضاق لذلك صدري.
قال: فدعونا له وانصرفنا.
فلما كان اليوم السابع من ذلك اليوم دفن ليوم الخميس لسبع عشرة مضت من شعبان من هذه السنة، وله من العمر تسع وثلاثون سنة، وصلى عليه ابنه أبو نصر وولي بعده القضاء.
قال الصولي: بلغ القاضي أبو الحسين من العلم مبلغا عظيما مع حداثة سنة، وحين توفي كان الخليفة الراضي يبكي عليه ويحرضنا ويقول: كنت أضيق بالشئ ذرعا فيوسعه علي، ثم يقول: والله لا بقيت بعده.
فتوفي الراضي بعده في نصف ربيع الاول من هذه السنة الآتية رحمهما الله.
وكان الراضي أيضا حدث السن.
ابن شنبوذ المقري محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت أبو الحسن المقري المعروف بابن شنبوذ.
روى عن أبي مسلم الكجي، وبشر بن موسى وخلق، واختار حروفا في القراءات أنكرت عليه، وصنف أبو بكر الانباري كتابا في الرد عليه، وقد ذكرنا فيما تقدم كيف أنه عقد له مجلس في دار الوزير ابن مقلة، وأنه ضرب حتى رجع عن كثير منها، وكانت قراءات شاذة أنكرها عليه قراء أهل عصره.
توفي في صفر منها، وقد دعا على الوزير ابن مقلة حين أمر بضربه فلم يفلح ابن مقلة بعدها، بل عوقب بأنواع من العقوبات، وقطعت يده ولسانه، وحبس حتى مات في هذه السنة التي مات فيها ابن شنبوذ.
وهذه ترجمة ابن مقلة الوزير أحد الكتاب المشاهير وهو: محمد بن علي بن الحسن (1) بن عبد الله
أبو علي المعروف بابن مقلة الوزير.
وقد كان في أول عمره ضعيف الحال (2)، قليل المال، ثم آل به الحال إلى أن ولي الوزارة لثلاثة من الخلفاء.
المقتدر، والقاهر، والراضي.
وعزل ثلاث
__________
(1) في وفيات الاعيان 5 / 113: الحسين.
(2) كان في ابتداء امره يخدم في بعض الدواوين في كل شهر بستة دنانير ثم تعلق بابن الفرات واختص به، فرفع من قدره وأعلى من شأنه، فمكث بين يديه يعرض عليه رقاعا في مهمات الناس وينتفع بسبب ذلك.
وقال ابن خلكان: كان يتولى بعض أعمال فارس ويجبي خراجها..(انظر وفيات الاعيان 5 / 113 الوافي 4 / 109 والفخري 270) .
مرات، وقطعت يده ولسانه في آخر عمره، وحبس فكان يستقي الماء بيده اليسرى وأسنانه، وكان مع ذلك يكتب بيده اليمنى مع قطعها، كما كان يكتب بها وهي صحيحة.
وقد كان خطه من أقوى الخطوط، كما هو مشهور عنه وقد بنى له دارا في زمان وزارته وجمع عند بنيانها خلقا من المنجمين، فاتفقوا على وضع أساسها في الوقت الفلاني، فأسس جدرانها بين العشاءين كما أشار به المنجمون.
فما لبث بعد استتمامها إلا يسيرا حتى خربت وصارت كوما، كما ذكرنا ذلك، وذكرنا ما كتبوا على جدارانها.
وقد كان له بستان كبير جدا، عدة أجربة - أي فدادين - وكان على جميعه شبكة من إبريسم، وفيه أنواع الطيور من القمارى والهزار والببغ والبلابل والطواويس وغير ذلك شئ كثير، وفي أرضه من الغزلان وبقر الوحش والنعام وغير ذلك شئ كثيرا أيضا.
ثم صار هذا كله عما قريب بعد النضرة والبهجة والبهاء إلى الهلاك والبوار والفناء الزوال.
وهذه سنة الله في المغترين الجاهلين الراكنين إلى دار الفناء الغرور.
وقد أنشد فيه بعض الشعراء حين بنى داره وبستانه وما اتسع فيه من متاع الدنيا: قل لابن مقلة: لا تكن عجلا * واصبر، فإنك في أضغاث أحلام تبني بأحجر دور الناس مجتهدا * دارا ستهدم قنصا بعد أيام ما زلت تختار سعد المشتري لها * فكم نحوس به من نحس بهرام
إن القران وبطليموس ما اجتمعا * في حال نقض ولا في حال ابرام فعزل ابن مقلة عن الوزارة بغداد وخربت داره وانقلعت أشجاره وقطعت يده، ثم قطع لسانه وصودر بألف ألف دينار، ثم سجن وحده ليس معه من يخدمه مع الكبر والضعف والضرورة وانعدام بعض أعضائه، حتى كان يستقي الماء بنفسه من بئر عميق، فكان يدلي الحبل بيده اليسرى ويمسكه بفيه.
وقاسى جهدا جهيدا بعد ما ذاق عيشا رغيدا.
ومن شعره في يده: ما سئمت الحياة، لكن توثقت للحياة (1) * بأيمانهم، فبانت يميني بعت ديني لهم بدنياي حتى * حرموني دنياهم بعد ديني ولقد حفظت ما استطعت بجهدي * حفظ أرواحهم، فما حفظوني ليس بعد اليمين لذة عيش * يا حياتي بانت يميني فبيني وكان يبكي على يده كثيرا ويقول: كتبت بها القرآن مرتين، وخدمت بها ثلاثة من الخلفاء تقطع كما تقطع أيدي اللصوص ثم ينشد: إذا ما مات بعضك فابك بعضا * فإن البعض من بعض قريب وقد مات عفا الله عنه في محبسه هذا ودفن في دار السلطان، ثم سأل ولده أبو الحسين أن يحول
__________
(1) البيت في الوافي 4 / 110 ووفيات الاعيان 5 / 116، وفيهما سقطت " للحياة " .
إلى عنده فأجيب فنبشوه ودفنه ولده عنده في داره.
ثم سألت زوجته المعروفة بالدينارية أن يدفن في دارها فأجيبت إلى ذلك فنبش ودفن عندها.
فهذه ثلاث مرات.
توفي وله من العمر ست وخمسون سنة.
أبو بكر بن الانباري محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان بن سماعة بن فروة بن قطن بن دعامة أبو بكر الانباري، صاحب كتاب الوقف والابتداء، وغيره من الكتب النافعة، والمصنفات الكثيرة.
كان من بحور العلم في اللغة والعربية والتفسير والحديث، وغير ذلك.
سمع الكديمي
وإسماعيل القاضي وثعلبا وغيرهم، وكان ثقة صدوقا أديبا، دينا فاضلا من أهل السنة.
كان من أعلم الناس بالنحو والادب، وأكثرهم حفظا له، وكان له من المحافيظ مجلدات كثيرة، أحمال جمال وكان لا يأكل إلا النقالى ولا يشرب ماء إلا قريب العصر، مراعاة لذهنه وحفظه، ويقال: إنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا، وحفظ تعبير الرؤيا في ليلة، وكان يحفظ في كل جمعة عشرة آلاف ورقة، وكانت وفاته ليلة عيد النحر من هذه السنة.
أم عيسى بنت إبراهيم الحربي، كانت عالمة فاضلة، تفتي في الفقه.
توفيت في رجب ودفنت إلى جانب أبيها رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة تسع وعشرين وثلثمائة في المنتصف (1) من ريبع الاول كانت وفاة الخليفة الراضي بالله أمير المؤمنين أبي العباس أحمد بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد بالله أحمد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد العباسي، استخلف بعد عمه القاهر لست (2) خلون من جمادى الاولى سنة ثنتين وعشرين وثلثمائة.
وأمه أم ولد رومية تسمى ظلوم، كان مولده في رجب سنة سبع وتسعين ومائتين، وكانت خلافته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام (3)، وعمره يوم مات إحدى وثلاثين سنة وعشرة أشهر (4).
وكان أسمر
__________
(1) في تاريخ بغداد 2 / 242: ليلة السبت لست عشرة ليلة خلت من ربيع الاول.
وفي الوافي بالوفيات 2 / 299 ونهاية الارب 23 / 152: منتصف ربيع الآخر.
وفي المنتظم 6 / 324: ليلة السبت 14 بقيت من ربيع الآخر.
(2) في مروج الذهب 4 / 351: لخمس.
(3) يتفق مع ما جاء في المنتظم ونهاية الارب وتاريخ الخلفاء والعيون والحدائق.
وفي مروج الذهب 4 / 364: ست سنين وأحد عشر شهرا وثلاثة أيام.
وفي العقد الفريد والوافي بالوفيات 2 / 299: ست سنين وعشرة أيام.
وفي العبر لابن خلدون 3 / 409: سبع سنين غير شهر.
(4) في الكامل 8 / 366: اثنتين وثلاثين سنة وشهروا
رقيق السمرة ذري اللون أسود الشعر سبطه، قصير القامة، نحيف الجسم، في وجهه طول، وفي مقدم لحيته تمام، وفي شعرها رقة.
هكذا وصفه من شاهده.
قال الخطيب البغدادي: كان للراضي فضائل كثيرة، وختم الخلفاء في أمور عدة: منها أنه كان آخر خليفة له شعر، وآخرهم انفرد بتدبير الجيوش والاموال، وآخر خليفة خطب على المنبر يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل إليه الندماء.
وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وجراياته وخزائنه ومطابخه ومجالسه وخدمه وأصحابه وأموره كلها تجري على ترتيب المتقدمين من الخلفاء.
وقال غيره: كان فصيحا بليغا كريما جوادا ممدحا، ومن جيد كلامه الذي سمعه منه محمد بن يحيى الصولي: لله أقوام هم مفاتيح الخير، وأقوام هم مفاتيح الشر، فمن أراد الله به خيرا قصده أهل الخير وجعله الوسيلة إلينا فنقضي حاجته وهو الشريك في الثواب والاجر والشكر ومن أراد الله به شرا عدل به إلى غيرنا وهو الشريك في الوزر والاثم والله المستعان على كل حال.
ومن ألطف الاعتذارات ما كتب به الراضي إلى أخيه المتقي وهما في المكتب - وكان المتقي قد اعتدى على الراضي والراضي هو الكبير منهما - فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أنا معترف لك بالعبودية فرضا، وأنت معترف لي بالاخوة فضلا، والعبد يذنب والمولى يعفو.
وقد قال الشاعر: يا ذا الذي يغضب من غير شي * اعتب فعتباك حبيب إلي أنت على أنك لي ظالم * أعز خلق الله طرا علي قال فجاء إليه أخوه المتقي فأكب عليه يقبل يديه وتعانقا واصطلحا.
ومن لطيف شعره قوله فيما ذكره ابن الاثير في كامله: يصفر وجهي إذا تأمله * طرفي ويحمر وجهه خجلا حتى كأن الذي بوجنته * من دم جسمي إليه قد نقلا قال: ومما رثا به أباه المقتدر: ولو أن حيا كان قبرا لميت * لصيرت أحشائي لاعظمه قبرا ولو أن عمري كان طوع مشيئتي * وساعدني المقدور (1) قاسمته العمرا
بنفسي ثرى ضاجعت في تربة (2) البلى * لقد ضم منك الغيث والليث والبدرا ومما أنشده له ابن الجوزي في منتظمه: لا تكثرن لومي (3) على الاسراف * ربح المحامد متجر الاشراف
__________
(1) في الكامل 8 / 366: التقدير.
(2) في الكامل: تربه.
(3) في الوافي 2 / 298: لا تعذلي كرمي .
أحوي لما يأتي المكارم سابقا (1) * وأشيد ما قد أسست أسلافي إني من القوم الذين أكفهم * معتادة الاملاق (2) والاتلاف ومن شعره الذي رواه الخطيب عنه من طريق أبي بكر محمد بن يحيى الصولي النديم قوله: كل صفو إلى كدر * كل أمن إلى حذر ومصير الشباب للمو * ت فيه أو الكبر (3) در در المشيب من * واعظ ينذر البشر أيها الآمل الذي * تاه في لجة الغرر أين من كان قبلنا ؟ * درس العين والاثر سيرد المعاد من * عمره كله خطر رب إني ادخرت (4) عن * دك أرجوك مدخر رب إني مؤمن بما * بين الوحي في السور واعترافي بترك نف * عي وإيثاري الضرر رب فاغفر لي الخطي * ئة، ياخير من غفر وقد كانت وفاته بعلة الاستسقاء في ليلة السادس عشر من ربيع الاول منها.
وكان قد أرسل إلى بجكم وهو بواسط أن يعهد إلى ولده الاصغر أبي الفضل، فلم يتفق له ذلك، وبايع الناس أخاه
المتقي لله إبراهيم بن المقتدر، وكان أمر الله قدرا مقدورا.
[ خلافة المتقي لله ] لما مات أخوه الراضي اجتمع القضاة والاعيان بدار بجكم واشتوروا فيمن يولون عليهم، فاتفق رأيهم كلهم على المتقي، فأحضروه في دار الخلافة وأرادوا بيعته فصلى ركعتين صلاة الاستخارة وهو على الارض، ثم صعد إلى الكرسي بعد الصلاة، ثم صعد إلى السرير وبايعه الناس يوم الاربعاء لعشر بقين من ربيع الاول منها (5)، فلم يغير على أحد شيئا، ولا غدر بأحد حتى ولا على سريته لم يغيرها ولم يتسر عليها.
وكان كاسمه المتقي بالله كثير الصيام والصلاة والتعبد.
وقال: لا أريد
__________
(1) في الوافي: اجري كآبائي الخلايف سابقا.
(2) في الوافي: الاتلاف والاخلاف.
(2) في الكامل 8 / 367: أو الكدر.
(4) في الكامل والوافي 2 / 299: ذخرت.
(5) في الكامل 8 / 368: بويع له في العشرين من ربيع الاول.
وفي مروج الذهب 4 / 383: لعشر خلون من ربيع الاول
جليسا ولا مسامرا، حسبي المصحف نديما، لا أريد نديما غيره.
فانقطع عنه الجلساء والسمار والشعراء والوزراء والتفوا على الامير بجكم، وكان يجالسهم ويحادثونه ويتناشدون عنده الاشعار، وكان بجكم لا يفهم كثير شئ مما يقولون لعجمته، وكان في جملتهم سنان بن ثابت الصابي المتطبب، وكان بجكم يشكو إليه قوة النفس الغضبية فيه، وكان سنان يهذب من أخلاقه ويسكن جأشه، ويروض نفسه حتى يسكن عن بعض ما كان يتعاطاه من سفك الدماء، وكان المتقي بالله حسن الوجه معتدل الخلق قصير الانف أبيض مشربا حمرة، وفي شعره شقرة، وجعودة، كث اللحية، أشهل العينين، أبي النفس.
لم يشرب خمرا ولا نبيذا قط، فالتقى فيه الاسم والفعل ولله الحمد.
ولما استقر المتقي في الخلافة أنفذ الرسل والخلع إلى بجكم وهو بواسط، ونفذت المكاتبات إلى الآفاق بولايته.
وفيها تحارب أبو عبد الله البريدي وبجكم بناحية الاهواز، فقتل بجكم في الحرب واستظهر البريدي عليه وقوي أمره، فاحتاط الخليفة على حوا